تفكك شروط الحسم: نحو إعادة تعريف العلاقة بين الفعل والنتيجة في البنى الصراعية!
غانية ملحيس*
أولا: إشكالية اللا – حسم وإعادة تعريف أدوات التفسير
لا تكمن الإشكالية في تشخيص ظاهرة اللا- حسم بقدر ما تكمن في طبيعة الاشتغال التحليلي عليها، إذ تميل التفسيرات التي تُرجعها إلى خصائص بنيوية عامة – كالتعقيد غير القابل للكسر، أو قابلية الامتصاص، أو تفكك أفق النهاية، أو إدارة الصراع بدل حسمه” – إلى فقدان قدرتها التفسيرية حين لا تُقترن بشروط تُمكّن من التمييز بين الحالات المختلفة.
الإشكال لا يكمن في وجود هذه التفسيرات، بل في غياب شروط تحدد:
· متى تكون هذه الفرضيات صالحة؟
· ومتى تفشل في تفسير اختلاف النتائج بين حالات متشابهة؟
فأي نموذج يفسر جميع الحالات دون استثناء يفقد قدرته التمييزية، حتى لو بدا غنيا من الناحية المفهومية.
ثانيا: من نقد النهايات إلى تعليقها: إعادة صياغة العلاقة بين الفعل والنتيجة
تفترض هذه المقاربة أن البنية تمتلك قدرة على امتصاص الأثر وإعادة توزيعه دون تثبيته في نتائج مستقرة. تميل البنى الصراعية إلى امتصاص الأفعال وإعادة توزيع أثرها، لكن هذه القدرة ليست مطلقة، بل تتغير وفق مستوى الضغط التراكمي وطبيعة الفعل.
ويُفهم تجاوز هذا النمط بوصفه تجاوزا لـ“عتبة الامتصاص”، وهي الحالة التي يفشل فيها النظام في إعادة دمج الفعل داخل أنماطه السابقة خلال زمن معقول، ويظهر ذلك عبر واحد على الأقل من:
· تغيّر مستقر في سلوك الفاعلين،
· أو تعديل في قواعد الفعل،
· أو إعادة توزيع يصعب عكسه كليًا لموازين القوة أو الكلفة.
وبالتالي، فإن “تعليق النهايات” ليس حالة دائمة، بل نتيجة محتملة ضمن نطاقات مختلفة من الاستجابة البنيوية. ويصبح السؤال ليس: هل يوجد حسم أم لا؟
بل: متى تفشل آلية الامتصاص، ومتى تنجح؟
وفي غياب هذا التحديد، يتحول مفهوم الامتصاص من فرضية تفسيرية، إلى إطار شامل يستوعب كل النتائج الممكنة، بما في ذلك تلك التي قد تشير إلى فشله، وهو ما يجعله أقرب إلى نموذج مغلق لا يمكن نقضه من الداخل.
ثالثا: إعادة تعريف مفهوم “النتيجة”: من المفهوم الأحادي إلى المستويات المتعددة
افتراض وجود “نتيجة مستقرة” كمعيار واحد لقياس الصراعات يُنتج اختزالا غير دقيق. إذ إن النتائج تتوزع على مستويات مختلفة:
· نتائج مادية: تغيّر في الوقائع المباشرة
· نتائج سياسية: تغيّر في موازين الفاعلين
· نتائج بنيوية: تغيّر في قواعد الصراع
· نتائج رمزية: تغيّر في المعنى والشرعية
وعليه، فإن غياب “نتيجة حاسمة” على مستوى واحد لا يعني غياب النتائج على المستويات الأخرى. ويصبح معيار التحليل هنا هو: هل ينتج الفعل أثرا مستقرا في أي من هذه المستويات، أم يظل محصورا في إعادة توزيع مؤقتة؟
رابعًا: الزمن والتراكم: من الفاعل الوهمي إلى المؤشر التحليلي
لا يمكن التعامل مع الزمن بوصفه فاعلا يفسر التراكم أو يعيد إنتاج البنى، بل بوصفه إطارا يكشف ديناميكية العلاقة بين الفعل والبنية. إذ إن ما يُسمّى “تراكما تاريخيا” لا ينتج عن مرور الزمن ذاته، بل عن تغيرات قابلة للرصد في سلوك الفاعلين، أو في قواعد الفعل، أو في كلفة الفعل السياسي أو العسكري.
ويُقاس الزمن هنا بوصفه نافذة تحليلية متعددة المستويات (قصير / متوسط / طويل)، بحيث يُختبر الاستقرار عبر كل مستوى وفق نوع الأثر المتوقع. ويُعتبر الأثر مستقرا إذا استمر دون عودة إلى النمط السابق ضمن نافذة لاحقة مناسبة لمستوى التحول، وإلا يُصنّف بوصفه امتصاصا داخل البنية.
وعليه، فإن غياب هذه التغيرات لا يعني أن الزمن يعيد إنتاج البنية، بل يعني أن البنية نفسها لم تتعرض لضغوط كافية تُحدث اختراقا في آليات استقرارها، مما يجعل الزمن هنا أداة كشف، لا أداة تفسير.
خامسًا: الحق والقوة: بين وهم الانفصال ومنطق التشابك
لا تكمن الإشكالية في غياب الحق أو فائض القوة، بل في تصور العلاقة بينهما بوصفها انفصالا مطلقا أو تطابقا كاملا. إذ تختلف هذه العلاقة بحسب قدرة كل منهما على التحول إلى أثر فعلي داخل مسار الصراع.
فالحق لا يبقى مجرد خطاب إذا استطاع تغيير سلوك الفاعلين، أو فرض كلفة سياسية. كما أن القوة لا تبقى مجرد أداة إكراه إذا تحولت إلى شرعية مستقرة تتجاوز لحظة استخدامها المباشر.
ويصبح معيار التحليل هو: مدى قدرة كل طرف على إنتاج أثر يتجاوز مستواه الأولي. وبهذا المعنى، فإن العلاقة بين الحق والقوة ليست ثنائية مغلقة، بل نظام تفاعلي يُقاس بالتحول، وليس بالانفصال أو الاتحادّ داخل الزمن السياسي والاجتماعي.
سادسا: طوفان الأقصى: حدث يتجاوز ثنائية الامتصاص/النتيجة
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/93102
20/4/2026