ارهاصات مجنون
مساعي التهدئة وإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط زيارة الوفد الثلاثي إلى طهران!
د. طالب الشوكة
زيارة الوفد الثلاثي المشترك (السعودية وتركيا وباكستان) إلى طهران تحمل أبعاداً متعددة، تجمع بين الوساطات الإقليمية والدولية ومحاولات التأثير في موازين القوى في الشرق الأوسط. ومن الناحية الأمنية المباشرة، يمثل حضور شخصيات رفيعة المستوى، هي وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، ورئيس أركان الجيش الباكستاني عاصم منير، إشارة واضحة إلى أن المحادثات تتناول تفاهمات أمنية وعسكرية على مستوى رفيع. وتُعد الزيارة أول تحرك مشترك رفيع المستوى لهذه الدول الثلاث إلى طهران منذ تشكيل ما يُعرف بـاتفاقية مكة للدفاع المشترك، وتعكس رغبة في تنسيق المواقف تجاه القضايا الخلافية، وتجنب الاقتصار على التحركات الدبلوماسية الفردية.
تستفيد باكستان من قنوات التواصل التاريخية والعسكرية المفتوحة مع كل من واشنطن وطهران، فيما تتكامل هذه المساعي مع جهود الوساطة القطرية بهدف بلورة مقترحات عملية لتهدئة الأزمات القائمة، ونقل الرسائل وتبادل الضمانات.
تعيش المنطقة حالة مضطربة، وسط مخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين واشنطن وتل أبيب وطهران. وتحاول السعودية وتركيا وباكستان منع الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تمتد أضرارها الاقتصادية والأمنية إلى البنية التحتية والملاحة البحرية في الخليج والبحر الأحمر، إلى جانب السعي لتقريب المواقف بين طهران وواشنطن، والبحث عن صيغة تسوية تجنب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري.
إن أي استقرار إقليمي يمثل شرطاً أساسياً للنمو الاقتصادي ومشاريع التحول التنموي. فخفض حدة التوتر مع إيران يخدم بيئة الاستثمار ويحمي خطوط الإمداد والملاحة. وبالنسبة إلى الرياض وأنقرة، يحضر الملف اليمني وتداعياته بوضوح في الحسابات السعودية والإقليمية، حيث تسعى هذه التحركات إلى دفع مسار التهدئة واستكمال المسار السياسي، من خلال الحوار والتفاهم مع طهران.
يعكس اللقاء ميلاً متزايداً لدى قوى إقليمية رئيسية إلى بناء منظومة أمنية توافقية على المستوى الإقليمي، دون الاعتماد الكلي على الضمانات الخارجية، وهو ما تطرحه طهران أيضاً ضمن خطابها السياسي. وقد توفر هذه التحركات فرصة لإيران للحصول على تطمينات بشأن عدم استخدام أراضي الدول المجاورة وأجوائها منطلقاً لأي عمل عسكري ضدها، مقابل التزامات متبادلة بعدم استهداف البنى التحتية لدول الجوار. غير أن تحقق مثل هذه التفاهمات يظل مرتبطاً بما قد تسفر عنه المفاوضات، إذ لم يُعلن عن اتفاق نهائي بشأنها. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الزيارة بوصفها محاولة لاحتواء الأزمات المتراكمة، وفتح المجال أمام معادلة تقوم على التهدئة المتبادلة وإدارة الخلافات عبر الحوار بدلاً من الصدام المسلح.
جاءت الزيارة إلى العاصمة الإيرانية طهران في سياق تحركات دبلوماسية واتصالات تمهيدية مكثفة. وقد دعمت قطر جهود الوساطة المرتبطة بالزيارة، فيما تمتلك الدوحة قنوات اتصال مع طهران وواشنطن، وتتمتع عُمان بخبرة في إدارة الحوارات الهادئة بعيداً عن الأضواء. لكن تحديد طبيعة الدور الذي أدته كل من الدوحة ومسقط في التحضير المباشر للزيارة يحتاج إلى معلومات موثقة.
وتولى مسؤولون كبار، من بينهم رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن والقيادات العسكرية والأمنية السعودية والباكستانية، أدواراً مهمة في التحرك الدبلوماسي. ويعكس اجتماع هذه الشخصيات رغبة في تنسيق المواقف وتعزيز القدرة التفاوضية للوفد، إلا أن القول إن الزيارة خُصصت للاتفاق النهائي وتثبيت التعهدات يحتاج إلى ما يؤكده، خصوصاً أن البيان المعلن تحدث عن مواصلة الحوار وتعزيز التعاون بين الدول الأربع في مجالي السلام والأمن الإقليميين.
باكستان: تمثل حلقة وصل مهمة بحكم علاقاتها التاريخية والعسكرية مع إيران، فضلاً عن قنوات تواصلها مع واشنطن.
تركيا: تمثل شريكاً إقليمياً يمتلك مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة مع إيران، فضلاً عن علاقاته المتشعبة مع القوى الدولية والإقليمية.
السعودية: تمثل الثقل العربي والخليجي، وتمتلك تأثيراً مباشراً في ملفات ساخنة، من بينها اليمن وأمن الخليج والملاحة البحرية.
ورغم أن الزيارة تمثل مبادرة إقليمية تقودها الدول الثلاث، فإن طبيعة التنسيق مع واشنطن تظل مسألة تحتاج إلى توثيق قبل الجزم بوجود إحاطات مسبقة أو تفاهمات غير معلنة. ومع ذلك، يمكن النظر إلى التحرك بوصفه جهداً للوساطة والدبلوماسية الوقائية، يستهدف تجنب اشتعال حرب إقليمية واسعة قد تتجاوز تداعياتها حدود الدول المعنية.
2026-10-31