هل يأتي القطار؟ (3)

ثريا عاصي
فرّقت النكبة سنة 1948 سكان فلسطين. يتواجد الأخيرون في الراهن، في أربع محطات ينتظرون فيها انفراج الغمّ وزوال الشدة، ولكن هذه المحطات تحوّلت بمرور الوقت إلى سجن خانق، يزداد البقاء فيه صعوبة، لا سيّما أنّ الأمل في مجيء قطار الحل أو التسوية أو التطبيع صار معدوماً.
سأترك الحديث عن قطار العودة لما بعد. أعراض الهلع بادية أكثر فأكثر، بموازاة تنامي الاستعداد لتقبّل الأوهام.
تتزايد حالات اليأس والإحباط، وتظهر أنواع من السلوك العبثي، الانتحاري، إذا جاز القول.
إنّ الفلسطيني الذي يعيش اليوم، في سنة 2015، في مخيّم اللاجئين الفلسطينيّين، هو غير الفلسطيني الذي كان في المخيم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
هذا الأخير اعتقد بإمكانية العودة، كان لديه أمل كبير في أنّه سيعود إلى بلاده، فقضى العمر في البحث عن الطريق إلى فلسطين… بدأ الأمل يضعف ويخبو في السبعينيّات، وتحديداً بعد حرب تشرين 1973.
في المقابل، إنّ الفلسطيني الذي وُلِد في المخيم تنطبق عليه، في الحاضر، شروط المهاجر الذي يصبو إلى أن يماثل الآخرين في البلاد التي حلّ فيها مهاجراً.
هذه مسألة ليست بسيطة في بلاد العرب، حيث يوجد ما يشبه المناعة الاجتماعية، هي في الواقع من رواسب القبيلة، تُعيق دخول «الغريب» وانضمامه إلى «القوم»، ومكوثه الدائم في المكان الذي هو ليس مكانه. يُعرف المرء بحَسَبه ونَسَبه، أكثر مما يُعرف بذاته.
أكتفي من هذا الاستطراد لأقتضب فأقول إنّه، بحسب رأيي، إنّ الفلسطيني في المخيّم يشعر بالحرمان والكبت والإحباط، كونه منبوذاً من الناس الذين يعيش بينهم.
وأغلب الظن أنّ الأخيرين لا يحبّونه لأنّ وجوده كلاجىء يضعهم أمام أسئلة تلاحقهم منذ سنة 1947، ولكنهم يحاولون التملّص من الإجابات عنها.
إنّ قبول الآخر والعيش والعمل معه، وإلغاء مفهومية «الغريب ـ الأجنبي»، هي مؤشّرات على درجة الرقي والتهذيب!
على كلّ لبناني، كما على كلّ سوري، أن يتذكر أنّنا الجيران المباشرون لهذا المطمع ولهذه القوة، وأنّ المشروع الإسرائيلي لن يعرف التوسع المأمول إلا بمروره على جسدنا» (ميشيل شيحا).
لا مبالغة في القول إنّ الإمبريالية الأميركية ـ الأوروبية اشترت عقولنا بأموال آل سعود، فبدل أن يتصدّى الأردني واللبناني والسوري والعراقي والمصري معاً، إلى جانب الفلسطيني، لمقاومة المستعمر الإسرائيلي، حدث عكس ذلك تماماً.
خذ إليك مثل أيلول الأسود في عمان، وحروب المخيّمات في لبنان، وما يتناهى إلى السمع عن مخيّم اليرموك في دمشق، وعن المنازعة في سيناء بين حماس ومشيخة قطر من جهة، وبين مصر من جهةٍ ثانية!
هكذا تبدو لي أوضاع اللاجئين في البلاد العربية. الأجواء متوترة إلى أبعد الحدود. عمان، بيروت، دمشق، بغداد وسيناء، بعض اللاجئين الفلسطينيّين شركاء في «الثورات»، ولكن ليس بعقل فلسطيني. إنّ الإنسان، أي انسان، يخدم ربّ عمله الذي يدفع له أجراً. يريد اللاجئ الفلسطيني في لبنان وسوريا، المساواة بينه وبين الذين يعيش بينهم!
