هل سرّع طوفان الأقصى من حلول لعنة العقد الثامن ؟!؟
رنا علوان
تتحدث النبوءات في العهد القديم «التناخ» ، إن انهيارات مملكة “إسرائيل” ، تكون أسبابها داخلية ، وانقسام فيما بينهم ، وفي النهاية فإن الله سيفعل كما فعل سابقًا ، فقد «مزّق مملكة سليمان تمزيقًا» ومع دخول الكيان عقده الثامن ، اخذت هذه النبوءات حيّزاً كبيرًا من خطاب اللقيط الإسرائيلي وبدأت تُترجم سياسيًا “بهاجس القلق” من تفجّر الانقسامات الداخلية
فالكيان اللقيط المعزول خارجيًا والممزق داخليًا اليوم ، يشهد
شارعه ازمة حقيقية وغير مسبوقة “قبل عملية طوفان الأقصى المُباركة” ، والتي ادت الى خلق وضع غير مستقر ، حيث ان القضية لم تعد تنحصر في المواضيع العينية المتعلقة ببرنامج “الإصلاح” الحكومي في المجال القضائي ، وإنما اصبحت تطاله ، في العمق وبقوة ، مُحدثةً شرخ اجتماعي عميق
ويعتبر الخبراء ان الأزمة الداخلية السابقة اي قبل قضية الأسرى ، بما في ذلك طريقة إدارتها ، هي “حدث تدميريّ متواصل للكيان” ، لا من حيث حدته ولا من حيث نطاقه ولا من حيث إسقاطاته المستقبلية فقط ، بل وصل الامر بهم انه بات من الصعب عليهم تقدير تداعياته ، وما جعل الإناء ينضح هو الأزمة الحالية التي جرى إضافتها ببركة طوفان الأقصى ، وهنا يمكننا القول ان كل ذلك ادى الى تأثير ديموغرافي حقيقي داخل الكيان ، فالثقة تزعزت ما بين الحكومة والمرتزفة ، وان الهجرة المعاكسة التي شهدها الكيان ليست بسبب الأوضاع الأمنية بقدر ما هي فقد شعور الآمان بعدما تبين لهم ان نتنياهو وحكومته المتطرفة على استعداد للتضحية بهم مقابل مصالحهم الخاصة
بداية الأزمة
بدأت الأزمة تظهر الى العلن بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة الجديدة مع بداية عام 2023 ، وتخديدًا بعد الإعلان عن “البرنامج الإصلاحي” لجهاز القضاء في كيان العدو ، حيث تبين انها كانت تتغذى على توليفة من السيرورات العميقة ، منها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي ، وهذه السيرورة المتواصلة من البديهي انها قد تتحول بطبيعة الحال الى عامل تفكيكي لهذا الكيان ، فهو نشأ بحد ذاته على العنصرية ، وان أحد ابائه ومؤسسيه بن غوريون كان يُجاهر بهذا التعصب المنحاز لفئة دون اخرى ، كما ان التنوع الذي “تمتاز به تركيبة هذا المجتمع” داخل الكيان ، خلق نوع من الانقسام نتج عنه شروخ عميقة ضاربة بين “الأسباط الأربعة” التي تحدث عنها الرئيس السابق لكيان العدو الإسرائيلي ، رؤوفين ريفلين ، في العام 2015 [ اليهود العلمانيون … اليهود المتدينون القوميون … اليهود الحريديم والعرب … هذه التركيبة التي لا تزال القواسم المشتركة المتوفرة فيها عاجزة عن تكليل المحاولة التي انطلقت في خمسينيات القرن الماضي بالنجاح ، فلا زال الفشل قائم ، واكبر دليل على هذا الفشل الانتخابات الاخيرة المُبكرّة والمُتكررة التي حدثت في السنوات الأخيرة ، ومن بركات طوفان الأقصى كما قال [السيد الامين والصادق حسن نصرالله ، بأن الطوفان هذا له بركات ] فإن إحدى البركات زادت في تفكيك هذا المجتمع المبني على الحقد والعنصرية حتى بين ابناء الجلدة الواحدة
