(الناقدة والكاتبة المتمكنة)
رنا صباح خليل
في
اول حوار لها في الصحافة
حاورها / ياس الركابي
شهادة ميلاد ناقد ادبي ليس بالأمر (الهيّن)توقيعها!!!
الذي يكتب ((((((في كل شئ)))))) لن ينجح في شئ!!!!!!!!!!!!
النقد الأدبي ليس فناً متطفلاً على النص الأدبي بل هو قرينٌ روحي له.
الروائيّون الذين يحملون( الهم الثقافي )هُم وحدهم الذين دأبوا على الخوض في التجريب!!
الطابع الخاص ومناخ العمل الروائي هما اللذان يدفعاني للكتابة عن الرواية.

تقديم
إنبهار القارئ لوعي رنا وهو يتملى تأنقها في تحليلاتها النقدية لايختلف عن إنبهار اعمى إرتد له بصره بغتة ….فهي الوحيدة بين النقّاد التي تأخذ بإلبابنا وأذهاننا وكل جوارحنا ذات يمين وذات شمال وهي تغوص في مديات تفنيدها وتحليلها نفسياً وفنياً ولا تدع لنا كمعاينين لمسرودها!!!! التحليلي ورغماً عنّا إلا ان نتمايل طرباً وكأننا بأزاء سمفونيات…
هكذا هي رنا التي إخترقت فيافي النقد منذ العام ٢٠٠٢ عند اول تجربة لقراءة نقدية لرواية غير عربية وعلى صفحات مجلة الأقلام العراقية ….لتتوالى إثر ذلك عديد مساهماتها الكتابية ليحط بها رحال تعطشها الأدبي المسؤول! للإمساك بخاصرة الرواية لتقض كل مضجع فيها قراءة نقدية امينة لم تبغ من وراء ذلك سوى تغذية لأفكار وتخمة لمعارف المتلهفين لإسلوبها وهي تحاكيهم إولئك المعبؤون بما هي عليه من وعي إبداعي متسامٍ لغةً وجمالا…
إن مادعاني الى محاورة رنا هو ذلك المد الزاخر من قراءات لروايات جاوزت عتبة الخمس وعشرين رواية ….وغير رواية… لقامات سامقات تمثل فضاء ثقافة العراق من مبدعين….وحيث توقفت اليوم عند رائعة صاحب الثماني عشرة رواية …طه حامد الشبيب.. وهي تقدم له قراءة لاهبة لرائعته رواية((الى المزاح اقرب )) ….كان لابد لنا من تذكير بمنجزها .. ك…..كاريزما الشخصية (رواية يوليانا) للروائي نزار عبدالستار …ولجوء عاطفي..سيكلوجية النقد للروائي عبدالستار البيضاني ..ورواية موت الأم..للروائي حنون مجيد ..تقنية الإسترجاع والاستباق السردي. …وللروائي امجد توفيق…رواية((ينال))الأبعاد الدلالية والفنية للشخصية …ورواية..طفولةجبل ..ورواية الساخر العظيم للراقي الروائي امجد توفيف التي تعمقت كثيرا رنا صباح في تشضيتها نقداً ثم إعادتها لنا سرداً… أيضا …وللكاتبة الأرجنتينية ..اريانا هاروبكز ..ترجمة اشراق عبدالستار (دراما الذات الممزقة….((لِتمُت ياحبيبي)) وسوى تلكم القراءات التي جاوزت الخمس والعشرين والتي جمعتها مجتهدة بين دفتي كتاب….رنا صباح خليل ادعها تفصح لكم عن مكنونات دواخلها وعلى المدعين بغرف معرفي من غير ماهو امامهم فليعيدوا قراءتها من وراء حجب شارع المتنبي ومحطات التواصل .
