بعد القاعدة والجماعات الجهادية، التي خرجت جميعاً من رحم الإخوان المسلمين، ظهرت داعش، بمضاعفات ما فعله سابقوها مِن الإسلاميين، الافراط بالقتل والاغتيال. خلاصة من بحث ماهر فرغلي 'المعالم الفكرية لجماعة الدولة الإسلامية'، ضمن الكتاب 92 (سبتمبر 2014) 'داعش- التمويل – الإخوان' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.
انطلقت داعش، في البداية من التصور ذاته للقاعدة، ولأسباب تاريخية تتعلق بتعدد مشارب الحركات والمجموعات الجهادية التي شكلت تيار السلفية الجهادية، واتحدت إلى حد ما في شبكة القاعدة، اعتنقت الفكر التكفيري، وغلب نسق الغلو لديها بشكل أكبر، وهو ما رصدته إحدى وثائق «أبوت أباد» في المنتديات الجهادية.
ترى طروحات (داعش) أن هناك إجماعًا من العلماء على جواز اقتحام المهالك في الجهاد، وجواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد وإن تيقن الهلكة، وهي تتوافق مع القاعدة في ذلك، كما ترى خروج من قتل نفسه لمصلحة الدين عن النهي الوارد في قتل النفس، وكل هذا لا فرق بينه وبين ما تدين به التيارات الجهادية، وتنظيم القاعدة،.
إقامة الحدود
تجيز داعش إقامة الحدود، وفي كتابه "إتحافُ البَرَرة بحكم إقامةِ الحدود في المناطق المحرّرة» قال أبو مُعَاذ الشَرعي: إنهم يعترضون على إقامتنا للحدود، بعدم حصول التمكين المعتبر شرعًا لوجوب إقامتها، ولم يبيّن دعاة هذا الاعتراض نوع التمكين المشروط، وحدوده، وكيفية تحقّقه؛ الأمر الذي أوجب لهم نوع خلل واضطراب في المسألة.
وقالت: ولا يُشترط لإقامة الحدود التمكين التام والاستقرار التام وعدم نقصان الأرض بحال؛ وإلا فلن تُقام الحدود أبدًا، وقد عرضنا أمثلةً من الصدر الأول تحقّق لهم فيها التمكين بالإجماع ولم يسلموا مما ذكرنا؛ الأمر الذي يؤيد ما ذهبنا إليه من الاكتفاء بالتمكين الذي يتوفر فيه لأصحابه القوة والشوكة.
بيعة البغدادي
ترى جماعة دولة العراق الداعشية، أن أبا بكر الحسيني، هو أمير المؤمنين، وأنه قد توافرت فيه كل شروط الإمامة، ولم يتخلف في حقه لا الشروط الواجبة ولا الشروط المستحبة «إن المناطق التي تحت داعش كانت تحكم بغير شرع الله، بل حتى لو أخذها من حكام يحكمون بالشريعة لوجب له السمع والطاعة، حيث أجمع العلماء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، لأن له حكم الإمام في كل شيء».
وبعد أن سرد الأدلة على وجوب مبايعة أمير داعش البغدادي، قال الأثري: «إن كل من بايع جبهة النصرة فبيعته باطلة، فاسدة وعليه أن يتوب إلى الله تعالى، وهذا ليس خاصًا بل عام لكل الفصائل الإسلامية، فلا بيعة لهم شرعًا إن لم يبايعوا الدولة».
ورد على أبو محمد المقدسي قائلاً: نقل المقدسي عن العدناني نقلا فيه إبطال للجماعات بعد التمكين للدولة، ثم زعم -أي المقدسي بناء على ذلك النقل- أن العدناني أبطل جهاد المجاهدين! وأنه تحريض للتلاميذ على الشيوخ وتقويض للبنيان! وهذا تدليس آخر مرفوض من المقدسي؛ وإن أحسنا به الظن قلنا إنما أُتِي الشيخ من سطحية فهمه وقلة اطلاعه، وإني ناصحه بأن يقرأ رسالة للشيخ بكر أبو زيد بخصوص تعدد الجماعات والبيعات وهي بعنوان «حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية».
عقيدة التوحش واغتيال المناوئين
توجب اللجان الشرعية لداعش، الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام، وقال أبو الحسن الأزدي، في كتابه الصادر عن مؤسسة المأسدة الإعلامية، ونشرته شبكة شموخ الإسلام، ناقلاً عن عطية الله الليبي، أحد أعضاء داعش: إن دولة العراق الإسلامية تحظى بالشرعية المستندة إلى الحق الثابت المتقرر في الشريعة الإسلامية، وفقهها وتحظى بقدر طيب ووافٍ من الشعبية، وهي إمارة وولاية أقامها مسلمون مجاهدون في سبيل الله تعالى، لهم قوة في بعض بقاع الأرض، فأقاموا إمارة، واختاروا رجلا منهم بايعوه، وأقاموا ما قدروا عليه من الدين وأحكام الشريعة، وهذه الدولة تثبت وجودها في الميدان وعلى الأرض، وتزداد قوة بحمد الله وتتطور على الرغم من كيد أعدائها الكبّار العظيم جدًا، ولذا وجبت بيعتها.