كما ان الشعور المتزايد لدى مرتزقة الكيان ، بأن نتنياهو يضرب بعرض الحائط ابسط مطالبهم ، بتحرير اسراهم او حتى اقله الحفاظ على حياتهم ، حيث نجده قد سارع منذ بداية الطوفان الى اللجوء لإستخدام قانون هانيبال او الارض المحروقة ، ناهيك عن انه ، بحسب ما ذكرت “جيروزاليم بوست” أنّ أحد المؤشرات أيضًا على الغضب المتصاعد هو “إحجام وزراء الحكومة وأعضاء الكنيست عن الظهور علنًا”، إضافةً إلى أنه “لا يوجد الكثير من السياسيين البارزين الذين يزورون الجرحى في المستشفيات أو حتى يحضرون الجنازات” بسبب القلق بشأن ردود الفعل التي سيقابلونها”، وفق الصحيفة
كما يتبين لنا ان تسمية “الوحدة” بشأن تعريف الكيان الإسرائيلي اللقيط [ كدولة “يهودية وديمقراطية”] ، هو بعيد كل البعد عن الواقع الحقيقي القائم بين أوساط واسعة جدًا من الجمهور “الإسرائيلي/اليهودي”، إذ ثمة خلافات عميقة جدًا حول هذه المسألة الأيديولوجية المركزية التي كان يُفترض بها أن تعرّف طابع هذا الكيان وهويته ، فالصهيونية هي الابرز ، لذلك لا يمكن أن تكون “يهودية” و”ديمقراطية” في الوقت نفسه ، فالكيان يمينه ويساره في نهاية المطاف واحد
لكن الفرق الوحيد ان اليمين الأيديولوجي يسعى إلى تحقيق حل الدولة الواحدة ، بينما اليسار الايديولوجي لا يزال مستعدًا للتسويات وتقديم تنازلات على أساس الانفصال للوصول الى حل الدولتين
خطر تفكّك الجيش
يدرك الجميع ان الجيش هو الخاصرة الرخوة لهذا الكيان ، حيث لم يقتصر الخطر على الشارع فحسب ، بل تعداه الى هذه المنظومة وكما نعلم ان الكيان هو عبارة عن جيش انتج دولة وليس الدولة من اوجدت جيش الكيان ، وان الأزمة بمجملها تدور ضمن حلقات مترابطة ببعضها البعض ، بدءًا من (المناعة القومية ، بمعنى ان الأزمة تُضعف الدولة ومنظوماتها المختلفة وتمسّ بقدرتها على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية ، كما تُضعف مستوى التضامن الاجتماعي بين المواطنين عمومًا ، وجميعها تصب ضمن مقومات الأمن القومي ، من ثم حلقة الاقتصاد القومي حيث تحول هذه الأزمة “دون معالجة” حتى باتت تعصف بالاقتصاد ، وخاصة غلاء المعيشة والعمالة بين القطاعات المستضعفة ، “هذا ولم نتطرق الى الامتيازات “مما يعمق هذه الظاهرة ويزيد من استفحالها ، واخيرًا المستوى الإقليمي والدولي ، اولاً من جهة عجزها عن ردع الخطر المحدق بها وهذا ما بلورته ( حرب لبنان في تموز ال 2006) بعد الهزيمة النكراء التي مُني بها في ايام معدودات ، فكيف به اليوم امام ما اصبحت عليه المقاومة المتمثلة “بمحور متعدد الجبهات” وما يختزنه من قوة وجهوزية ، اما المستوى الدولي ، فتبدو بوضوح آثاره السلبية فيما يتعلق بمكانته الدولية وكيف اصبح منبوذًا
ولعل نتنياهو كان يعتقد ان المخرج للازمة الداخلية هي في “مواجهة عسكرية كبيرة ومتعددة الجبهات مع أعداء إسرائيل” وانها ستُبرّد الأجواء الداخلية وتُهدّئها ، إذ ستولّد حالة من “وحدة الصفوف” و”الاصطفاف تحت العلَم”، وربما تُخفي الأزمة عن جدول الأعمال تمامًا ، ولعل اليمين الذي يقف خلف نتنياهو وجد في الحرب الواسعة خلاص قبل موعد حلول العقد الثامن مُتأملاً تفادي لعنته ، فالحرب هذه ستسرع في ظهور مخلصهم ، لذلك كانت الاستعدادات قائمة لإتمام الطقوس ، ومن بين ما يؤمنون به هو حدوث “الحرب الكبرى”