السؤال الاول
ونحن نتفحص خطابات الروائيين السردية الحديثة وهم يخترقون الرواية التجريبية كمدخل لعموم خطاباتهم الجديدة .. نلحظ دونما عناء ان ذلك يتوافق تماما مع رؤيتك القائلة بأن الرواية التجريبية تعد سبيلا للإمساك بكل ما هو غير مألوف في الخطاب السردي ..كيف جاء هذا التماثل والتطابق؟
جواب السؤال الاول
التجريب بنية متحركة وذاكرة ثقافية متجددة تلم بالماضي وتتطلع للانسجام مع الجديد في الحاضر معتمدا في قوامه التجاوز ومرتكزا على رفض القواعد القارة والتنميط الأدبي، وهو يحوي البعد التفجيري للأشكال المعهودة، ولذلك برزت معه محاولات الخروج عن النمط من خلال الاهتمام بالمنجز العالمي ولكن بشكل مغاير يكشف عن نوع خاص من التفكير الأدبي القائم على مقومات فنية وجمالية مغايرة لتلك التي قامت عليها الآداب الأوربية وهو ما يستلزم استحداث ادوات قرائية تلائم خصوصية هذا النتاج الذي ابدعه العربي في سياق زمن ثقافي مخصوص، وهذا لن يتأتى لنا بالخروج عن المألوف على وفق طريقة اعتباطية غير مدروسة ولا هو اقتباس وصفات واشكال جربها آخرون في سياق مغاير، انما يقتضي التجريب توافر الكاتب على معرفة الأسس النظرية لتجارب الآخرين وتوافره على اسئلته الخاصة التي يسعى إلى صياغتها صوغا فنيا يستجيب لسياقه الثقافي ورؤيته للعالم حتى يتسنى له التفاعل مع حصيلة النتاجات الأدبية على اختلافها والعمل على مغايرتها، ومن دأب على الخوض فيه هم قلة من الروائيين الذين يحملون هما ثقافيا يخرج عن الحدود المعهودة ولذلك لم يكن اختياري للروايات اختيارا سهلا بل هو مخاض شائك، وله حفرياته في القراءة والتفحص والتحليل، وفي كثير من الاحيان كنت الجأ لقراءة كتب اخرى تعينني على استنطاق بؤر النص الروائي وفك شيفراته ومجايلة احابيل فهمه وتفكره ولا استطيع الجزم أن ما تناولته من روايات يتماثل ويتطابق حرفيا مع ما طرح من محاور يشتغل عليها التجريب من مثل هلامية الزمن وانفراط الحبكة الروائية وتعويم المكان وفهرسة الحدث والتجديل الحكائي والرمزية والتشذير السردي الفلسفي، وهذا غير مركزية الهامش واتخاذ الاسطورة متنا حكائيا لا ينضب وغير ذلك الكثير والمتشعب ولكن أنا اجد تقاربا في تلوين النتاج الروائي بالعطاء التجريبي على وفق بنية نصية إبداعية فيما تناولته من سرديات .
السؤال الثاني
لقد اولى النقاد العراقيون منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى رحيل آخرهم علي جواد الطاهر عام 1996 .. أولوا اهتماما بالغا لمجمل ما هو دائر بفلك الثقافة .. فمن تدريس النقد إلى البحث الأدبي عبر المقالات .. ماذا تمثل لك الرواية على صعيد الأدب وهل ترين انها كجنس ادبي لها تأثير يتجاوز على سواه من الاجناس من تأثير؟
جواب السؤال الثاني
النقد الأدبي هو رفيق النص الدائم وهو ابداع له خصوصيتة كباقي خصوصيات الفنون الأدبية الاخرى لكنه يقع على منحنى خطر؛ فهو فن قائم بذاته وله قيمته ومقوماته ومناهجه ومصطلحاته وادواته ومدارسه ونظرياته وبسبب كل ذلك توجب علينا الاعتراف أنه ليس بالأمر الهين أن نوقع شهادة ميلاد ناقد أدبي، خاصة أن الناقد مسؤول عن نهضة فكرية منتجة وجادة تتحمل وزر الوقوف على الاختلالات ومحاولة ايجاد البديل الاكثر مرونة لعلاجها، فضلا عن الدفع بالإبداع والنهوض به والرقي بمشهده، أنا على المستوى الشخصي كلما قرأت أكثر وجدت قصورا اكبر حتى بات من المستحيلات لدي القناعة بتجربة شخصية على انها متكاملة، أما عن اسماء النقاد الافاضل ممن كان لهم باعا طويلا في توطيد علائق الأدب من خلال النقد واستطاعوا أن يقدموا انفسهم اسماء لامعة في مجال النقد من امثال محمد مهدي البصير وعلي جواد الطاهر وجميل