وإن استقرت حدود إيران الجغرافية منذ زمن بعيد، و كان آخر تغيير طرأ عليها قبل وصول الشاه رضا خان إلى السلطة، وبداية عهد الدولة البهلوية، إلا أن إيران تغيرت ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً على مدار القرن العشرين. ومن المنطقي أن يبدأ خط الزمن في قراءتنا هذه من اضطرابات حكم القاجار، الاضطرابات التي وضعت إيران على بداية مسار تغيير مفهوم التشيع والقومية الإيرانية والدولة المركزية.
راديكال – محمد فرج
إيران، في حكم القاجار، كرنفال ديني ودانتيلا عرقية ولسانية، وانقسام طبقي حاد
مع نهاية القرن التاسع عشر، كانت إيران تشكل فسيفساء اجتماعية، لغوياً وعرقياً، ولكنها لم تكن كذلك طبقياً، فالملامح الطبقية عندها كانت أكثر انتظاماً، تمثلت في أربع طبقات رئيسية: الطبقة الأرستقراطية، التي تشكلت من كبار ملاكي الأراضي، والحكام القاجاريين، ورجال البلاط، والأمراء، وحكام الأقاليم، ونبلاء الريف، وزعماء القبائل، وكبار الإداريين. الطبقة الثانية تشكلت من تجار المدن، والحرفيين، والملّاكين الصغار للأراضي، وأصحاب البازارات، وقد شكلت هذه الطبقة الداعم الأساسي لرجال الدين في إيران، حيث كانت هذه الطبقة تقدم الزكاة لرجل الدين “الملا”، دون وساطة الحكومة. والطبقة الثالثة تشكلت من عمال اليومية والحمالين وخدم المنازل والبازارات وعمال البناء، والأجرة الثابتة التي يحصل عليها أبناء هذه الطبقة، لم تكن أمراً ممكناً بالنسبة لفئات واسعة من الفلاحين في الأطراف، ولا بالنسبة للعديد من قبائل البدو الرحل، الذين شكلوا الطبقة الرابعة والأخيرة في السلم الاجتماعي الإيراني آنذاك.
هذا التقسيم الطبقي الحاد، الذي رافقته فجوات واسعة بين المكوّنات الاجتماعية، رافقته كذلك فسيفساء اجتماعية، لسانية، ودينية. والمسافة الجغرافية بين أجزاء هذه الفسيفساء واسعة، يفصل بينها عجز نظام المواصلات وقُطّاع الطرق، الأمر الذي عزز ضعف التفاعل الاجتماعي بين أبناء الطبقة الواحدة. 60% من سكان إيران بداية القرن العشرين، كانوا سكّان الأرياف، منتشرون في آلاف القرى المعزولة، و25% سكّان الحضر موزّعين على عشر مدن رئيسية و70 مدينة صغيرة، و15% من البدو الرحل توزّعوا على العديد من اتحادات القبائل الصغيرة والكبيرة.
لقد كان من الطبيعي أن تنبني داخل إيران غيتوهات عرقية-دينية، ضم كل غيتو فيها، تشكيلة طبقية في داخله، فزعيم القبيلة المصنّف في الطبقة الأرستقراطية، يعيش في نفس حدود الغيتو مع أبناء القبائل المصنّفين في الدرجة الأخيرة من السلم الاجتماعي. ومستوفي الضرائب هم من أبناء الطبقة الأرستقراطية، أينما وجدوا في إيران، وقد يكون مستوفي الضريبة زعيم قبيلة، أو أمير قاجاري، أو ملّاك أرض كبير.
في بداية القرن العشرين، لم تكن هنالك لغة واحدة (بما فيها اللغة الفارسية) يستطيع أغلبية الشعب الإيراني التواصل من خلالها. عاش الفرس والعرب والبختياريين والقشقائيين واللر في الهضبة المركزية، وتوزّعت مجموعات من البلوش والعرب في الصحاري الجنوبية الشرقية، وفي المناطق الشمالية الشرقية عاشت مجموعات من الأكراد والأرمن والآشوريين وقبائل الشهسوان، وفي الشمال انتشر الطاجيك، والأكراد، والتيموريون، والجمشيديون، والتركمان.
