وعد بلفور.. حلقة مفصلية في سلسلة جرائم النظام البريطاني في حق الامة العربية!
رميز نظمي
ان كان هنالك نظام أجنبي اقترف و لا يزال يقترف جرائم كبرى ضد الامة العربية فهو النظام البريطاني. إصداره في ٢ تشرين الثاني / نوفمبر ١٩١٧ فيما يسمى “وعد بلفور”، يعلن فيه تأييده لاقامة وطن قومي لليهود في فلسطين و بأنه سيبذل غاية جهده لتسهيل تحقيق هذه الغاية، يمثل حلقة مفصلية في سلسلة مآثمه.. كانت فلسطين انذاك تحت حكم الدولة العثمانية و كان العرب يمثلون اكثر من ٩٠٪ من سكانها.. نظام اجنبي يعد من لا يستحق، وطناً يملكه شعب آخر!
تكشف مذكرة كتبها ارثر بلفور، وزير الخارجية البريطاني في حينها، مدى الاستحقار البريطاني لسكان فلسطين الاصليين، و الاستهانة بحقوقهم المشروعة. تنص المذكرة “اننا لا نقترح حتى ان نتكبد مشقة استطلاع رغبات سكان البلاد الحاليين من غير اليهود في فلسطين… لأن اهمية الصهيونية اكبر بكثير من رغبات و تحيزات السبعمائة الف عربي القاطنين الان في تلك الارض التاريخية”.
يتجلى الاجحاف العنصري الذي يكنه النظام الحاكم في بريطانيا لشعوب العالم الثالث المستضعفة عامة و للشعب العربي خاصة بوضوح في تصريح ‘البريطاني العظيم’، ونستون تشرشل، بشأن الفلسطينيين “انا لا اوافق على ان للكلب الحق النهائي بالحظيرة، مهما تواجد فيها مدة طويلة، انا لا اقر بذلك الحق، انا لا اقر مثلاً انه تم ارتكاب فعل شنيع في حق الهنود الحمر في امريكا، او في حق السكان السود في استراليا، انا لا اقر بأن اثماً قد اقتُرف في حق هؤلاء الناس لمجرد ان عرقاً اقوى و ارقى و احنك.. قدم الى مكانهم و استولى عليه”! هل يوجد نص اكثر بلاغةً يسوّغ العنصرية العرقية مما جاهر به تشرشل؟ هل يوجد تضارب ما بين مشاعر تشرشل هذة مع مقولة هتلر “يتحتم على هذا العرق الابيض ان يهيمن و يقود و يحكم بقية العالم”؟
تتبين عنصرية و لؤم الطبقة الحاكمة البريطانية في جوانب عدة. فمثلاً اثناء الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥) شارك حوالي ٢،٥ مليون جندي من القارة الهندية في الدفاع عن بريطانيا في حربها ضد المانيا و اليابان، قتل منهم ما يقارب ١٠٠ الف جندي. على رغم هذة التضحيات البالغة، صرّح ونستون تشرشل، الذي كان في وقتها يترأس الحكومة البريطانية، “انا اكره الهنود، انهم اناس متوحشون ذوو دين بغيض”. هل هكذا يعبّر نظام متحضر عن امتنانه؟
لا ينبغي افتراض ان التضامن مع اليهود كان السبب الرئيسي وراء اصدار بريطانيا وعد بلفور. المصالح الذاتية و المنافع المادية و الدوافع السياسية، و ليس محبة اليهود، كانت الحوافز الحقيقية التي افضت الى اصداره.. تم وصف وعد بلفور من قبل الصحفي و الكاتب البريطاني البارز، روبرت فسك، بانه “الوثيقة الاكثر كذباً و خداعاً و نفاقاً في تاريخ بريطانيا الحديث”.
غالبية الاوروبيين اليهود لم يتجاوبوا مع دعوة الحركة الصهيونية لتهجيرهم الى فلسطين لاقامة دولة يهودية، بل و اعتبروا اهداف الحركة الصهيونية تشكل تهديدا جسيماً لحقوقهم كمواطنين اصلاء في بلدانهم. ادون مونتاغو، الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة البريطانية التي اصدرت وعد بلفور عارض بشدة اصداره، و قال لرئيس الوزراء، لويد جورج “امضيت حياتي كلها محاولاً الخروج من الغيتو، و انت الان ترغمني على العودة اليه”،. و في مذكرة قدمها مونتاغو الى الحكومة البريطانية في اب/اغسطس ١٩١٧ وصف فيها الحركة الصهيونية بانها “عقيدة سياسية خبيثة، لا يمكن لاي مواطن وطني ان يدافع عنها”.