سعيد وحسين مردان وروفائيل بطي وعبد الجبار داود البصري واحمد مطلوب وعبد الحق فاضل وداود سلوم وعبد الاله احمد وعبد الجبار عباس وحاتم الصكر وشجاع مسلم العاني وغيرهم، فهم جميعا كانوا يعانون من لسعات الرؤية الخاصة للنص ولم يتقيدوا بمنهجية محددة خارج أطر التأويل الذي يؤسس لنفسه مسارا حافظ على بقائه ضمن دائرة يتوزع محيطها بتوزع ازمنة انتاجها معتمدين الانتقائية والنزعة المثالية الاحادية النظرة، وكثيرا منهم لم يذعنوا للمناهج النقدية الحديثة ولم ينفتحوا عليها في اشتغالاتهم لكثرتها وتشعبها واستمرارية الجديد فيها الذي لا ينقطع مثلما ليس للأدب أن ينقطع، لكنهم شكلوا علامات مضيئة وبزغت اسمائهم لجديتهم وحرصهم ولاتباعهم نسقا معينا اجادوا العمل عليه كأن يكون علي جواد الطاهر انطباعيا وغيره تحليليا وآخر وصفيا، ولذلك أنا أجد نفسي في وسط هذه الاسماء متذوقة للأدب ولي وجهات نظر في قراءاتي وما اقدمه من آراء لا اجدها تستوعب المفهوم النقدي الكبير بشموليته الا اذا استطعت الاحاطة بالقديم والجديد مع مقدرة على امتصاص ما هو آت من تجديد في المنظومة النقدية .
أما ما تمثله الرواية لي فهي أم رؤوم تجمع باقي الفنون السردية نجوما وكواكب في مجرتها الكونية وهي حاضنة لتجارب حياتية منحتني الخبرة اولا وعلمتني كيفية القراءة ومن ثم هي من استدللت عن طريقها دروب تمكين المتلقي من الاقتراب والتماهي مع النص الأدبي وربط علاقة معه باعتبارها استجابة جمالية للأسئلة التي يطرحها العصر .
السؤال الثالث
خلال العقد الخير من القرن الماضي تصدى نقاد متخصصون في (علم نفس الابداع) تناولوا تجارب مبدعين عراقيين كالروائي الرائد مهدي عيسى الصكر والمبدع فؤاد التكرلي والسياب والقاصة لطفية الدليمي واحمد خلف وعبد الستار ناصر ..
ليخلص هؤلاء النقاد الى ان رموز الثقافة العراقية ظلموا نقديا لا بل ذهبوا حتى إلى النيل من عالم الاجتماع والمؤرخ علي جواد الطاهر الذي تبنى نظريات تحليل الواقع الاجتماعي العراقي في اشارة الى علاقة هذا مع مخرجات المبدعين .. وللتاريخ هل للناقدة رنا صباح تفنيدا لما ذهب اليه هؤلاء النقاد؟
جواب السؤال الثالث
ما عرفناه عن علي جواد الطاهر أنه كان يتخذ الأدب رسالة والتدريس رسالة ومزاولة النقد الأدبي رسالة والتأليف رسالة وشرط الرسالة أن تؤدى بأمانة على نحو تنسجم فيه الغايات مع وسائلها وكل ذلك على أتمه لديه، ذلك انه كان يُدرس الأدب القديم وتراه يُدرس الأدب الحديث وكل لديه يأخذ ما ينبغي له إذ يستوفي الأدب القديم شرائط القيام به على اتمها تحقيقا ونقدا واستجلاء ما خفي من المعاني، ويستوفي الأدب الحديث في منابع افكاره واشكاله وانتقاله من أدب إلى أدب ورائده في كل ذلك الصدق والاخلاص، الصدق في الاستقصاء والاخلاص في الابلاغ ومن وراء ذلك وعي اجتماعي يتجه إلى اقامة العدل ودرء الظلم ورد الحقوق إلى اصحابها فهو قبل أن يكون ناقدا كان باحثا اجتماعيا قديرا ومن يملك كل هذه الوشائج والروابط الإنسانية ومن يحمل هذه القدرة المتمكنة من الفكر والأدب كيف له أن يتعرض بالظلم للأدباء والكتاب الذين كان داعما لهم يميز في اعمالهم الغث من الثمين وباحثا متطلعا نحو منابع النور في الانجازات المضيئة لديهم، أنا لا اجد ظلما احاط بأي تجربة من التجارب التي ذكرت والا لما طال استذكار اعمالهم جيلا بعد جيل وما عنت الذائقة النقدية تناول منجزهم بكبير اجلال وتقدير ولكن هناك خصوصية تلزم كل تجربة على وفق ما تتبناه من ادوات وما ترسمه لها من خرائط الابداع وما دور النقد فيها سوى وضع الحجر الاساس لتمخضات ما ذكرت من قيم انسانية وادبية وما جبت من محاور ايديولوجية تخص تطلعات اصحابها .