وداخل كل طائفة دينية هنالك انقسامات تتأسس على بنود سياسية كذلك، البابية انقسمت إلى فرع لا يشتبك بالسياسة (البهائية)، وآخر يعتبر خوض المعارك السياسية مكون حيوي في عقيدته (الأزلية، نسبة إلى صبح الأزل)، وداخل الشيعية هنالك الإسماعيلية والحيدرية والنعمانية والإمامية الإثنا عشرية والكريم خانية والشيخية.
لم تكن هنالك دولة مركزية في حكم القاجار، فتمكنوا من إحكام سيطرتهم على هذه الفسيفساء (في ظل غياب الدولة المركزية) من خلال العوامل الأساسية التالية: أولاً، نسج العلاقات مع زعماء القبائل وحكام الأقاليم وملاكي الأراضي، وهذه العلاقات تأسست على قاعدة استمرار منفعة هذه الفئات، وتحكمها الكامل في مناطقها، مقابل الحفاظ على امتيازات الأمراء القاجاريين، وإبقائهم في السلطة. لقد كان هنالك العديد من القبائل، ومنهم البختياريين، يمتلكون قوة تكفي لمواجهة الجيش الإيراني الهزيل آنذاك، الذي تم إعداده لغايات القمع الداخلي فقط. ثانياً، أخذ وضعية أعلى من سلبية وأقل من إيجابية في التعاطي مع رجال الدين، فلم يتعرض القاجار لهم في صراع فقهي أو اجتماعي كما فعل الشاه لاحقاً، وإنما تركوا مسألة دعمهم المالي بشكل عام لملاكي الأراضي والتجار والحرفيين، وفي الوقت نفسه لم يترددوا في زيارة المواقع الدينية ورجال الدين ومشاركتهم الاحتفالات والمناسبات. ثالثاً، الاعتماد الكامل على الخارج، وتحديداً الإنجليز والروس. وهذا ما سنتحدث عنه هنا بالتفصيل، والعامل الثالث هذا، هو الشرارة الحقيقية لولادة قيادة لثورة منتظرة، ووقودها مستعد للموت، القيادة التي تمثلت في الفئات التي تتضرّرت مصالحها (أصحاب البازارات، وملّاكي الأرض، ورجال الدين المرتبطين بهم مصلحياً)، والوقود كان، وكعادة الثورات الاجتماعية، هم الفقراء المسحوقين على امتداد الدولة الإيرانية.
إن صيغة الحكم في إيران كانت مزيجاً من حكم الملك والبارونات، والسلطان والأعوان، حيث أن حكام القاجار نهبوا ثروات الدولة، من خلال علاقاتهم مع زعماء القبائل، الذين لا تربطهم معهم رابطة الدم، والتنسيق مع حكام الأقاليم، الذين كانوا أمراء قاجاريين في كثير من الأحيان.
الامتيازات الأجنبية في إيران
فقدت إيران بموجب معاهدتي تركمانجاي وباريس أجزاءً من أراضيها لصالح الإنجليز وروسيا القيصرية، ولم تكن هذه هي النهاية، بل استمرت الهيمنة الإنجليزية والروسية على إيران إلى ما بعد ذلك، وقد تغيرت العلاقة مع روسيا كثيراً، خاصة مع صعود البلاشفة إلى السلطة، الذين قرروا إعادة صياغة العلاقات الخارجية الروسية مع العالم، بما فيها المحيط الجغرافي الإيراني.
الامتيازات التي منحها القاجار للروس والإنجليز ضربت مصالح فئات ناشئة، ومن هذه الامتيازات، منحهما حق إنشاء وكالات تجارية في إيران، وتسليمهما إدارة الجمارك من خلال وساطة بلجيكية، ومنح الإعفاءات الجمركية على منتجاتهما، وتخفيض عائدات رسوم العبور إلى داخل إيران، وحق احتكار تصنيع التبغ للإنجليز، ومن ثم للروس لاحقاً، وتسجيل دين على إيران بدل اعتذار عن منح امتياز التبغ للإنجليز من قبل، وامتياز التنقيب عن النفط في جنوب إيران لصالح بريطانيا، والصيد في الشمال لصالح روسيا، والإشراف على إنتاج السجاد، وزراعة الأفيون والقطن.
