على الأرجح أن دولاً متعددة، على مستوى التموضع السياسي عالمياً فوجئت بإعلان الإدارة الأميركية من أعلى رأس فيها، نية عودة العلاقات مع الدولة الكوبية، بعد أكثر من نصف قرن على انقطاعها، وحصار غير مسبوق في التاريخ امتد لـ55 عاماً، تخللتها محاولات اغتيال عدة لقائد الثورة الكوبية فيدل كاسترو، الذي رفع ورفاقه اسم كوبا عالياً، وواجه الولايات المتحدة ووقف نداً عنيداً لها، بعد أن كانت كوبا في غياهب النسيان أثناء الحكم الموالي لواشنطن، وإحدى جمهوريات الموز الشهيرة بفقرها.
ليست بالطبع عودة العلاقات أو تحرير السجناء وحدهما المَكسبين المباشريْن للدولة الكوبية ولشعبها الذي تحمّل كل تلك السنوات من الحصار القاسي من الدولة التي تملك أعتى ترسانات من الأسلحة القذرة في القتل والتجويع، ومنع الدواء من الوصول إلى الجزيرة المحاصَرة، والتي لا تبعد سوى 90 ميلاً عن الشواطئ الأميركية من حيث تنطلق البوارج وحاملات الطائرات، وكل التهديدات لمن يقول لا للظلم ولا للاضطهاد والاستعباد تحت شعارات "الحرية" و"الديمقراطية" الزائفة، وهي الشعارات التي حاول الأميركيون وخلال كل الإدارات االجمهورية والديمقراطية أن تكون مغريات للشعب الكوبي لإسقاط وطنه في القبضة الأميركية، لكنه صبر وكابد وصنع من الحصار فُرصاً جعلت التعليم في كوبا في مصاف أفضل الجامعات الأوروبية، كما جعل الطب من ضمن المجموعة الأرقى والأهم في الكرة الأرضية.
إن المكسب الأكبر لكوبا تمثّل في الاعتراف المباشر للرئيس الأميركي باراك أوباما بأن السياسة الأميركية بعزل كوبا لم تُعط نتيجة، وأن "سياستنا كانت خاطئة وفاشلة على مدى 55 عاماً من محاولات تطويع الجزيرة المحاصَرة".
هذا الوضوح في الاعتراف كان أكثر وضوحاً في خطاب مهندس السياسة الخارجية الأميركية؛ جون كيري، الذي قالها بلا تردد أمام الكاميرات: "إن سياستنا لم تفشل فقط على مدى عقود، بل عزلت الولايات المتحدة بدلاً من عزل كوبا".
بالطبع، انتزع الكوبيون هذا النصر الكبير في الميزان السياسي، لكنه نصر لكل المظلومين في العالم جراء سياسة القهر والنهب الأميركية، وهذا النصر مردُّه أصلاً إلى إيمان الشعب الكوبي بعدالة قضيته من جهة، وبثقته بقيادته التي لم تساوم بعد الانتصار على الأميركيين في الميدان، ومعركة "خليج الخنازير" خير دليل، وكذلك بتشخيصه السليم للأهداف الأميركية، ورسم استراتيجية مواجهة، والابتعاد عن الغرق في التكتيكات التي تحوّل الدم إلى ماء يُباع ويشرى على مذبح المصالح.
بالطبع، فشلت سياسة الإرهاب الأميركي أمام إصرار وصلابة الشعب الكوبي، وهو الشعب الذي يدرك أن المعركة مع أميركا لم تحطّ الرحال بعد، سيما أن الأميركيين يحاولون التلاعب في المصطلحات بهدف واهم؛ بإمكانية تأليب الشعب على القيادة، من خلال إعلان أربعة أهداف جوهرها تغيير النظام بالتوازي مع الاعتراف بأن إعادة العلاقات "خطوة أنهت أكثر الاسترتيجيات الخاطئة في تاريخ الساسات الأميركية، وبالتوازي مع محاولة تجميل وجه أميركا القبيح بأن الهدف هو رفع معاناة الشعب الكوبي، والعمل على تحسين احترام الحكومة الكوبية لحقوق الإنسان، والدعوة إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية، وتعزيز حرية التعبير وريادة الأعمال، وإنشاء مجتمع مدني فعال، يساعد في إعادة انخراط كوبا في المجتمع الدولي.
إلا أن الرئيس الكوبي راؤول كاسترو سارع للإعلان متوجهاً بقوله إلى الإدارة الأميركية: "علينا ألا نتوقع بأن كوبا ستتخلى عن الأفكار التي ناضلت من أجلها في سبيل تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وكما لم نقترح أبداً على الولايات المتحدة تغيير نظامها السياسي، عليها أن تحترم نظامنا السياسي، وبين حكومتيْنا خلافات عميقة تشمل مسائل أخرى، ومفاهيم مختلفة في شأن ممارسة السيادة الوطنية والديمقراطية والأنظمة السياسية والعلاقات الدولية، وكل ما يراد مناقشته في الحوار بشأن كوبا ينسحب على الولايات المتحدة".
لقد وضع كاسترو بذلك النقاط على الحروف، وأسقط الأوهام الأميركية المتجددة دفعة واحدة، وإن لم يرُق للبعض ذلك، ما يعني أن المعركة ما تزال مستمرة، فيما كانت واشنطن المضطرة تحت وطأة التغييرات في العالم، ولا سيما في أميركا اللاتنية، أن تطيح من خلال عودة العلاقات بكوبا، وتعميم ذلك في فناءاتها الخلفية، خصوصاً بعد فشل سياستها الاستعمارية في كل العالم، رغم كل الأضرار التي خلّفتها وما تزال.