السؤال الرابع
على مستوى الوطن العربي ظلت اسماء لنقاد عرب حفرت على لائحة الادب العربي حتى نهاية القرن الماضي .. مثل عز الدين اسماعيل من مصر وجورج طرابيشي من لبنان ولكن اللافت في منهج هؤلاء هو تناولهم التحليل النفسي في نقد الاعمال الروائية ولما كان للأدب (علم خاص) ندعي نحن ونضعه تحت مسمى .. التحليل النفسي.. هل ترى الناقدة ان ما ذهب اليه هؤلاء يتوافق مع نظريات النقد الحديث بمعنى هل ترين ضرورة في دس مناهج التحليل النفسي في قراءات المخرجات الثقافية للمبدعين .. وما هي رؤيتك ازاء النقد العربي ونقاده؟
جواب السؤال الرابع
أنا مع التحليل النفسي في تناول النصوص الأدبية نقديا ويكاد يكون ذلك اسلوبي في تفكيك شيفرات النص الروائي والقصصي وذلك لكونه يمدني بمساحة هائلة لاستنطاق الشخصيات وبحث تأثيرات الظروف المجتمعية والحياتية عليهم وهو لا يخرج في معطياته عن الخوض في النظريات النقدية الحديثة فمصطلح التحليل النفسي ظهر حديثا في الفترة ما بين عام 1900 إلى عام 1905 على يد العالم النمساوي الغني عن التعريف سيغموند فرويد الذي عمق من فهم السلوك البشري وعمل على استكشاف العقل ودراسة الشخصية على وفق استراتيجيات العلاج النفسي، ومن اهم آرائه التي تتدخل في دراسة وتذوق النصوص السردية هو ايمانه أن اغلب الدوافع السلوكية يتم تحريكها بواسطة غرائز اللذة والجنس وهي الطريق الواضح للمعرفة العقلانية المنتظمة ولذلك عمل على دراسة شخصية دستوفسكي من خلال روايته (الاخوة كرامازوف) ودرس شخصية ليوناردو دافنشي من خلال اعماله الفنية التي يجدها مرتبطة بالتحليل النفسي .
