هوية أمريكا المشتعلة!
مهدى مصطفى
فى الهزيع الأخير من التاريخ المعروف، تحتفل أمريكا يوم الرابع من يوليو 2026 بمرور 250 عاما، على تأسيسها كدولة، شاءت المصادفة أن يكون الرئيس السابع والأربعون، دونالد ترامب، صاحب المناسبة النادرة.
جاء ترامب من مخزن رجال الأعمال ووادى السيليكون وإعلام الواقع، خارجا على التقاليد السياسية والإعلامية، فى خصومة مفتوحة مع نخبة نيويورك وواشنطن، كاسرا قواعد الإعلام العتيق، ومتهما الصحافة بتهديد الأمن القومى الأمريكى والاختلاق والكذب، كما فعل مع نيويورك تايمز وواشنطن بوست وسى إن إن، فى صدام يعكس شرخا عميقا فى بنية الدولة والمجتمع.
أرض اللبن والعسل الجديدة، أو أورشليم الجديدة، كما تخيلتها بعض الخطابات البروتستانتية المبكرة، أغلقت أبوابها أمام الهجرة، وهى التى تشكلت أساسا من موجات بشرية عبرت الأطلسى، هربا من الاضطهاد والفقر والسجن، تحمل ذاكرة ثقافية ودينية مركبة، ومشروعا للنجاة لا يقل قسوة عن الرحلة نفسها.
تلك الهجرات سبقت إعلان الاستقلال، كانت المادة الخام لبناء مجتمع جديد، يتخيل حلما بالمكان والحرية، ويزرع خوفا من الانهيار أو من تفتيت الهوية أو من اختلال الرواية الجامعة.
بعد الاستقلال عن بريطانيا، سعى الآباء المؤسسون، من جورج واشنطن إلى توماس جيفرسون وجيمس ماديسون، إلى بناء جمهورية منضبطة، تفصل بين الدين والدولة، وتتحصن ضد نماذج الإمبراطوريات الأوروبية التى خلطت المقدس بالسلطة، وانتهت إلى حروب وانقسامات دامية.
فى العمق الأمريكى، كانت ثمة تيارات فكرية ودينية ترى فى التاريخ الأمريكى امتدادا لفكرة الأرض الموعودة، بوصفها قدرا دينيا، ومع القرنين التاسع عشر والعشرين، تحولت هذه التيارات إلى تكوين مؤثر فى الهوية الأمريكية.
دخلت إسرائيل إلى المخيال السياسى الأمريكى بوصفها عقدة رمزية فى تصور التاريخ والنهاية، فالدولة التى نشأت على الأراضى الفلسطينية عام 1948، جرى تأويلها كعلامة زمنية، هذا التصور أسهم فى صعود اليمين الدينى، ذلك التيار الذى تشكل فى الفكر البروتستانتى الأوروبى خلال القرن التاسع عشر، ووجد فى أمريكا تربة خصبة، وربط عودة اليهود إلى فلسطين برواية كونية عن الخلاص ونهاية الأزمنة.
هذه التحولات الفكرية والسياسية رسخت صورة محددة عن إسرائيل داخل دوائر نافذة فى واشنطن، صورة تتجاوز الحسابات الإستراتيجية، وتحمل أبعادا عقائدية، وتشكل عامل ضغط على القرار السياسى.
وفى الداخل الأمريكى، ظل الجدل قائما حول دور الدولة فى الخارج، بين فكرة الرسالة العالمية وبين فكرة حماية البيت من التآكل، وبلغ الجدل ذروته مع صعود ترامب، الذى اصطدم بالمؤسسة السياسية والإعلامية التقليدية، ودعا إلى إعادة ترتيب الأولويات، من التزامات خارجية مكلفة إلى انضباط داخلى سابق على الدور العالمى.
فى هذا السياق، تواجه إسرائيل اختبارا قاسيا، دولة اعتادت الاحتماء بالمظلة الأمريكية، بوصفها ضامنا نهائيا، لتجد نفسها أمام واقع جديد، تآكل القدرة الأمريكية على الحسم، وتحول الدعم من يقين إستراتيجى إلى عبء سياسى وأخلاقى متصاعد.
المشهد مفتوح على تحولات أعمق، تبدو فيه إسرائيل أقل طمأنينة، وأمريكا أقل حضورا.
بعد قرنين ونصف القرن، تقف أمريكا أمام لحظة كاشفة، دولة تنظر فى مرآتها فلا ترى إلا تاريخا يتزاحم مع الهوية، وإرثا تأسيسيا يصطدم بدور عالمى، لم يعد قابلا للإدارة باليقين القديم.
السؤال لم يعد عن البقاء أو التراجع، إنما عن صراع مفتوح، بين أمة تريد أن تبقى، وقوة اعتادت أن تكون إمبراطورية.
فى هذه المسافة المشتعلة، تتشكل أمريكا من جديد، ليس كما أرادها الآباء المؤسسون، ولا كما تخيلتها النبوءات الإسرائيلية، إنما كما يريدها ترامب، الخارج عن النص الأمريكى المعتمد.
2025-12-25