هذه السياسة المعتمدة على الارتهان الكامل للامتيازات الأجنبية ضربت مصالح الفئة الناشئة في الداخل من جهة “الحرفيين، الطبقة الصناعية البسيطة، وأصحاب البازارات وبالتالي رجال الدين”، وورطت إيران في المزيد من الديون من جهة أخرى. أمّا أموال الديون المنهوبة من قبل حكام القاجار وممثلي الطبقة الأولى في السلم الاجتماعي سابق الذكر، تزامنت مع فرض المزيد من الضرائب في إيران إلى الحد الذي باع معه الإيرانيون الفتيات الحسان كسداد لهذه الضرائب، وقد حدث ذلك في إقليم قوجان عام 1903م.
المادة الخام للثورة الدستورية كانت الفئات المتضررة، والانتلجنتسيا الصاعدة، وبذلك بدأت تتشكل عناصر أساسية للثورة، سندها الأساسي من مكونات الطبقتين الثانية والثالثة في السلم الاجتماعي: الكتلة الاجتماعية والمثقفين الثوريين. ومع ذلك بقي العنصر الأهم غائباً: التنظيم السياسي.
الثورة الدستورية: الحامل الاجتماعي والتنظيمات السياسية والمثقفين الثوريين
نصب القاجار أنفسهم في إيران، كأئمة لا يجوز الخروج عليها، وكانت هذه الإدعاءات نسخة صدئة لما حاول الصفويون فعله، ففي الوقت الذي روج فيه القاجار دعايات متعددة عن سلالتهم، روج رجال الدين مشاركة أسلافهم (القاجاريين) في الحرب على الحسين، وأن الخنجر الذي قطع به رأس الحسين محفوظ عند حاكم طهران، وبدؤوا بتعميم شعارات دائمة، مثل الآية الخامسة من سورة القصص “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين”، ومقولة الإمام الرضا “لكل زمان ظالم كيزيد، وجبان كعبيدالله ابن مرجانة، فكونوا على الظالم والجبان، كما كان الحسين وأصحابه على يزيد وأتباعه، إنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وما زالت ثورتهم درساً وعبرة لكل من يعتبر”. وكسروا مفهوم تحريم الخروج على الحاكم من خلال فكرة مفادها: “إلى حين عودة الإمام المهدي، سنسقط كل طاغية”. وقد اعتبر رجال الدين أن حصار قوات الأمن للناس في تبريز عام 1909م، إنما هو كمنع الحسين من مياه الفرات. ومع أن رجال الدين، في بداية الثورة الدستورية، نزعوا إلى إصلاح العلاقات مع القاجار على قاعدة إنجاز عدد من الإصلاحات، إلا أنهم لاحقاً تبنوا المطالبة بإسقاط حكم القاجار بالكامل، وتنصيب حاكم لإيران يعمل كذراع تنفيذية لسلطة العلماء، وقد ساعد في هذه الحملة رجال الدين في النجف، الذين سمح لهم بُعدهم عن يد القاجار تقديم المزيد من التحريض الشعبي.
إلى جانب التحريض الديني، ظهرت انتلجنتسيا إيرانية، منها عدد كبير من الشخصيات التي تأثرت في الإنتاج الفكري الغربي، ومفكرون تنويريون “روشن فكران”.
علي أكبر دهخدا، اللغوي البارع، والذي أصدر معجماً فارسياً شاملاً، لعب، هو وتلاميذه، دوراً هاماً في ترويج العديد من المصطلحات التي كانت غائبة عن وعي المجتمع الإيراني: الديمقراطية، الأرستقراطية، الأوليغاركية، الإمبريالية، الرأسمالية، البرجوازية، الاشتراكية، اليمين واليسار، ومع أنه كان علمانياً متشدداً، إلا أن الصحيفة التي أصدرها ولعبت دوراً في الثورة، كانت صور إسرافيل. وغير دهخدا معان كثيرة، فـ “الدولة” انتقلت من الحكم الوراثي في القصر إلى الحكومة الوطنية، و”الملة” من المجتمع الديني إلى الوطن أو الأمة، و”مجلس” من التجمع إلى البرلمان، و”ترقي” من الصعود الفيزيائي إلى التقدم التاريخي، و”طبقة” من التركات القروسطية إلى الطبقة الاقتصادية.