أما ما يخص الشطر الثاني من السؤال الذي طٌرح حول النقد الأدبي العربي فأنا اريد أن اوضح أنه كما معروف لدينا أن النقد الأدبي عملية تحليل وتفسير وتقييم الأعمال الأدبية، وتتم عملية النقد من خلال أربع مراحل، وهي الملاحظة والتحليل والتفسير والتقييم. يتم في المرحلة الأولى قراءة النص الأدبي ومحاولة فهم معناه، ويقوم الناقد في المرحلة الثانية بتحليل النص الأدبي وتفكيكه إلى عناصره الأولية ومعرفة طريقة تنظيم الأجزاء مع بعضها البعض. في المرحلة الثالثة يشرح الناقد العلاقة بين الأجزاء والعناصر ومعرفة ما يود المؤلف قوله، وأخيراً يُصدر حُكمه المبنى على فهمه للنص ككل، ولكن ماذا عنه عربيا ؟ اجيبك بالاتي يتعامل النقاد العرب مع المشهد الإبداعي وكأنهم في قاعات درس، فالمضمون أكاديمي مدرسي بحت، وليس هناك أي إبداع جمالي في مجال النقد، وبرأيي أن هذا ما يفقده بريقه، ويجعله ليس أكثر من نظريات جامدة، في حين أنه من المفروض أن يكون النقد إبداعاً متوازياً، بعيداً عن الجمود فالمشهد العربي للنقد له حضوره ضمن اطراف الحركة النقدية التي تحرص على أن تضيف وتجدد كما أن هناك دورا كبيرا للمدارس النقدية التي ترمي إلى نبذ احادية الاتجاه، وهناك اسماء بارزة ظهرت واثبتت وجودها بعد عقود من النقاد الاوائل امثال طه حسين ومحمد مندور ومحمود عباس العقاد وميخائيل نعيمة والمازني وروحي الخالدي، ففي المشهد النقدي الماثل امامنا حاليا هناك صلاح فضل وعبد الله ابراهيم وجابر عصفور وسعيد بنكراد ومعجب الزهراني ومنذر عياشي وعبد الملك مرتاض وعبد الله الغذامي ورضوى عاشور وسعيد يقطين وغيرهم الكثير الذين خضعوا بشكل او بآخر لمخاض ربما يطول إلى أن يجد النقد الادبي العربي موقعه ورؤيته الخاصة المتحللة من هيمنة الآخر ثقافيا وفكريا ومنتزعة من بواتق الوضع السياسي والايديولوجي عربيا .
السؤال الخامس
مذ وعينا الاول وما زلنا على قناعة بعدم إمكانية خلق لنشاط نقدي ثقافي ذي دور فاعل في عموم الحياة الثقافية دون نوع من حوار من خلال الإنفتاح على الآخر وانغماس المثقفين النخبويين في الوجع المجتمعي إلا في العراق فما زالت النرجسية والفوقية والأنا والتسلط وتقزيم وتهميش الآخر هي السائدة بين السارد والقارىء والحاكم والمحكوم.. هل لمثل الست رنا أن ترسم للاجيال القادمة من مثقفين خارطة طريق لا خارطة حريق نرى بوادرها قاب قوسين او ادنى.
جواب السؤال الخامس
النقد الأدبي ليس فنا متطفلا على النص الأدبي ولا هو ملحق سطحي للأدب إنما هو قرين روحه وهو يجانب الأثر الأدبي نفسه لقيمته العليا ولإبداعه الذي لا محيد عنه، فهو لا يقدم خدمة مؤقتة للأدب بل هو نفسه ادباً لأنه عصارة قلب وخلاصة ذهن لذلك يتوجب النظر إليه بمنأى عن الفوقية واطلاق الاحكام على نحو غير مسبوق من التجرؤ بغير وجه حق أو القاء الكلام على عواهنه أو عفو الخاطر أو على طريقة المحاباة، ولذلك هناك ضرورة الاسهام في رقي الحياة الأدبية وتوجيه دفة الحياة نحو تنمية الذوق الأدبي العام في تناول الشكل والمضمون وتفسير كل منهما وتحليله ثم الحكم له أو عليه وفي ذلك خدمة جليلة تقدم للأديب والقارئ والحياة الادبية وهذا يتضمن لغة النص ومفرداته واسلوبه وصوره الفنية والخيالية بما ييسر للمتلقي فهم النصوص وتقريبها له والتنبيه على الجيد والرديء في الأدب بما ينم عن تربية ملكة النقد والتذوق والحس الجمالي عند القراء، فالنقد هو الحارس الأمين على الحياة الأدبية وبفضله نستطيع تعيين مكانته في خط سير الأدب وتحديد ما اضافه إلى التراث الأدبي ومدى تأثيره بالمحيط وتأثره فيه وتصوير سمات صاحبه وخصائصه الشعورية وكشف العوامل النفسية التي اشتركت في تكوينه ولم تعد وظيفة النقد مقتصرة على ابراز المزيات والعيوب فتلك فكرة قديمة ارتقت لتعني الفهم أي فهم نظام النص وتفاعلاته الذاتية والموضوعية وفهم الانسان المبدع للأدب والمتلقي له ايضا، وعلاقتهما المعقدة بالعالم المعيش، أما الجدل حول منهج محدد بقالب معين فهذا غير صحيح لأن منهج النقد واصوله ليست قوالب جامدة وان لكل ناقد أن يبتكر طريقته، وهناك ما يتوجب علينا النظر إليه بجدية لتفشيه المريض في اوساطنا الثقافية وهو اتخاذ النقد اسلوبا للمجاملات على حساب النصوص الادبية فيعلى شأن رواية وتتلألأ في سمائنا مجموعة قصصية لا ترتقي لمصاف التميز والدرس النقدي وفي ذلك يخطر لي ما قاله افلاطون عندما لاموه على نقده لأستاذه سقراط، قال: سقراط استاذي وحبيبي، لكني احب الحقيقة اكثر.
