13 حزيران، انقلاب جيوسياسي وليس عملية محدودة!
جمال الطاهات
خلال أيام قليلة تكشفت الآفاق الجيوسياسية للحرب الإسرائيلية الإيرانية، وانكشف أيضاً أن يوم 13 حزيران ليس عملية محدودة قابلة للاحتواء، بل بداية حرب صفرية لإعادة انتاج معادلات جيوسياسية جديدة. ما تبدى في اليوم الأول بأنه عملية عسكرية مختلطة، لا تتجاوز الحدود الإيرانية، هدفها البرنامج النووي الإيراني، ظهرت آفاقه الجيوسياسية بعد أربعة أيام، بأنه هجوم واسع لحرب صفرية لن تنتهي إلا بهزيمة ساحقة لأحد طرفيها، كشرط لصياغة مستقبل وسط آسيا.
يوم 17 حزيران، صدر البيان الختامي لمجموعة السبع لإعلان مواقف حاسمة عنوانها دعم إسرائيل، وتكريس ما أسماه البيان “حقها في الدفاع عن نفسها”، ولكنه كذلك أعلن قلقهم من أثر الحرب على سوق الطاقة، باعتباره محدد ضروري أو شرط لإدارة هذه الحرب. في ذات اليوم أعلنت الصين عن اتفاقيات متعلقة بربط وسط آسيا مع البر الصيني.
مع أهمية التذكير بان معادلات الجغرافيا السياسية مبنية على قواعد صارمة تستند إلى تسويات تبني حدودها وممكناتها حقائق القوة على الأرض. وهذه الحرب إما أن يبقى العالم بعدها، وربما لعقود، أحادي القطبية، أو أن تكون القابلة التي ستولد منظومة عالمية متعددة الأقطاب، طال انتظارها. فالحروب الكبرى تنتج منظومات وقواعد جديدة، لإدارة حقائق القوة على الأرض.
فإذا خرجت إيران غير مهزومة من هذه الحرب، فإن دخول الغرب إلى وسط آسيا أصبح محكوماً بحقائق قوة جديدة على الأرض. بوابات الغرب لوسط آسيا هي تركيا التي تريد أن تقبض ثمناً استراتيجيا لفتح أبوابها أمام الغرب للعبور إلى وسط آسيا، وإيران التي لن تفتح البوابة لأوروبا وأمريكا بشكل مجاني. صمود إيران يعني تبخر أحلام أمريكا وأوروبا فيما أسماه بريحنسكي “الحصول على الجائزة الكبرى وهي البر الأسيوي العظيم”.
محاولات أوروبا التقدم لوسط آسيا ليست جديدة. ففي الحرب العالمية الثانية، حاول هتلر الوصول لوسط آسيا عبر الخاصرة الجنوبية للاتحاد السوفياتي، وشهدت سهول أذربيجان أكبر حرب مدرعات في تاريخ البشرية حتى الآن. هتلر زج بكل ما لديه لفتح الطريق لوسط آسيا، والاتحاد السوفياتي أعاد توزيع دفاعاته ليتمكن من توفير أدوات كافية لمنع هتلر من الوصول لوسط آسيا. وتقهقرت ألمانيا النازية عن وسط آسيا، وكان ذلك إيذاناً بأفولها.
والآن، يبدو أن الحرب هي للهيمنة على بوابة مركزية لدخول الغرب إلى وسط آسيا. فالهيمنة على إيران تفتح بوابات وسط آسيا دون دفع ثمن لتركيا. ولكن هذه الحرب إذا خسرتها إسرائيل (قد) تأخذ تركيا بعيداً عن الغرب، او سيزداد وزنها بشكل استثنائي في المنظومة الغربية. فمع الشرق الأدنى الملتهب، وإيران المتوترة، ووسط آسيا الصاعد محمولاً على برنامج التكامل الاقتصادي مع الصين وتحوله لجسر علاقة روسية صينية جديدة، فإن حصاد أوروبا والولايات المتحدة من الصراع في الشرق الأدنى هي، مزيداً من “الصداع”.
إصرار الولايات المتحدة على تحقيق النصر الكامل وعنوانه استسلام طهران، ليس خوفاً من القنبلة النووية الإيرانية على أمنها. بل من أجل استعادة الهيمنة على إيران كضرورة لمنع الانقلاب الجيوسياسي، وولادة العالم متعدد القطبية، وتجنب دفع الثمن الكبير الذي تطلبه تركيا لتصبح بوابة وسط آسيا. فأقل ما يمكن أن تطلبه تركيا (أكثر بكثير من الرشوة التي قدمت لها في الحرب العالمية الثانية لعدم مساعدة هتلر في الوصول إلى وسط آسيا)، هو أن تدخل نادي مجموعة السبعة، وعضوية غير مشروطة في الاتحاد الاوروبي، وهذا يعني انقلاب استراتيجي مروع. تجنب دفع هذا الثمن لتركيا، وإعاقة المشروع الصيني في وسط آسيا وضرب تحالفها مع روسيا وبالتالي شرق أوروبا، والحفاظ على إسرائيل، يتطلب الهيمنة على إيران.
ولكن هناك سيناريو مضاد، وإن كان أقل احتمالية في المدى المنظور ومرهون بصمود إيران، بحيث تبدأ الولايات المتحدة بتغيير مركز تحالفها في الشرق الأوسط (فبدلاً من ان تتخلى للصين عن فرصة رعاية التحالف العربي الإيراني، لإخراج أمريكا وأوروبا من المنطقة وحرمانهم من وسط آسيا)، قد (وتحت قد أكثر من خط)، يكون خيار أمريكا في المستقبل المنظور هو تخليها عن إسرائيل، والعودة إلى ما طُرح في مطلع القرن الحالي وهو تقديم كل ما يلزم لإيران حتى تسترخي وتشعر بالأمان (وتمكينها من أشواقها التي أعلنتها في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي). ومثل هذا السيناريو (التخلي عن إسرائيل، وإرضاء إيران) مرهون بقدرة إيران على الصمود، وهو ضروري لأوروبا حتى تتجنب دفع الثمن الذي تطلبه تركيا لتكون بوابة الغرب الوحيدة لوسط آسيا.
وأخيراً، قد تكون الكتابة في الجغرافيا السياسية مغامرة، ولكنها فرضت نفسها لمقارنة التحولات التي تجري في العالم بوقع هذه الحرب، مع سلوك المستبد الفاسد التافه (وسوف أوضح لماذا هو تافه في مقالات قادمة). ففي الوقت الذي يُعاد فيه رسم خرائط علاقات القوى عالمياً، ويعاد تشكيل الإقليم، يهرع المستبد الفاسد التافه لتقديم خدماته لليمين الإسرائيلي بإعلان سيادة أردنية باتجاه واحد، غير مدرك بأن حجم التحولات لن تُبقي له أي فرصة للتمتع بما يقبضه من أثمان لعمالته وخيانته وتفاهته. فهو يفقد دور الحياد الذي سيقلل من آثار الحرب على الأردن، بلعبة تذاكي أقل ما يقال عنها أنها تعبير عن تفاهته ودناءته. فكل من الاحتمالين (انتصار إسرائيل أو هزيمتها) سيترك المستبد الفاسد دون غطاء. وحتى يتجنب الشعب الأردني دفع أثمان مروعة عند نهاية الحرب، لا بد له الآن من التقدم لاستعادة دولته سلطة وموارد، والتخلص من الاستبداد والفساد والتفاهة في إدارة الدولة، مرة واحدة وللأبد.
2025-06-20
