الحركة الوطنية وعملها الراهن في مقاومة الاحتلال في جدل الفكر السياسي الوطني !
أحمد الناصري
في الحلقة السابقة تناولنا موضوع (نشوء وتكون الفكر السياسي العراقي وعلاقته بحالة الانحطاط الراهن) وبينّا مجموعة من الأسباب الأساسية والمقدمات الداخلية التي أوصلتنا الى الوضع الخطير الراهن الذي يمر به بلدنا وشعبنا الآن، عبر سلسلة مترابطة من الأحداث والتطورات والمواقف المعروفة التي شهدها مجتمعنا وبلادنا منذ منعطف ثورة العشرين وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، مروراً بثورة 58 وفشلها اللاحق، والتجربة الاستثنائية الأخيرة، بالترابط مع المشروع الكوني الخارجي، وتحركه وتوسعه وطبيعته واستهدافاته، وموضوعات الهيمنة والتبعية والأشكال الجديدة للاستعمار، وما جرى عليها من تطورات جوهرية خطيرة، في ظل النظام الرأسمالي السائد حالياً، وسيطرة مجموعة المحافظين الجدد في أمريكا، المعروفة بتطرفها وعدوانيتها وشراستها، ومساندتها المطلقة للكيان الإسرائيلي، وفي ظل نموذج العولمة الاستغلالي المفروض بالقوة على الشعوب، خاصة في البلدان المتأخرة والتابعة والمنهوبة، أي أطراف العالم، ومنها بلداننا العربية. لقد تحدثنا عن أسباب ونواقص بنيوية أساسية في تكوين الفكر السياسي وفي عموم التجربة السياسية في جميع البلدان العربية ومنها العراق طبعاً، وانعكاس ذلك في النهاية على عمل وأداء الدولة والمجتمع والحركات السياسية بكل أطرافها، وفشل محاولات التغيير والبناء والتقدم، وتأثير عملية إدارة الصراع والخلاف والتصادم، والنزف الدائم والطويل، وصولاً الى النتيجة والدرجة التي نعيشها اليوم في بلد يرزح تحت احتلال أجبني بغيض يعبث بمصير الوطن والشعب، ويعرضهما الى أخطر محنة تاريخية، حصلت لهما. خلاصة التطبيق العملي لقراءتنا الخاصة الواردة في الحلقة السابقة تنطبق تماماً على نتائج وشكل الوضع السياسي الموالي للاحتلال، وعلى العملية السياسية الأمريكية التي أقامها وفرضها المحتل منذ اليوم الأول، وفشلها التام والكامل منذ البداية، ووصولها الى الطريق المسدود بسرعة كبيرة، وعلى المواقف النصفية التي يتخذها البعض، حيث يضع رجل هنا ورجل هناك، وفق تبريرات واهية ومنطق متداعي لا يصمد أمام الحقائق المزعجة، من دون الانتقال الى موقف واضح وحاسم في قضية وطنية خطيرة وكبيرة، وكل هذه الظواهر والحالات لا تحتاج الى شرح وإثبات، ولا لجدل بين أطراف الحركة الوطنية وبين الناس في بلادنا، فقد حصل الفرز في المواقف قبيل الحرب ووقوع الغزو والاحتلال. والفشل الشامل والصريح يمشي على قدميه ليل نهار، ويجوب البلاد بطولها وعرضها وشمالها كما في جنوبها وتركز في بغداد، ويتواجد في كل مكان وكل ناحية من نواحي الحياة وتفاصيلها، والتجربة المحلية الحالية بقضها وقضيضها مرتبطة بالاحتلال وبقاءه، تتنفس برئته وتموت بموته، وهو بمثابة جهاز وغرفة الإنعاش لها، ولا نقول رحمها رغم قذارته، كما تنطبق هذه القراءة على حالة النظام السابق وسياساته العامة وأخطاءه وأساليبه الوحشية والمتخبطة، وما وصل إليه في النهاية، وهو ينطبق كذلك على المعارضة العراقية التقليدية للنظام السابق وكيف كانت تدور في مكانها، ووصلت الى حالة من العجز والتوقف واليأس، وعدم القدرة على العمل الفعال والجديد، وفقدان الآمل بالتغيير، وكان ذلك من بين أسباب كثيرة، دفعت أقسام عديدة منها الى أحضان الاحتلال بشكل مأساوي وكاركتيري أيضاً. ولكن كيف لتجارب ودروس الماضي والحاضر بما لها وما عليها وهو كثير أن تفيد العمل الوطني الحالي في سبيل التخلص من الاحتلال وشروره وآثامه ومخاطره؟ ما هو مستوى العمل الفكري والسياسي الوطني الراهن في بلد محتلاً؟
هل تستطيع الحركات السياسية القديمة وعقلها وآلياتها السابقة العمل والنشاط في الظروف الحالية المتغيرة؟ هل ظهرت حركات فكرية وسياسية جديدة من رحم الأحداث وزلزال الاحتلال؟ هل الوقت الذي مر كان كافياً لبلورة حركة سياسية جديدة وفعالة ومتطورة؟ وأين نتلمس ذلك؟ هل هناك جيل جديد من السياسيين الوطنيين العراقيين تكون في مواجهة الاحتلال وطغيانه؟
وكيف يمكن تجاوز أخطاء الماضي الكثيرة، وكيف نمنع الأخطاء القديمة من التسلل الى العمل الوطني الجديد؟ وكيف يمكن تخطيء الأخطاء الجديدة والتداخلات بين المال والعمل الوطني الحقيقي، والتدخلات والضغوط الخارجية الكبيرة؟
