يوميات كورونا …. قلندس بين الفيروسات!
ابو زيزوم .
قصتي مع حظر التجوال وتقطيع الطرق مختلفة . وصلت أربيل فجر السبت على آخر رحلة طيران قبل إغلاق المطار . أوصلني تكسي المطار الى فندق كالان في شارع الستين حيث إعتدت النزول . كانت الشوارع خالية مع بدء سريان حظر التجول ، فوجدت الفندق مهجوراً ومغلقاً . وتعلقت بالسيارة لعلها بصور الطائرات على جوانبها تجتاز بي المفارز المحتملة ، خصوصا وان لي تجارب سابقة في المراوحة بين حاجزين كلاهما يمنع العبور .
اتصلت بالصديق علي خضير وانا لا أتوقع رداً في هذه الساعة المبكرة . الا انه رد ففرحت بالعثور على مأوى . ورحب بقدومي قبل ان يكتشف اني في أربيل وأكتشف انه في الموصل هو وعائلته في قفزة استباقية لما قد يحدث . ومع ذلك وبمروءته الفطرية وجد لي حلاً . أرشدني الى مخبأ سري يواري فيه نسخة من مفتاح المنزل وقال برحابة صدر ( البيت بيتك ) . أوصلتني التكسي الى هناك في شارع عشرين ووجدت المفتاح ، وهو معي على الهاتف خطوة بخطوة . قام بالضيافة عن بعد ولم يغلق الخط الا بعدما انزلت وثارة الأريكة على الارض المفروشة واستلقيت في غرفة الاستقبال التي اعرفها من قبل .
استعصى النوم على عيوني فاستخرجت من حقيبتي كتابا كان يرافقني بالصدفة . انه الكتاب الذي يتداول الاعلام هذه الأيام جزءاً من عنوانه لموافقته الظرف فيقول ( …. في زمن الكورونا) رواية ( الحب في زمن الكوليرا ) للعظيم غابرييل غارسيا ماركيز . فربما أقرأه للمرة الثالثة اذا طال بي الحجز أمداً يكفي لقراءة الـ 500 صفحة التي لا يتمنى متذوق الأدب ان تنتهي أبدا .
عقلي المحشو بأخبار كورونا يود لو ان أمامي الان رواية الطاعون لـ البير كامو التي تنقلك الى طاعون وهران المستشري منذ الصفحة الاولى حتى الصفحة الاخيرة ، وتجعلك تضحك بقدرة كاتبها العبقري حتى في اشد فصولها قتامة ، كما نتندر اليوم بقصص كورونا . رواية الحب في زمن الكوليرا لا علاقة لها بالكوليرا او اي وباء سوى ان كاتبها الكبير يشير الى المرض بين حين وآخر كأنما يجامل العنوان .
رن هاتفي وانا مستغرق في القراءة راحل مع الكاتب الكولومبي الى سواحل الكاريبي على الوجه الاخر للكرة الأرضية . أكره ان يقاطعني احد اثناء اندماجي بالقراءة . لكني حين رأيت اسم علي قلندس على شاشة الهاتف نحيت الكتاب دون تأفف واجبته . قال : أما تعرف احدا في أربيل ؟ واضح من صوته انه في مأزق . قلت : انا في أربيل . عندها فقط سلّم واستفسر عن صحتي . اخبرني ان السبل تقطعت به في شارع مغلق ولا يدري أين يذهب . ومن الوصف عرفت انه في شارع شورش ، ولا يستطيع التوغل باتجاه القلعة والأفضل ان يتراجع باتجاه صلاح الدين . لكن ماذا عليه ان يفعل في ذاك الاتجاه الذي يخرجه من المدينة !. وتذكرت صديقا طيبا يقطن المجمع الإيطالي هناك ، واتصلت به فأجابني من بغداد ، لقد رحل أيضا وعائلته . أخبرته بحاجة هذا الصديق المقطوع الى مضيف ، فتردد بادىء الامر وحين علم ان المقصود قلندس قهقه بصوت مرتفع مرحبا . انه لا يعرف عن قلندس الا ما انشره عنه فأصبح من المعجبين به .
قمت بإرشاد قلندس حتى وجد سيارة مستطرقة على شارع 120 السريع ، وعندما نزل امام المجمع تولى صاحب البيت إكمال المهمة هاتفياً وعدت انا أقرأ . واذا بالهاتف يرن مرة اخرى والمتصل قلندس ما غيره . كانت الشمس قد ارتفعت ونظرت الى اعلى الصفحة فوجدت ان رقمها 90 اي اني قرأت اكثر من ساعتين . وقال قلندس انه لم يهتد الى البيت . انا لا اعرف العنوان بدقة ولكني اعرف انه يطل على ساحة أنيقة في بداية المجمع . قلت : الا يوجد شخص لتسأله ؟ قال : توجد هذه العجوز . كنت مستمراً في الكلام عندما قاطعني صوت امرأة يقول : صب خير أغا !! جفلت بحركة لا إرادية واندفع راسي بعيداً عن الهاتف . ما هذا ؟ انها إيرانية ! . تصورتها فيروساً مجنحا سيخرج لي من الهاتف ويقبض روحي بعد ان يعذبني أسبوعين . ويبدو انها شعرت بذعري فضحكت وقالت بتهوين : نترس من اينجا أز خيلي وقت . صوتها الممتلىء الرخيم لا يدل على انها عجوز كما زعم قلندس الذي لا اثق مطلقا بشيء يقوله ما لم أعاينه بنفسي . وبما اني لا أستطيع رؤيتها فلأفترضها عكس ما يدعي ، شابة جميلة . قلت : كي أومدي ؟ فسألتني بعجب : شما إيرانيست ؟ انتابني الغرور فسؤالها شهادة من ذوي الاختصاص بإني اتقن الفارسية . وعندما استرسلت بالحوار معها سمعت أنفاس قلندس توشوش الى جانب كلماتها . فرحت أتخيله وقد قرّب وجهه من الهاتف الملتصق بإذنها . قد يكون دهش أيضا لسماعي اتحدث هذه اللغة التي تبين لاحقا انه يظنها الكردية فقرب وجهه ليتأكد من اني انا الذي يرطن وليس غيري ، او وهو الأرجح أراد ان يلامس وجهها ويملأ خيشومه من عطرها بحجة مشاركتها الاستماع . فصرخت بالعربي : يا جحش ابعد وجهك لا تنصاب بالمرض . فغمغم باستهانة : بس خليني أنصاب . فتأكدت ظنوني بأن هذه الخانم ليست عجوزا . ثم استدرك : انها تلبس كمامة .
عرفت منها ان قلندس يقف بالضبط على عتبة المنزل المطلوب . وهو عرفه جيدا وانما حاول الاستفسار منها حين عرضت له مجذوبا بأنوثتها . وعندما وجدها راغبة في مبادلته الحديث ولم يفهم شيئا مما تقول اتصل بي فقط للتظاهر أمامها بأنه يسأل عن شيء . وأخبرتني انها تسكن البيت المجاور فاوصيتها ان تحسن رعايته ، ولم تكن بحاجة الى توصيتي فقد بذلت ما سأخبركم عنه في منشور آخر قد لا يكون القادم .
( ابو زيزوم _ 815 )
2020-03-18