وفي كتاب «إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام»، أن الدولة التي يطلبها الشرع، هي دولة مرتكزة على عقيدة التوحيد، ومنبثقة عنها، وتحكم بمقتضى الشرع في السياسة والعلاقات الخارجية، كما تحكم بمقتضى الشرع في النظم والسياسات الداخلية، وهذا يتوافر، في الدولة الناشئة التي لم تتسلم أي ميراث من دولة سبقتها، فهي بناء إسلامي ينهض من واقع جاهلي.
وقد أجازت جماعة الدولة اغتيال مناوئي الجماعة، مستدلين، بموسوعة الجهاد الكبرى، (1/510،504)، وقالوا إن الاغتيال: هو عملية قتل مفاجئ تنفذ ضد هدف معين معاد بغرض كف أذاه عن المسلمين أو بغرض ردع غيره من المجرمين، وإنه جائز للدولة.
الديمقراطيون مرتدون
هكذا تعتقد جماعة الدولة، ففي بيان سُمّيَ «بيان الهيئة الشرعية للدولة الإسلامية في العراق والشام حول الجبهة الإسلامية وقياداتها»، تعرض داعش موقفها (الذي تقول إنه موقف أهل السنة) من الدعوة إلى الديمقراطية، فبعد أن تعرّف الديمقراطية تعريفاً على هواها، تبتدع داعش أصلاً جديداً تنسبه إلى أهل السنة والجماعة حيث تقول: «ذلك من الثوابت عند أهل السنة والجماعة، أنّ الدعوة إلى إقامة حكومة «مدنية تعدّدية ديمقراطية»، عملٌ مخرجٌ من ملّة الإسلام، وإنْ صام دعاتها وصلّوا وحجّوا وزعموا أنّهم مسلمون؛ لأنّها تدعو لصرف التحاكم الذي هو حقّ محضٌ لله تعالى، إلى الطاغوت الذي أمرنا الله تعالى بالكفر به، قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا» (سورة النساء: 60)».
واعتبروا أن تجربة الإخوان في مصر كفيلة بالتدليل على فشل الديمقراطية، وقالوا «فانتهى الأمر بالإخوان بعد أن أوكلهم الله إلى أنفسهم إذ أرضوا الناس بسخطه، أن اعتلوا عرش أكبر دولة عربية، ألا وهي مصر، ليكون السقوط بعدها مريعاً ومُحزناً تمتد آثاره لتضرب كلا من حماس والنهضة وبنكيران وكل من رضي بالإسلامقراطية ديناً وبالناس رباً.
عدم العذر بالجهل
ويردون على من استدل بابن تيمية: «وأما ما استشهد به أصحاب العذر بالجهل من فتاوى ابن تيمية ليثبتوا أنه لا يكفر أحداً ممن وقع في الشرك والكفر إلا بعد إقامة الحجة وذلك لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة، فهم مخطئون، فالكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام تختلف عنه بعد قيام الحجة، فتارة ينفون الكفر إلا بعد الحجة بحسب ما يتعلق به من أحكام، وهذا لا ينفي الكفر الآخر الثابت لأصحابه قبل قيام الحجة وبلوغ الرسالة، والكفر الذي ينفيه ابن تيمية، قبل قيام الحجة، هو الكفر الذي يستحق صاحبه العقوبة في الدارين، القتل في الدنيا والخلود في النيران في الآخرة، وهذا لا يكون إلا بعد الحجة الرسالية، لأن العقوبة والعذاب متوقفان على بلاغ الرسالة لقوله تعالى: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» (الإسراء: 15) وهذا الكفر أصحابه إن كانوا واقعين في الشرك فهم مشركون وليسوا بمسلمين، وكفار، لكن الكفر غير المعذب عليه، هذا ولا بد من التنبيه على أن النقل الأول عن ابن تيمية الذي استشهد به أصحاب العذر بالجهل كان عن المسلمين الموحدين أهل القبلة أصحاب الأهواء وليس بحق من أشرك بالله العظيم. فهو يقول: «لكن هذه المسألة متعلقة بتكفير أهل الأهواء».
ويقول: «فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار» فهو يصفهم هنا بأنهم من أهل القبلة، والمشرك بالله لا يوصف بأهل القبلة. لأن وصف أهل القبلة لا يكون إلا لعبد موحد متحنف كفر بكل ما يعبد من دون الله وترك الشرك عن علم وقصد، ووحد الله الواحد القهار، أما المشرك والكافر فليس من أهل القبلة، فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء فهؤلاء أكفر أهل الأرض وهم من جنس فرعون وذويه.