كوكبي …
من يشتري دمشق؟
جوهر سعود
لا أحد يدخل إلى سوريا اليوم حباً بالسوريين…
هذه أول حقيقة يجب أن تُقال بلا مكياج سياسي.
في الغرف المغلقة لا أحد يتحدث عن “إعمار وطن”، بل عن: خرائط نفوذ، ممرات طاقة، مراكز مالية، وأراضٍ انهارت أسعارها بعد الحرب وأصبحت جاهزة لإعادة الالتقاط.
هم لا يرون دمشق كعاصمة تاريخية فقط… بل كأكبر فرصة عقارية مؤجلة في الشرق الأوسط.
كل ما يجري الآن يشبه لحظة دخول المستثمرين إلى شركة مفلسة: يتم تقييم الأصول، فرز المناطق، دراسة الملكيات، قياس القدرة على السيطرة، ثم يبدأ الشراء الناعم تحت شعارات براقة: “التطوير” “الحداثة” “المدن الذكية” “إعادة الإعمار”.
لكن خلف الستار يوجد سؤال واحد فقط: من سيمتلك سوريا الجديدة؟
لاحظوا شيئاً خطيراً: لا أحد يتحدث عن إعادة بناء الإنسان، ولا عن الصناعة، ولا عن الزراعة، ولا عن استقلال اقتصادي حقيقي.
كل الضوء مسلط على: العقار، المولات، الأبراج، الاستثمار السياحي، وواجهات الزجاج التي تعطي انطباعاً بالنهضة بينما العمق الاقتصادي فارغ كعلبة معدنية تصدر ضجيجاً أكثر مما تحتوي.
لأن اللعبة الحقيقية ليست بناء وطن… بل تحويل الوطن إلى منصة استثمار عالمية.
في مراكز الدراسات الكبرى هناك مفهوم قديم يُستخدم بعد الحروب: “إعادة هندسة المدن”.
أي تحويل المدينة من مكان يعيش فيه أهلها… إلى أصل مالي تتحكم به الشبكات العابرة للحدود.
الناس تظن أن الحرب تنتهي حين تصمت البنادق، لكن النخب تعرف أن أخطر مرحلة تبدأ بعدها: مرحلة إعادة توزيع الملكية.
وهنا يدخل العقار كأداة سيطرة ناعمة أخطر من الدبابة.
من يملك وسط المدينة، يملك المال. ومن يملك المال، يملك السياسة. ومن يملك السياسة، يعيد تشكيل المجتمع كله بدون أن يطلق رصاصة واحدة.
لهذا سترون مستقبلاً أحياء كاملة تُسوَّق للأثرياء والمستثمرين، بينما ابن البلد نفسه يُدفع إلى الأطراف مثل ضيف ثقيل في مدينته.
سيقولون لكم: “هذه هي الحداثة”.
لكن أي حداثة هذه إذا كان المواطن عاجزاً عن شراء بيت في مدينته، وعاجزاً عن فتح مشروع، وعاجزاً حتى عن منافسة الصناديق المالية القادمة من الخارج؟
هم لا يبنون دمشق لأهل دمشق… بل يبنون نسخة جديدة من المدينة تناسب رأس المال العالمي.
نسخة لامعة، باردة، مربحة، ومفرغة من روحها القديمة.
والأخطر أن الجماهير المنهكة ستصفق لأي برج زجاجي لأنها تعبت من الخراب، بينما الصفقة الحقيقية تمر تحت الطاولة: انتقال السيطرة من دولة منهكة… إلى شبكات المال الإقليمية والدولية.
وفي النهاية… حين تصبح الأوطان مجرد عقارات، يتحول الشعب من أصحاب أرض… إلى مستأجرين داخل تاريخهم نفسه.
2026-05-28