كما لاقت الحركة الصهيونية ايضاً معارضة شديدة من منظمات يهودية بارزة و من كبار الشخصيات البريطانية اليهودية، منهم هيرمان ادلر، كبير حاخامات بريطانيا، و دافيد ليندو الكسندر، رئيس مجلس النواب اليهود، و كلود مونتفيور، رئيس الرابطة الانجلو يهودية و غيرهم.. من الواضح ان الخلط الصهيوني ما بين الدين و القومية لم يتلق قبول الكثير من الاوروبيين اليهود، اضافة الى ذلك فإن الحركة الصهيونية التي استُحدثت في اواخر القرن التاسع عشر من قبل لفيف من الاوروبيين اليهود كرد فعل على اضطهادهم، بدعوتها لليهود بان يتركوا اوطانهم و الهجرة الى الفلسطين، انها بذلك قد استسلمت و اذعنت لفرضية معاداة السامية الدنيئة التي تدّعي بان اليهود هم “شعب مغاير” و لا يمكن تكاملهم مع المجتمعات التي يعيشون فيها.
بدون اي شك، فان جذور الحركة الصهيونية نمت و ترعرعت في تربة معاداة السامية الدنسة، اي ان معاداة السامية هي المغذي الاكبر للحركة الصهيونية، فإن لم تكن هنالك معاداة للسامية لانعدم وجود اي مبرر لقيام الحركة الصهيونية، لهذا فان قهر معاداة السامية من شأنه ان يؤدي ايضاً الى تجريد الحركة الصهيونية من اي ذريعة لوجودها.
يدلّس الكيان الغاصب و مؤيدوه في نشرهم فكرة ان معاداة الصهيونية تساوي معاداة السامية، و هذا مكر يحاولون به منع اي انتقادٍ او استهجانٍ للكيان الصهيوني و سياساته الآثمة. في واقع الحال، ان كان هنالك عملياً اي توافق فهو ما بين معادي السامية و مؤيدي الصهيونية: يعتقد الاثنان ان اليهود هم “اخرون”، اذاً عليهم تكوين وطنٍ خاصٍ بهم و الهجرة الى فلسطين.. كما ذكر استاذ التاريخ في جامعة ايست انجليا البريطانية، البروفسور جون شارملي، “ان يكون الشخص معادياً للسامية و صهيونياً في آن واحد ليس امراً غير متوافق”. صرح البروفسور شارملي برأيه هذا في مجال وصفه لشخصية ونستون تشرشل.
سعي النظام البريطاني لشرذمة الوطن العربي سبق تأسيس المنظمة الصهيونية باكثر من نصف قرن. طالب اللورد بالميرستون وزير خارجية بريطانيا في ١٨٤٠ ان يهاجر اليهود الى فلسطين لتشكيل “مانع لاي مخطط شرير يعده محمد علي او خليفته”. المخطط الشرير، في نظر بالميرستون، هو توحيد مصر مع سوريا الكبرى و تأسيس دولة عصرية. و فعلاً شنت بريطانيا مع قوى اوروبية اخرى حرباً على محمد علي، حاكم مصر، اهلكت نواياه الوحدوية و التنموية. ثم اعاد التاريخ نفسه في القرن العشرين حين انقضت جيوش و اساطيل بريطانيا و حليفتها فرنسا و ربيبها الكيان الغاصب في حربٍ عدوانية على مصر عبد الناصر لتوجهاته التحررية و العروبية و التنموية.
خسة و تحايل الطبقة الحاكمة البريطانية ظهرت ايضاً عندما وعدت في ١٩١٥ الشريف حسين بن علي الهاشمي، حاكم مكة المكرمة و مؤسس المملكة العربية في الحجاز، بدعمه لاقامة مملكة عربية مستقلة و تضم بلاد الشام، ومن ضمنها فلسطين، و شبه الجزيرة العربية و العراق مقابل قيامه بثورة عربية ضد الدولة العثمانية. وفي نفس الوقت كانت الحكومة البريطانية تتفاوض سراً مع فرنسا لاقتسام المناطق العربية فيما بينهم. انتجت هذه المفاوضات اتفاقية سايكس (البريطاني) – بيكو (الفرنسي) المشؤومة التي وقعت في ايار / مايو ١٩١٦ و تم تنفيذها بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى و هزيمة الدولة العثمانية في ١٩١٨. اما الشريف حسين، قائد الثورة العربية الكبرى، فقد عاد بخفي حنين و نفي الى العقبة ثم الى قبرص.