السؤال السادس
هل انت مع التوجه القائل بأن النص الثقافي على مستوى الرواية والقصة لا تمثله سماته الفنية والجمالية بل هو (كَنص) يعد دالة رمزية تحمل في كوامنها لوازم ثقافة واجتماع وايديولوجيا وسياسة .. وانت الغائصة بعمق في قراءاتك للنصوص التي تضعينها امام مشرطة وعيك تفكيكا وتأويلا لمجمل ما تأسست عليه هذه النصوص؟
جواب السؤال السادس
لا يمكن للرواية الا أن تكون ابنة مجتمعها وهي تعكس رؤية تقدمية للواقع على وفق انساقها الاجتماعية والسياسية والايديولوجية، لكنني اراها خليطا من كل ذلك مع وصفة شاملة لكل ما يمر به الفرد ازاء اشكالات حياته وتصوراته عنها، وما للرواية الا أن تكون اشبه بجهاز الاشعة والسونار الذي يستعمله الاطباء لعكس تلك التصورات، وانا لا ابالغ في ذلك فهي كاشفة فاحصة متمثلة لكل حيوات الناس، أما إن كانت لها وجهة سياسية او مجتمعية بحتة فهدا منطقي جدا ولا يعد انتقاصا لها فهي تتفاعل بانهمامها فى مناقشة الأفكار السياسية وبرامج الأحزاب النظرية والعملية، وتحديد تصورات المذاهب السياسية وتبيان مواطن اختلافها وتشابهها، مع رصد جدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم والنضال السياسي وما يستتبعهما من اعتقال وقمع وقهر وحبس للمواطنين والمناضلين في الزنازن وسجون التعذيب والتطهير باعتبار ذلك نزعات روائية وإن عملت في اطاريحها على الدعوة إلى أفكار سياسية معينة وتفنيد غيرها فذلك يفسح المجال أكثر لحوارات تتخذ شكل مجادلات سياسية، على أن لا تكون على حساب التقليل من أهمية العناصر السردية الأخرى، وهذا امر لابد منه؛ فمجتمعاتنا العربية لم تخلو يوما في اوار احداثها السياسية الصاخبة والساخنة من هموم واشكالات يجب تسليط الضوء عليها وهي توجب علينا توضيفها سرديا، وهذا الامر عنت به السردية العراقية بشكل كبير على اختلاف اجيالها فالموضوعات التي كانت تعالجها الرواية عند فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وجبرا ابراهيم جبرا وعبد الستار ناصر وغيرهم كانت الثورات والقضايا السياسية والاجتماعية والانقلابات العسكرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ولكن بأشكالها الرمزية درئا للرقابة الصارمة في وقتهم، وفي الوقت الحاضر اصبحت مادة الروايات تتشكل من خضم التحولات المجتمعية الكبرى التي اصابت المجتمع العراقي وهي لا تخلو من سياسة، هذا غير أن السياسة اصبحت محورا فكريا في الرواية المعاصرة، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع في الفن. فإن الرواية تعبر عن الأطروحة السياسية إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة لذلك نقول: إن السياسة حاضرة في كل الخطابات والفنون والأجناس الأدبية، وتتمظهر بجلاء ووضوح في فن الرواية التي تعكس نثرية الواقع وصراع الذات مع الموضوع والصراع الطبقي والسياسي والتفاوت الاجتماعي وتناحر العقائد والإيديولوجيات والتركيز على الرهان السياسي من خلال نقد الواقع السائد واستشراف الممكن السياسي.