أحمد كسروي، المؤرخ واللغوي الذي قطعته مجموعة دينية متشددة إلى أجزاء، بسبب نقده اللاذع لرجال الدين الإيرانيين وتمسكه الشرس بالعلمانية.
ميرزا مالكوم خان، المتأثر بالسان سيمونية (نسبة إلى الاشتراكي الطوباوي سان سيمون)، أسس الجمعية السرية “السلوان”، ونشر مؤلفه الشهير في إيران “كتاب الإصلاح”. يعد ميرزا مالكوم خان، من أهم رموز الثورة الدستورية، على الرغم أنه توفي عام 1908م، ولم يتابع مجريات الأحداث فيما بعد، إلا أنه الكاتب الأساسي لدستور هذه الثورة.
بالإضافة إلى ظهور هذه الشخصيات، وشخصيات أخرى، لا يتاح هنا ذكرها جميعاً كمحمد طباطبائي، وآية الله بهبهاني، وقائد الشيوعيين الإيرانيين، إسكندري، وآخرين، بدأت تنظيمات سرية بالتشكل: الجمعية السرية، والمركز السري، والحزب الاشتراكي الديمقراطي (الذي كان أول هذه الحركات السرية، وتشكل من عمال لاجئين في باكو، حيث معاقل النفط، وكانت مساندة الاشتراكيين الديمقراطيين الروس لهم كبيرة، ولا سيما بعد فشل ثورتهم في روسيا عام 1905م)، واللجنة الثورية، والجمعية الإنسانية. بدأت هذه الجمعيات نشاطها بين الناس بشكل سري، وكتكتيك لتفريغ الاحتقان الشعبي، سمح مظفر الدين القاجاري للصحف بالعمل، وحتى أن هذه الجمعيات باتت أقل تخفياً، ونتيجة ذلك كان رضوخه لقبول تأسيس الجمعية الوطنية لكتابة الدستور عام 1906م، تحديداً بعد خروج القوزاق عن أوامره بسبب تأخر رواتبهم.
إذن، تضرر التجار والحرفيين ومعهم رجال الدين، وبناء انتلجنتسيا ثورية، وتراجع القوزاق، واستعداد الفقراء للتضحية، وانحياز بريطانيا في بداية الأحداث ضد القاجار، ولا أقول لصالح الثورة، كلها كانت كفيلة بأن تتأسس هذه الجمعية وتضع إيران على بداية طريق الحياة الدستورية… ولكن ماذا بعد؟
مآلات الثورة الدستورية
كان تمثيل هذا المجلس يعبر عن الطبقة التي قادت الأحداث، (التجار ورجال الدين) وليس الطبقة التي مثلت وقودها (الفقراء)، وحاول المجلس محاصرة صلاحيات الشاه، وتمكّن من فرض بنود تقدمية عديدة، ومنها تحديد الامتيازات الأجنبية في البلاد، الأمر الذي سرّع في بناء تحالف إنجلو-روسي يدعم الشاه أكثر، لوجستياً وسياسياً، ليقلب الطاولة من جديد على المجلس النيابي، ويتم اعتقال بهبهاني، وإلزام طباطبائي منزله في خراسان. بدأت بعد ذلك المعركة الحامية بين المجلس النيابي والشاه، وتم إعلان الجهاد من أجل الدستور، كانت نتيجته عزل الشاه ونفيه وتقرير مخصصات سنوية له، وتعيين إبنه الصغير، برعاية دستورية شاهاً جديداً لإيران.
أرسلت بريطانيا سفنها الحربية إلى نهر كارون، وهاجمت سواحل مكران عام 1908م، ووقفت روسيا القيصرية ضد الثورة منذ البداية، ومآل ذلك كله، مجلس نيابي ينتخب أو يغلق حسب الظرف السياسي، ويلجأ لاستشارات خارجية أخرى، أمريكية مثلاً، ويعبر عن مصالح طبقة ناشئة ضد الامتيازات الأجنبية المبالغ فيها، وشاه مدعوم بشراسة من الإنجليز والروس.