السؤال الذي يطرح نفسه، ماذا كانت تداعيات اصدار النظام البريطاني لوعد بلفور و المساهمة في تنفيذه؟ النتيجة الاهم هي تأسيس كيان عدواني و توسعي و عنصري، كيان انبثق جائراً، و نما متعجرفاً، ويعيش ظالماً، كيان تم بنائه على اشلاء و جماجم الفلسطينيين. كما اقر البروفسور الصهيوني، بني موريس، استاذ التاريخ في جامعة بن غوريون ، “لم تكن دولة يهودية ستظهر الى حيز الوجود لولا اقتلاع ٧٠٠ الف فلسطيني، كان لابد من اجتثاثهم”. في سنة ١٩٤٨ فقط، سنة النكبة، سنة اعلان اقامة الكيان الصهيوني، ارتكبت العصابات الصهيونية، الهاغاناه و الارغون و الشتيرن، عن ما لا يقل ٢٤ مجزرة بحق الفلسطينيين المدنيين، منها مذبحة دير ياسين.
في صبيحة التاسع من نيسان/ أبريل ١٩٤٨، هاجم ارهابيو العصابات الصهيونية قريةَ دير ياسين المسالمة، وبحلول الظهيرة ذبحوا ثلثي سكانها، اغلبيتهم من النساء والأطفال، من بين الضحايا امرأة بقَر قاتلُها بطنَها وكانت حاملاً في شهرها التاسع، وذُبحت امرأة أخرى حاولت إنقاذ الجنين بإخراجه من رحم أمّه المحتضرة، وكتب ريتشارد كاتلنج، الضابط المحقّق البريطاني، “الكثير من فتيات المدارس اغتُصبن ثمّ ذُبحن. واغتُصبت امرأة مسنّة أخرى .. وهناك فتاة صغيرة شُطرت نصفين بالمعنى الحرفي للكلمة، كما ذُبح الكثير من الأطفال الرضّع وقُتلوا”، ونُقل خمسة وعشرون قروياً في شاحنات، وسير بهم في شوارع القدس وأُعدموا رمياً بالرصاص في مقلع حجارة قريب.. في الذكرى السنوية الثانية والعشرين لمذبحة دير ياسين، اي في ٨ نيسان/ أبريل ١٩٧٠، قصفت طائرات الكيان الصهيوني مدرسة بحر البقر المصرية و قتلت عدداً كبيراً من طالباتها. من الواضح ان الكيان الغاصب يطمح في ارتكاب فظائعه عبر الوطن العربي: فلسطين، مصر، العراق، لبنان، سوريا..
منذ نشأة الكيان الغاصب و هو ضالع في محاربة الفلسطينيين و شعوب الدول العربية المجاورة، حروباً قتلت و جرحت و هجرت ملايين الاشخاص، و اهدرت مليارات الدولارات. كيان يرى اي نهضة تنموية في الوطن العربي هي تهديد وجودي له يجب وأده.. غزو العراق و احتلاله في ٢٠٠٣ وصُف بأنه ‘حرب لاجل اسرائيل’، غزو تبلورت فكرته في واشنطن و لندن و لكن الالهام جاء من تل ابيب. غزو دمر العراق و اغرقه في انهار من الدم و حوله الى دولة فاشلة تحكمه زمر طائفية فاسدة. غزو سبقه حصار قاتل روج له و شارك فيه بكل عزم النظام البريطاني و اجهزة اعلامه بقيادة مجرم الحرب توني بلير.
كيف يمكن لنظام يتباهى دائماً بامتلاكه مكانة اخلاقية عالية ان يسمح لرئيس وزرائه، توني بلير، ان ينحط الى حدٍ يجعله يختلق ملفات كاذبة تزعم ان للعراق اسلحة دمار شامل؟ كيف يمكن لنظام يدعي تمسكه بالشرائع الانسانية و بالقوانين الدولية يعلن تأييده الكلي للجرائم المريعة التي يقترفها حالياً الكيان الغاصب ضد الشعب العربي الفلسطيني، الشعب الذى عانى الامرين من تعسف و قهر و بغي على يد الاحتلال الصهيوني الغاشم على مدى ٧٥ سنة؟ تبجح النظام البريطاني بأن سياساته الخارجية تستند شرعيتها على القانون الدولي و على ما هو صحيح و عادل هو ادعاء كاذب جملةً و تفصيلاً. الاستقراء التاريخي لنهج النظام البريطاني يبين ان ما يحرك سياسته الخارجية هي ميوله الاستعمارية و العنصرية و التزامه المنفعي تجاه الصهيونية. التزام عبر عنه بدقة آرثر بلفور عندما كتب “ان اهمية الصهيونية اكبر بكثير من رغبات و تحيزات السبعمائة الف عربي”.
المجد كل المجد لفصائل المقاومة الفلسطينية الباسلة، و الخزي و العار للكيان الغاصب و لكل من يدعمه و يؤازره و يطبّع معه. قال جل جلاله “او لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم، كانوا هم اشد منهم قوة و اثاراً في الارض فاخذهم الله بذنوبهم و ما كان لهم من الله واقٍ” صدق الله العظيم.
2023-11-03