ربما تكون الظروف العسكرية والأمنية والحرب الأهلية الطائفية وخطط وحملات الاحتلال الإرهابية ودور الأحزاب الطائفية في تخريب وتفتيت المجتمع، وتقطيع أوصال مدينة بغداد، وقسوة التجربة السابقة وحروبها وآثار الحصار والتجهيل والتفكيك التي تعرض لها المجتمع، قد منعت مؤقتاً قيام حركة سياسية جديدة لمواجهة الاحتلال، حيث يحاول عدد من المثقفين والسياسيين الوطنيين عبر جهود فردية المساهمة في تحديد ملامح الوضع الحالي تحت الاحتلال، وهي جهود كبيرة وشجاعة، تحاول فتح ثغرة في جداره وأسواره، لكنها لم ترتق بعد الى درجة تشكيل فكر سياسي وطني عراقي مواجه للاحتلال وخططه الإستراتيجية وإمكانياته الهائلة وجرائمه اليومية البشعة، ولم تتبلور بعد على شكل برنامج وطني لمواجهة الاحتلال، فلا تزال الآراء الرافضة والمقاومة له مشتتة ومتباعدة، ولم يتطور التنسيق المشترك فيما بينها الى الدرجة المطلوبة، ولم نشهد قيام جبهات وتحالفات وطنية دائمة وفعالة الى الآن. ولم يجر استخدام واستغلال أساليب العمل الجماهيري، ووسائل الإعلام الحديثة والسريعة والواسعة الانتشار، كالانترنيت والفضائيات والفعاليات والنشاطات الأخرى، لطرح تصورات منهجية معمقة وواضحة ومقنعة، بينما لا يزال عدد كبير من المثقفين والسياسيين والكتاب يلوذون بصمت عجيب وغريب وتردد غير مبرر، وينتظرون تطورات وأحداث لا تأتي من دون عمل مثابر ومواقف واضحة وثابتة، ولا يزال قسم آخر أسير القنوط واليأس والعزلة من هول الأحداث وتداخلها وطبيعتها الصاعقة والمدمرة، بينما انجرت أعداد كبيرة أخرى الى التهريج وخلط المفاهيم والتقديم والتأخير حسب المزاج والعلاقة بهذا الطرف او ذاك، وليس على أساس قناعات وطنية، مبنية على أساس الدراسة والتحليل المعمقين، وقامت تجارب متناثرة محدودة لم توفر الشروط اللازمة للاستمرار والتوسع والتأثير.
إن الكارثة الوطنية التي نمر بها تجعل من العمل السياسي الوطني العام، مهمة أساسية وسهلة الى حد بعيد، بسبب الموقف الوطني المشترك من الاحتلال، وقد بدأ الاصطفاف الوطني منذ اللحظات الأولى لوقوع جريمة الاحتلال، وهو يعمل وفق منطق ذاتي مستقل وصاعد، كما إن العمل الجاد والحقيقي على بلورة التيارات الفكرية والسياسية الواحدة وتجميعها في إطار عصري مناسب، هو دعم وتقوية للعمل الوطني العام وتعزيز لدور وإمكانيات كل تيار من تيارات العمل الوطني المعادي للاحتلال.
لذلك نتطلع الى لقاءات وفعاليات مشتركة لجميع الأطراف الوطنية، في الداخل والخارج، خاصة بين التيار اليساري الوطني، بما يمتلك من أهداف وبرامج وطنية واضحة، وتجربة تاريخية وأساليب عمل واسعة بين الناس والجماهير، وقدرات فكرية ومنهجية تساهم في بلورة موقف وطني رصين من جميع الأحداث الكارثية الجارية في بلدنا، ومن المحنة الوطنية التي نمر بها. إن العمل على بلورة وتطوير الموقف الوطني الواضح، والتمسك به، هو الأساس في العمل على مواجهة الاحتلال وخططه وأساليبه، ومقاومته وإرباكه وصولاً الى طرده النهائي والتام.
إن الجماهير الشعبية في البلدان المحتلة تتعلم بسرعة كبيرة من تجربتها الخاصة، وتكوّن وعيها الوطني التاريخي الذاتي الموجود أصلاً، والذي يبقى ثابتاً لا يتغير رغم صعود وهبوط موجات المقاومة المتلاحقة ضد الاحتلال وعدوانه، ورغم الظروف المعقدة والصعبة التي ترافق مسألة رفض الاحتلال ومقاومته، وفي تمسكها بالوحدة والوطنية وبالاستقلال الوطني كشرط دائم للموقف الأساسي، مهما كانت الظروف أو الأحوال.
وإن عوامل عميقة عديدة تقرر مصير المواجهة بين شعبنا والاحتلال، منها المأزق التاريخي الذي يواجهه كل احتلال تقريباً، لأنه يعمل في أرض غريبة ليست له، ومكان لا يعرفه، ولأهداف تتعلق بالجشع والاستغلال غير المشروع، الى جانب سلسلة الفشل والإخفاقات التي يتعرض لها الاحتلال وعملاءه والتي تساهم في دفع العمل الوطني الى الأمام، وليس النظرة السطحية الخارجية لميزان القوى والذي يبدو ميله الظاهري لصالح العدو.
على الحركة الوطنية استيعاب مزاج الجماهير وروحها الوطنية الثورية، وتحويل ذلك الى أساليب عمل متطورة ومتحركة، وهذا هو دور الحركات الوطنية السياسية، في صياغة وتنفيذ مشروع التحرر الوطني. أن الفكر السياسي الوطني، هو فكر اجتماعي تاريخي بالضرورة، لأنه حامل للمستقبل ورافعة من رافعات الأمل.