السؤال السابع
تعددت الأجناس الأدبية ومع تعددها هذا انجر عديد من الادباء الى ان يكتبوا في غير تخصصاتهم ليبدو لنا انزياح القاص الى الرواية وكتابة الشعر والخطابة بل وحتى الروزخونيات الثقافية في هذا الصالون الادبي او ذاك لا لغاية سامية إعلاء لشأن ادبي بل لسوء تقدير محاولين الامساك بكل محاور الثقافة حتى اضاعوا مسيرتهم ليمسوا فاقدين لأدوات بوحهم الأول رغما عنهم.. ما رؤيتك إزاء استفحال هذه الظاهرة؟ وهل انت مع الداعين الى التخصص في النقد بين ناقد روائ وآخر قصصي ولماذا.
جواب السؤال السابع
من يريد الكتابة في كل شيء لن ينجح في شيء هذه رؤية أنا مؤمنة بها ولكنني اناقضها بشكل نسبي في حالات ما، فإن كان الموضوع يخص تداخل الاجناس الأدبية فهناك ضرورات تحتمه في بعض الأحيان والمقصود هنا أن يتحمل النص الروائي أو القصصي مقاطع شعرية أو جوا مسرحيا أو دراميا او مثلا سائرا وغير ذلك من الفنون فهذا يزيد النص ثراء على أن يتوفر على قيمة إبداعية مناسبة للنص، وهو أمر يشير في جوهــــره إلى حاجة الأديب إلى تخطي جنس أدبي ما، بتقاليده المعروفة والمستقرة، في سبيل الكتابة وذلك من خلال أجناس أدبية أخرى، بدمجها معا، والاستفادة من المعطيات الجمالية والشكلية والرؤيوية، التي تتوافر في الأشكال الأدبية الأخرى، وكذلك في الفنون المرئية والمسموعة، وقد تسعى الاجناس الأدبية الحديثة إلى الانفتاح بعضها على بعض وإلى الترافد بالعناصر الأساسية المميزة لها ليتزود بعضها من بعض فتتجمل ملامحها الأصلية وتتحلى في الوقت نفسه بملامح جديدة، في عملية تحول مستمر مع احتفاظها بثوابت لا تستطيع التخلي عنها والا لن تتسمى بالاسم الخاص بها أي عليها الاحتفاظ بنقاء الجنس الأدبي من ناحية حدوده الشكلية المرسومة له داخل النص الواحد.
ولكن ما يناقض ما اقول او يدعوني للتنحل عن ايماني بفكرتي التي طرحتها في البدء أن هناك ادباء ومبدعون ينتقلون بين الأجناس الأدبية، في معرض التجريب، ولم يعد المبدع قانعًا بتوصيفه شاعرًا أو روائيًّا أو قاصًّا، ليقحم قلمه في كل هذه المجالات وغيرها، وهو أمر محمود إن كان ثمة موهبة تدعم ذلك، لكن ثمة من يرى في مثل هذا التنقّل مضيعة لما عرف به المبدع، وتشتيت لقدراته وأنا منهم، وفي بعض الاحيان لا اعيب على الكاتب أن يكون متعدد الكتابة في الأجناس الإبداعية فربما تلك مزية حباها الله به، لكن هذا التعدد لابدّ أن يكون على حساب التخصص في مجال إبداعي معين، ومن ثمّ يمكن أن يشكّل هذا التخصص تجربة إبداعيّة تراكميّة متكاملة، بحيث يبقى الشاعر شاعرًا، والروائيّ روائيًّا، والمسرحيّ مسرحيًّا.. لكن الظرف الإبداعي هو الذي يشكّل جنس الكتابة لديه، فقد يبدأ القاص بكتابة قصّته، ثمّ يجدها تتحوّل رغما عنه إلى رواية أو مسرحية أو قصيدة؛ حينئذ لا يملك الكاتب قوّة ردع، ليحجر على الكتابة في أيّ شكل من الأشكال، فيمنعها من الظهور أو الولادة بطريقتها الخاصة، لهذا أرى أنه من الطبيعي أن يتحوّل القاص في مرحلة إبداعيّة متقدّمة من قاص إلى روائي؛ وذلك عندما تغدو القصة القصيرة غير قادرة على أن تعبّر عن تجربته الممتدة، فيكون من الطبيعي حينئذٍ أن تولد الرواية .