في تجربة إيران في مرحلة ما بعد القاجار والثورة الدستورية، “الربيع العربي” ماثل أمامي:
– في بداية الثورة الدستورية ضد القاجار، لم يمتلك الإيرانيون مؤسسات ثورية منظمة، ولكنهم بنوها بسرعة قياسية، والتقية كانت تعني لهم التنظيمات السرية، التي يجب أن تنمو تحت الأرض، كي تنجح عند رؤيتها النور.
– إيران دانتيلا عرقية ولسانية ودينية، ولكن أجزاء هذه الدانتيلا، متباعدة، يفصل بينها عجز نظام المواصلات وقطّاع الطرق. والقاجار العاجزين عن بناء الدولة، لم يكن لهم سوى لعب دور فض الاشتباك بين أجزاء هذه الدانتيلا، مع الحفاظ على علاقات وطيدة مع زعاماتها.
– إيران كانت مرتهنة بالكامل للامتيازات الأجنبية، التي تدافع بشراسة عن مصالحها، الروسية القيصرية والبريطانية، تحت بنود معاهدتين تاريخيتين مذلتين، باريس وتركمانجاي. وما هو أبعد من بنود هاتين الاتفاقيتين، كشف عنه شيوعيو روسيا حال وصولهم إلى السلطة، وبعد نبشهم أوراق القيصر، تماماً، كما كشفوا عن سايكس بيكو.
– مع أن الثورة الدستورية عام 1905م، كانت إفرازاً طبيعياً للانتفاضة الشعبية ضد القاجار، إلا أنها احتمت في مقر السفارة البريطانية، وأعلنت مطالبها من هناك.
وأما وجه الشبه الأخير، فهو أن الكثير من المثقفين الثوريين صمتوا طويلاً، وصبروا كثيراً قبل كتابة سطر واحد عن تلك الأحداث، وتخبطوا أكثر في بحثهم عن بدايات طريق الخلاص!
حملت إيران هذا الصراع السياسي المستعر بين المجلس النيابي من جهة، والانجليز والروس والشاه من جهة أخرى، إلى بدايات الحرب العالمية الأولى، حيث فرضت شروط جديدة على معادلة هذا الصراع: ظهر تيار في إيران يدعو إلى تبني سياسة الانفتاح على أكثر من طرف عالمي، في سبيل منع الانحسار بين الخيارات البريطانية والروسية، ومن هنا تم تشجيع فتح علاقات مع ألمانيا. ولكن هذا الخيار لم يضع إيران في زاوية “صفر مشاكل”، وإنما جعل الرصاصة الأولى في الحرب العالمية الأولى في الشرق الأدنى، تنطلق من طهران. نشأت حكومتان مؤقتتان في كرمانشاه وقم، احتلت الدولة العثمانية تبريز، ومن ثم استعادت روسيا المدينتين، في ظل ذلك كله، أصبح صوت الصراع بين الشاه والمجلس النيابي منخفضاً، وصوت قوات العشائر بات أعلى من الجيش المدرب على قمع المعارضة الداخلية فقط، ولا يمتلك أية خبرة في معارك تابعة لحرب عالمية أولى.
لقد تعرضت إيران عام 1917م إلى مجاعة حقيقية، أصبح خلالها لحم الكلاب أحد المصادر الطبيعية للغذاء في إيران. طال الانهيار جميع المؤسسات -الهشة أصلاً- في إيران، المجلس النيابي، والجيش. ظهرت جمعية أسمت نفسها “مجازات” تبنت عمليات اغتيال محددة للإنجليز وأتباعهم، وأعلن الاتحاد السوفياتي عام 1919م رفضه للمعاهدة الإيرانية – البريطانية، ودعا عمال وفلاحي إيران للانتفاضة ضدها، كما عارضت الولايات المتحدة الاتفاقية كذلك بعد أن حصلت على عقود للعمل في قطاع النفط في إيران. عادت الحياة البرلمانية بعد نهاية الحرب العالمية الاولى ولكنها بقيت عرجاء، وفشلت 6 حكومات متتالية في الحصول على ثقة البرلمان عام 1921م.
في ظل هذا الانهيار، وتشتت القوى، واستحالة اتفاقها، كان لا بد من صعود ديكتاتورية ما، تلبي مصالح الأجنبي كما تلبي مصالح الشعب الإيراني، ولو صورياً، كان هذا الوجه هو رضا خان بهلوي، مؤسس الدول المركزية في إيران.