7 تشرين وحسابات الدّكنجي الصَّغير..!
سعود قبيلات
يرى البعضُ أنَّ 7 تشرين الأوَّل 2023 (طوفان الأقصى)، وما تلاه، وما نجم عنه، ليس سوى خطأ كبير؛ لأنَّه أدى إلى دمار غزَّة، وخسائر جسيمة بالأرواح والمعدَّات؛ بل إنَّهم يرون أنَّه مثَّلَ خسارةً صافية للقضيَّة الفلسطينيَّة بمجملها..
هؤلاء ينظرون إلى كُلِّ شيءٍ بحسابات الدُّكَنْجيّ الصَّغير، وبِضِيقِ أُفقه..
فمتى كانت مقاومة الاستعمار (وخصوصاً، الاستعمار الاستيطاني الإحلالي) لا تؤدِّي إلى خسائر فادحة؟
في فيتنام، خلال حرب تحرير جنوب فيتنام وتوحيد البلاد، خسر الشَّعب الفيتنامي أربعة ملايين مِنْ أبنائه الَّذين فقدوا أرواحهم على مذبح قضيَّتهم الوطنيَّة العادلة؛ وهذا عدا الجرحى والدَّمار الكبير الَّذي حَلَّ بالبلاد؛ في حين خسر الأميركيّون 58 ألفاً، فقط، مِنْ جنودهم وضُبَّاطهم، الَّذين زجَّتهم المؤسَّسة الحاكمة الأميركيَّة في أتون الحرب في تلك البلاد البعيدة جدّاً عن بلادهم، لخدمة أطماعها الاستعماريَّة والاستغلاليَّة الجشعة..
لكن، تقييم نتائج الحرب لم يُبنَ على رقم أربعة ملايين مقابل ثمانية وخمسين ألفاً؛ بل على ما هي النَّتائج السِّياسيَّة الَّتي تحقَّقت بعد الحرب، ولصالح مَنْ كانت.
فالحروب، والمقاومة مِنْ ضمنها، لا تُخاض لذاتها؛ وليس فقط لإلحاق أكبر كمّ من الخسائر بالطَّرف الآخر؛ بل لتحقيق نتائج سياسيَّة.
وفي حرب تحرير الجزائر، قَتلَ المستعمرون الفرنسيّون، في آخر ثمانية وأربعين ساعة، قبل انسحابهم، حوالي ثلاثمئة ألف إنسان، بدمٍ بارد؛ قتلوهم على سبيل الانتقام الهمجيّ؛ وليس مِنْ أجل تحقيق أهداف سياسيَّة؛ لكن، من الَّذي انتصر، مع ذلك، في النِّهاية؟
وبالنِّسبة للَّذين يتباكون، الآن، على ما آلت إليه القضيَّة الفلسطينيَّة بعد 7 تشرين، نقول: هل كان حال القضيَّة الفلسطينيَّة جيّداً قبل ذلك؟
على العكس، لقد كانت في أسوأ أحوالها..
القضيَّة الفلسطينيَّة كانت – آنذاك – مدفونةً تحت رُكام الكلام الكثير عن «الحلول السِّلميَّة»؛ ولم يكن أحدٌ في العالم، سوى القليل القليل، يتحدَّث عن الحقوقَ الوطنيَّة والإنسانيَّة للشَّعب الفلسطينيّ؛ وكان يُنْظَرُ إلى «إسرائيل» كقلعة للدِّيمقراطيَّة، ويستمع لها كثيرون، بإنصاتٍ شديدٍ، وهي تتكلَّم بلغة المظلوميَّة وتُقدِّم نفسَها كممثِّل شرعيّ ووحيد لضحايا الهولوكوست.
وفي ذلك المناخ الرَّديء، المكتظّ بضباب تزييف الوعي؛ وفي مناخ انتشار الدَّعاوى الطَّائفيَّة والمذهبيَّة التَّكفيريَّة في البلاد العربيَّة؛ وخصوصاً، في البلدان المحيطة بفلسطين المحتلَّة، وجدَ الصَّهاينة الفرصَةَ ملائمةً لهم لتحقيق ما يسمُّونه «يهوديَّة الدَّولة»، وإقرار هذا الأمر في الكنيست، والانتقال به إلى مستوى «القانون».
وبموجب هذا «القانون»، يُصبح كُلّ إنسان غير يهودي في فلسطين (بما في ذلك فلسطينيّو الـ 48) مهدَّداً بأنْ يُعامَل كمقيم غريب.. حتَّى إنْ كان تاريخ أجداده على تلك الأرض يمتدّ إلى مئات أو أُلوف السِّنين.
وآنذاك، كان معظم الدُّول العربيَّة قد قطع شوطاً كبيراً في السَّير على طريق الاتِّفاقات الإبراهيميَّة، وصفقة القرن، وما إلى ذلك مِنْ مسمِّيات التَّصفية النَّهائيَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة..
الآن، «إسرائيل» مكروهة في كُلِّ أنحاء العالم، وقادتُها يُنظَر إليهم كمجرمي حَرب، وهم مطلوبون لمحكمة الجنايات الدَّوليَّة.
نعم، الخسائر كانت ضحمة، لا شكَّ في ذلك..
غزَّة دُمِّرتْ، وقدَّمتْ الكثير الكثير من الشُّهداء..
كما أنَّ الأعداءَ، في لحظة غدرٍ حانت لهم في خضمّ هذا الصّراع، تمكَّنوا من اقتناص سوريا، وحَلِّ جيشِها، وتدمير أسلحته، ووضع كيانها على طاولة التَّفتيت والتَّقسيم المذهبيّ والطَّائفيّ والإثنيّ، وإلحاقها بمعسكر الأنظمة التَّابعة والسَّائرة على طريق الاستسلام والتَّطبيع، وجَعْلِها نهباً للتَّوسُّع الصّهيونيّ المتتابع..
وبإسقاط سوريا، تمكَّن الأعداء أيضاً مِنْ حصار المقاومة في لبنان؛ على أمل أنْ يمكِّنهم ذلك مِنْ ضربها وإنهائها..
تلك المقاومة الَّتي بذلت الكثير من الأرواح وتكبَّدتْ الكثير من الخسائر في حربها لإسناد غزَّة؛ والآن، يلومها كثيرون مِنَ المنتمين إلى جمهورها، مع الأسف؛ لأنَّها خاطرتْ، وخسرتْ كثيراً، بدخولها في حرب الإسناد تلك..
هذا كُلُّه لا يمكننا تجاهُلَه؛ لكن خسائر العدوّ أيضاً كبيرة؛ بل إنَّها تُقاس بالمعيار الاستراتيجيّ؛ كما أنَّ الصّراع لا يزال مستعراً..
هذا الصِّراع عنيف ولا رحمة فيه؛ لأنَّه مصيريّ، ولأنَّه يدور على قضيَّة كبيرة..
والمهمّ، الآن، هو أنَّ المقاومة لا تزال في الميدان، والصِّراع لن ينتهِ ما دام الكيان الغاصب موجوداً؛ وما دام الشَّعب الفلسطينيّ لم يحصل على حقوقه الوطنيَّة والإنسانيَّة..
وحتَّى لو انتهت المقاومة بصورتها الحاليَّة، فمن المؤكَّد أنَّه ستظهر مقاومة جديدة، مقاومة أكثر قوّةً وأكثر خبرةً وأكثر حنكة..
هذا ما علَّمتنا إيَّاه دروس التَّاريخ؛ وفي مقدِّمتها، دروس تاريخ القضيَّة الفلسطينيَّة نفسِها.
2025-10-08