أنتقل إلى الضفة الغربية التي يحتلّها الإسرائيليّون، ويبنون على أرضها مستوطناتهم. ولكن هذا الاحتلال يتخفّى وراء السلطة وأجهزتها الأمنية المعروفة بشرطة الجنرال الأميركي دايتون. يتخفّى هذا الاحتلال أيضاً وراء أُطُر سياسية فلسطينية تعمل لمصلحة الولايات المتحدة الاميركية، وبالتالي لمصلحة الإسرائيليّين. لدى هذه الأطر ميزانية مالية! بكلام صريح وواضح توجد في الضفة الغربية منظومه، الغاية منها هي منع الفلسطينيّين من البحث عن أساليب ووسائل يأملون بواسطتها أن يتحرّروا من المستعمرين ومن أعوانهم.
أعتقد أنّ مركز الثقل في موضوع القضية الفلسطينية، لم يبقَ في مخيم اللاجئين في البلاد «الشقيقة».
صار في فلسطين المحتلة نفسها. لمّحت إلى أسباب هذا التحول أعلاه، وفي مقالات سابقة أيضاً.
مهما يكن، أنا لا أدّعي القدرة على تنوير الظلمة، فما أنا بصدده هو ببساطة عرض بعض الأفكار من باب الدعوة إلى إعادة الاعتبار للعقل، إذ يبدو لي أنّ تسليم زمام أمرنا لأناس كمثل آل سعود وكمثل المثقفين التافهين الذين دخلوا في خدمتهم، إنما هو تصرف غير عاقل.
بالعودة إذن إلى «الفلسطينيّين الإسرائيليّين» فإنّي أعتقد أنّ هؤلاء ربما يكونون أقل تأثراً، نسبيّاً، بعدوى التخلّي عن المبادئ والقيم التي ينشرها آل سعود بواسطة الدولار النفطي، وبواسطة نوع من رجال الدين الإسلامي الذين يعيثون في دنيا العرب فساداً.
يعيش «الفلسطينيّون الإسرائيليّون» بحسب المعلومات التي تحصّلت عليها، تحت الاحتلال الذي تتغشّاه مظاهر كمثل الجنسية الإسرائيلية، «الديموقراطية النيابية».
ولكن هذا لا يعني أنّ «الفلسطيني الإسرائيلي» له من الحقوق ما للإسرائيلي اليهودي، وعليه من الواجبات ما على هذا الأخير. لا توجد مساواة بين هذا وذاك، المواطنون على درجات متفاوتة «من المواطنة» في الدولة الاستعمارية العنصرية، ولكن هذا موضوع آخر.
ما أودّ قوله هو أنّ مشروع «الدولة اليهودية» تُمليه في الواقع دوافع أمنية، حرصاً على ديمومة الدولة الاستعمارية الإسرائيلية، وعلى مواصلة التوسّع الاستعماري. «الفلسطينيّون الإسرائيليّون» هم في الحقيقة، المشكلة الكبرى التي تعترض المستعمرين الإسرائيليّين، فلقد نجح الأخيرون بحسب اعتقادي في محو «قضية اللاجئين»، بمساعدة الوقت والغباء والجهالة والغلاظة.
بالضدّ من مشكلة «الفلسطينيّين الإسرائيليّين»، التي من المحتمل جداً أن يفشلوا في الالتفاف عليها. وبالتالي ستظهر دولة إسرائيل على حقيقتها، بما هي عنصرية استعمارية تسلك نهجاً إقصائياً ضدّ السكان الأصلانيّين.
وسوف تفضح عنصرية حلفاء إسرائيل على الصعيد الدولي، الذين يلقون الدروس في الديموقراطية وفي ضرورة احترام حقوم الإنسان، وفي الوقت نفسه يبيعون السلاح لآل السعود و«داعش» و«القاعدة»!
ما يريده «الفلسطينيون الإسرائيليون» هي المساواة بينهم وبين الذين يعيشون بينهم!
(يتبع)
2015-10-21
