هل ما زال الإصلاح ممكناً في الأردن؟
جمال الطاهات
الجواب السريع والواضح هو لا كبيرة، ومدوية. ولكن هذه الإجابة المختصرة على سؤال شديد التركيز، لتشير إلى اتجاه، قد يكتنفه الكثير من الغموض. صحيح أن حركة لتاريخ مرتبطة بظهور الأسئلة شديدة التركيز والإجابات عليها. ولكن هذا لا يكفي. فهناك ضرورة لاشتقاق الخيار المناسب في ظل السياق الذي ولد السؤال، واستدعى الإجابة. وهذا يقتضي التوقف عند العوامل الرئيسية لتي جعلت الإصلاح غير ممكن في الأردن، كما أنها جعلت العمل من أجل الإصلاح ممارسة عبثية لا طائل من ورائها.
لم يفشل الإصلاح بسبب غياب الإصلاحيين، ولا بسبب عدم جراتهم، ولا بسبب ارتباكهم الفكري والسياسي. وضوح شعارات وعناوين المطالب الإصلاحية كان ميزة حددت ملامح التحول السياسي الأردني. شعارات مثل: حقوق لا مكارم، الشعب هو مصدر السلطات، تلازم السلطة والمسؤولية، لا سلطة إلا بتفويض شعبي، كانت تعبيرا عن فهم عميق لدى الحركة الإصلاحية الأردنية لمتطلبات التحول السلمي الإصلاحي للأردن.
واجهها المستبد الفاسد بتعنت ورفض القيام بأي خطوة إصلاحية، وأصر بحماقة واستعلاء على أن لديه (رؤية). وما قدمه تحت هذا العنوان، كشف تصوره المتخلف لفكرة المُلك، بانه سلطة مطلقه لعمل ما يشاء، (وإلي بفتح تمه بسكرلوه إياه). وسقط في ذات الفخ الذي سقط به الملك فاروق في مصر، قبل الثورة. وأخطر وجه للشبه هو إصراره على تكسير الحياة الحزبية واختزالها بأنها مجرد ملحق بالقصر.
وكانت النتيجة كما يلخصها المفكر البحريني محمد جابر الانصاري، انتشار العنف، الذي لم يفلت من غوايته ضابط في الجيش مثل جمال عبد الناصر. فينقل الانصاري في كتابه “تحول الفكر والسياسية في الشرق العربي. ص 131” جزءاً من تجربة عبد الناصر للعنف، وكيف تراجع عنها لصالح التحضير العملي من أجل الثورة السلمية، التي نجحت في تخليص مصر من طاغوتها التافه، وإن لم تنجح في بناء دولة ديمقراطية حقيقية فعالة. المستبد الفاسد يقوم بذات الممارسات، فرغ الحياة الحزبية من مضمونها، ونجح في قمع أي صوت إصلاحي. ولكنه فشل في جر الدولة للعنف كما فعل الملك فاروق، حين أسس الحرس الحديدي، واغتال عدد من القيادات الحزبية التي تتحدى إرادته.
كشفت قصة زياد الراعي في شهر أب عام 2012، محاولات المستبد الفاسد الاعتماد على بعض المجرمين لتصفية المعارضين السياسيين. ولكنه فشل لعدة عوامل أولها تنبه الحركة الإصلاحية ورفضها الانجرار للعنف، والعامل الثاني الحاسم كان المستوى المهني المحترم للعديد من قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، ورفضهم الواضح والحاسم وممانعتهم لهذا الخيار، مما أفشل حلم المستبد الفاسد، ومحاولاته جر الحركة الإصلاحية للعنف.
يجب التنبه إلى مسألة مهمة وجوهرية، أن فشل الإصلاح لا يعني فشل الوسائل السلمية في العمل السياسي في الأردن. كما يجب التنبيه إلى أن الثورة لا تعني العنف، والثورة ليست صنواً للعنف. فهناك تاريخ إنساني عظيم يتحدث عن فاعلية الوسائل السلمية في إنجاز الثورات. العنف مجرد مسار، ثبت أن الذي يلجأ إليه هم المستبدون الفاسدون، ولكن الثورة إذا تم الاعداد لها بشكل جيد، يمكن تنفيذها دون قطرة دم واحدة.
لنتذكر الدرس السوري. الذي لجأ للعنف هو النظام الاستبدادي في سوريا. ولكن الثورة حين تم التحضير لها بدقة انتصرت دون حاجة لقطرة دوم واحدة. ومن الضروري التمييز بين القوة الثورية والعنف. العنف وسيلة المستبدين لتأخير التحول الثوري. الثورة تتحقق بسهولة وذكاء، وليس بالعنف. مع التذكر دائماً بحقيقة متكررة عبر تاريخ الصراعات وهي تناقص القيمة الحدية للخيارات والوسائل بغض النظر عمن يستخدمها وغاياته، فما كان فعالاً بالأمس تتناقص فاعليته وقيمته مع كثرة الاستخدام. فالوسائل تفقد نصف عمرها عند كل استعمال. وهذا قانون صحيح عند تقييم الخيارات، السياسية والاقتصادية، اكانت للأنظمة المستبدة الفاسدة أو لحركات التغيير والثورات.
وعودة إلى السؤال، هل ما زال الإصلاح ممكناً في الأردن؟ الجواب لا. تجويف الحياة الحزبية، والإصرار على السيطرة على الأحزاب وان تكون كل الأحزاب (على القياس)، عاجزة عن طرح خيارات سياسية جدية، تنطلق من المصلحة الشعبية، وإضعاف مؤسسات الدولة، بما فيها القضاء، وتدمير المؤسسات المدنية للشعب الأردني، بما فيها النقابات، وتفريغ المؤسسات التعليمية، بما فيها الجامعات من فاعليتها كحاضنة لإنتاج الأفكار وتطوير الخيارات، وتمادي المستبد الفاسد وعائلته بنهب موارد الدولة، مع تردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، وانسداد آفاق النمو الاقتصادي.
وخلاصة سنوات من محاولات الإصلاح، هي بروز الضرورة لمشروع ثوري حقيقي، سلمي (غير عنيف)، يقوم على التجهيز الدقيق لاسترداد الدولة سلطة وموارد. ضغط النظام على الشعب الأردني وعلى قوى الإصلاح، ضيق الخيارات والمسارات، المستبدون هم من ينشؤون ضرورة الخيارات الثورية.
وكما نجح الأردنيون بتخليص دولتهم من براثن الاستعمار الداعم للمشروع الصهيوني، وتصرفوا بثقة في أكثر اللحظات غموضاً في تاريخ المنطقة، بإمكان الشعب الأردني الآن التخلص من المستبد الفاسد وعائلته، واسترداد دولته سلطة وموارد، وبناء دولته الحقيقية رغم أنف المشروع الصهيوني، الذي يدعم المستبد الفاسد وعائلته، ويتحالف معهم، ضد الشعب الأردني. فالشعوب أطول عمراً من جلاديها، وهي الاقدر على النصر.
والنصر يستدعي تمسك النخب الوطنية بشرعيتها، وأن تتصرف بثقة، بغض النظر عن كل الهيلمان المخادع الذي يحيط المستبد الفاسد نفسه به، وأن تجيب على أسئلة المواطنين في مختلف مناطقهم ومؤسساتهم وقطاعات عملهم، ما الذي يجب عمله لتخليص الأردن من المستبد الفاسد وعائلته؟ وللحديث بقية،،،
2025-09-02

تعليق واحد
النظام الاردني نظام فاسد وعميل من المهد الى اللحد