هل يقبل حلف الناتو بالهزيمة في أوكرانيا؟
مصطفى السعيد
حالة من الإرتباك بين قادة ودول حلف الناتو مع تدفق الأنباء حول التقدم السريع للقوات الروسية على جميع محاور القتال في أوكرانيا، وفشل مغامرة احتلال جزء من إقليم كورسك الروسي، واستعادة القوات الروسية نحو 14 بلدة خلال ثلاثة أيام، ومواصلتها مطاردة القوات الأوكرانية، ومحاولة حصارها، وقطع خطوط الإمداد عنها، في الوقت الذي تسارعت فيه وتيرة الزحف الروسي في إقليم الدونباس، وأصبح التقدم يقاس بعشرات الكيلو مترات المربعة يوميا، بعد أن كان بالأمتار في بداية العملية العسكرية الروسية. أما أخطر ما تعاني منه القوات الأوكرانية فهو تدهور معنويات الجنود، والزيادة في معدلات الإستسلام والهروب. انعكس التراجع الأوكراني في الجبهات على مواقف دول الناتو، وكان أبرزها دعوة المستشار الألماني شولتس إلى اتفاق سلام تتنازل بمقتضاه أوكرانيا عن الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، وتراجع لهجة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، الذي ألمح بقبول أوكرانيا بتنازلات، لكن موسكو لا تكترث كثيرا بالتصريحات حول المفاوضات والسلام، وتقول أنها تعرضت للخداع أكثر من مرة، ولن تقبل بأقل مما طرحته عن القبول بانضمام الأقاليم الأربعة إلى روسيا، بالإضافة إلى الشروط المتعلقة بعدم إنضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وتقليص تسليحها، وأن تكون دولة محايدة، وتراعي حقوق المتحدثين بالروسية، وهي شروط يصعب على حلف الناتو أن يقبل بها، ويراها إذعان من جانب أوكرانيا وحلفائها. ما البديل لدى حلف الناتو مع رفضه الشروط الروسية؟ لقد جاء بمعظم السلاح السوفييتي من دول شرق أوروبا ومنحها لأوكرانيا، وأمدها بالأسلحة الغربية والذخائر والأموال والتدريب والدعم اللوجستي، وكذلك خبراء ومتطوعين، فما الجديد الذي يمكن أن يقدمه حلف الناتو؟ الخطوة المقترحة أن يمد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى تضرب العمق الروسي، وهو ما اعتبره الرئيس الروسي بوتين إعلان حرب من جانب حلف الناتو على روسيا، سيقابلها رد روسي متناسب، أي أن تلك الخطوة التي تشجعها بريطانيا وأيدها وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ستشعل حربا عالمية، فهل لدى حلف الناتو القدرة والإرادة وتحمل تبعات خوض حرب مباشرة ومفتوحة في مواجهة روسيا؟ لا شك أن خطوة كهذه ستلقى معارضة قوية من عدد كبير من دول حلف الناتو، ولن تغامر بحرب مع روسيا تدرك أنها مدمرة، حتى لو تجنبت استخدام الأسلحة النووية، فالحرب الأوكرانية كشفت عن هشاشة عسكرية في حلف الناتو، مثلما كشفت عن هشاشة إقتصادية لدول الإتحاد الأوروبي، فلم ينجح تحالف ضم نحو 50 دولة تدعم أوكرانيا في تحقيق إنتصار على روسيا، رغم أن الجيش الأوكراني هو أكبر جيوش أوروبا، والقادر على تقديم تضحيات بمئات الآلاف من جنوده، وهو ما تعجز عنه أي دولة أوروبية، وكذلك الولايات المتحدة، ولهذا لا يمكنها خوض حرب تتكبد فيه مثل هذه الخسائر البشرية الهائلة. كما اتضح أن المجمع الصناعي العسكري لدول الناتو ضعيف الإنتاج، ولا يمكنه مجاراة الإنتاج الروسي في الذخيرة والسلاح، وهو عامل شديد الأهمية في الحروب، وأحد أهم أسباب الهزائم الأوكرانية، فالدفاع الجوي الأوكراني محدود الفاعلية، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على تلبية طلبات أوكرانيا من منظومات وصواريخ باتريوت، في وقت تتعرض فيه منظومات الصواريخ الغربية لضربات لا يمكن تجنبها من صواريخ إسكندر الروسية، التي أظهرت تفوقا واضحا. لهذا لا يجد حلف الناتو طريقة لدعم أوكرانيا بطريقة تجنبه الحرب المباشرة مع روسيا سوى محاولة تجنيد مرتزقة، وهو ما كشفت عنه المخابرات الروسية، وأعلنت عن لقاءات وأنشطة للمخابرات الأوكرانية والغربية في إدلب السورية ودول أفريقية وآسيوية، وأنها تجند إرهابيين من جبهة النصرة، ما يجعلها تعتبر الحكومة الأوكرانية منظمة إرهابية، وتتعامل معها على هذا الأساس. هذه هي الخيارات القليلة أمام قادة ودول حلف الناتو، وجميعها سيئة ولها تداعيات سلبية على أوكرانيا وحلف الناتو، كما أن مرور الوقت يعني المزيد من الخسائر الأوكرانية، ومزيد من تقدم القوات الروسية، وسيطرتها على مناطق جديدة، تجعلها تفرض شروطا أشد قسوة، ولذلك يطالب زيلينسكي بأن يتم التوصل إلى اتفاق سلام في الخريف، ومع هبوب رياح الخريف على أوكرانيا وحلف الناتو ينبغي التوافق على الخيار الصعب بتقديم التنازلات المطلوبة من روسيا، وإلا فإن أراضي أوكرانيا ستتساقط مع أوراق الخريف، وتتمزق إلى مقاطعات تتوزع على جيرانها من الحلفاء قبل الخصوم.
2024-09-18