أما ما يخص الكتابة النقدية فهي شاملة لقراءات كثيرة والناقد مطالب بأن يلم بمجالات متعددة في مخبره النقدي وإن كان محكوم سياقيا، لكنه لن ينجح اذا لم يقرأ كتبا متعددة في الفلسفة وعلم النفس والمثيولوجيا وعلم الاجتماع ومن ثم يتهيأ له الظفر بواحد او اكثر من الفنون الأدبية، فلا اجد ضيرا من أن يتسنى للناقد أن يكتب في مجال نقد القصة او الرواية او القصيدة العامودية و النثرية او المسرح وغير ذلك وهذا راجع لقدراته وتمكنه وثقافته، أنا شخصيا اجد انني ناجحة إلى حد ما في الكتابة عن الفنون السردية وبخاصة الرواية وفي ذلك نوعا من التصالح مع النفس لمعرفة مقدرتها فلا يمكنني الابحار مع بحور الشعر، ولا استطيع أن اكون خطا او فكرا معينا فيما يخص هذا اللون الذي اجده حالة خاصة لا يمكنني أن اترك بصمة فيها .
(( ملحق بالقراءات النقدية…ل…رنا ))
١- كاريزما الشخصية المعاقة في رواية (يوليانا)
2 ـ كارزما الشخصية الايروتيكية في رواية (ظلال جسد ضفاف الرغبة) لسعد محمد رحيم
3 ـ قطار يهذي فوق قضبان الفقد في رواية (لجوء عاطفي)
4 ـ فلسفة الحب في رواية مسيو داك لـ (نزار عبد الستار)
5 ـ انثيالات فلسفية في رواية – فقيه الطين- لواثق الجلبي
6 ـ تجليات البحث عن الحكمة في رواية أمجد توفيق (طفولة جبل)
7 ـ السياسي الأصيل والرؤية الفجائعية في رواية (الظلال الطويلة) لأمجد توفيق
8 ـ كثافة البوح في «ازدواجية الزمن» لـربا قنديل
9 ـ عن “حليب اسود” لـ إيليف شفاق
10 ـ تناصات المجموعة القصصية (متحف النصوص) * لصادق الطريحي
11 ـ تقنيتا الاسترجاع والاستباق السردي في رواية (موت الام) لحنون مجيد
12 ـ الأشتغال على تقنية التكرار في رواية (برج المطر)
13 ـ تغريبة رواية (مصحة الوادي) ورمزيتها لاسماعيل سكران
14 ـ تعدد الرواة في رواية (خلو) لطه حامد الشبيب
15 ـ تجليات فعل المطاردة في رواية (بيت التوراة)
16 ـ الاشتغال على الميتا سرد في الساخر العظيم لـ (أمجد توفيق)
17 ـ المنظور الرمزي في عن لاشيء يحكى لـ (طه حامد الشبيب)
١٨ ـ عن لا شيء يحكى للروائي طه حامد الشبيب
١٩ ـ خِلّو للروائي طه حامد الشبيب
٢٠ ـ متحف النصوص (مجموعة قصصية) لصادق الطريحي
٢١ ـ يوليانا للروائي نزار عبد الستار
٢٢ ـ موت الأم للروائي حنون مجيد
٢٣ ـ برج المطر للروائي امجد توفيق
٢٤ ـ الظلال الطويلة للروائي امجد توفيق
٢٥ ـ طفولة جبل للروائي امجد توفيق
٢٦ ـ لجوء عاطفي للروائي عبد الستار البيضاني
٢٧ ـ مسيو داك للروائي نزار عبد الستار
٢٨ ـ فقيه الطين للروائي واثق الجلبي
٢٩ ـ سيدة الظلمة وظلها لسعاد الجزائري
٣٠ ـ مصحة الوادي للروائي اسماعيل سكران
٣١ ـ البطة الخضراء للروائي سامي البدري
٣٢ ـ بيت التوراة للروائي سامي البدري
٣٣ ـ حليب اسود لايليف شافاق
٣٤ ـ ازدواجية الزمن لربى قنديل
٣٥ ـ ظلال جسد ضفاف الرغبة للروائي سعد محمد رحيم