لكن السِحر دائمًا ما ينقلب على الساحر في نهاية المطاف ، وكانت بداية عصيان الجيش قبل طوفان الأقصى فبحسب “معهد أبحاث الأمن القومي”، في أواخر تموز الماضي ، انه اصدر ما أسماه “تحذيرًا عاجلاً” بشأن التطورات الأخيرة الحاصلة على صعيد جيش العدو الإسرائيلي وتحركات مجموعات من جنوده وضباطه في إطار الحملة الاحتجاجية من خلال إعلانهم رفض تأدية الخدمة العسكرية الاحتياطية ، وخصوصًا في سلاح الجو ، طالما لم يتوقف نهائيًا قطار تشريعات “الإصلاح القضائي”
وجاء في “التحذير العاجل”، الذي حمل عنوانًا صريحًا “جيش الشعب يواجه خطر التفكك”، أن المعهد يعتقد بأن “كيان العدو الإسرائيلي يخطو نحو واقع يكون فيه الجيش ضعيفًا ، ولن يقوى على تحقيق معادلة الردع الإقليمية” في الوقت الذي تتزايد فيه وتتصاعد التهديدات المحدقة به على جبهات مختلفة
كما وأشار التحذير إلى عوامل الخطر المركزية ، فشدد على “الهزّة القوية التي تمرّ على (الجيش الشعب) وتضعضع أسس مقوماته”
وبالرغم من التحذيرات التي صدرت عن رئيس هيئة أركان الجيش وجنرالات الجيش بهذا الخصوص ، إلا أن المستوى السياسي لم يبدِ دعمًا ، أو حتى إصغاءً ، وهذا ما ألقى بتداعياته ليس على قدراته فحسب ، وإنما على شرعية الجيش في تجنيد الجنود والضباط للخدمة في الاحتياط الأمر الذي شكل خطر فعلي في تفكك “جيش الشعب”
الأزمة الداخلية تشهد المزيد من التفاقم
لم تأتِ الرياح بما تشتهي سفن نتنياهو ، والمظاهرات لمحاسبته تفاقمت ، فقد خرج ليل الأحد الآلاف في مظاهرات حاشدة أمام وزارة الدفاع في تل أبيب للإطاحة بحكومته ، وشهدت المظاهرات مواجهات بين الشرطة والمحتجين الذي يطالبون بعقد صفقة فورية للإفراج عن المحتجزين في غزة ، في حين كان المُجرم المُتعجرف في المشفى يخضع لعملية جراحية
ولقيت تصريحات أهالي الأسرى تفاعلًا كبيرًا على منصات التواصل الاجتماعي على المستوى العالمي ، وقد وصف بعض النشطاء بيان أهالي الأسرى الإسرائيليين بغير العادي وشديد اللهجة ضد نتنياهو ، وجاء فيه
“أنت العائق أمام الصفقة ! سنعمل على إقالتك واستبدالك فورًا من السلطة لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لإعادتهم – إننا ندعو غانتس وآيزنكوت وأعضاء الليكود وجميع أعضاء الكنيست …
في المقابل ، رأى آخرون أن النظام الدولي الحالي وصل إلى قناعة راسخة أن القضية الفلسطينية تحتاج اليوم مسارًا لحلها ، ويجب منح الفلسطينيين حقوقهم أو حتى جزء منها ، وقال أحدهم “إن أحد المآلات المتوقعة أن تجد إسرائيل نفسها أمام واحد من الخيارين : إما مواجهة الإرادة الدولية أو مواجهة الإرادة الداخلية ممثلة باليمين وكلاهما صعب … فهل ستختار إسرائيل مواجهة العالم أم مواجهة نفسها !؟! “وهي في كلتا الحالتين ستخسر”
وفي سياق آخر ، فقد تم تسريح ألاف من جنود الاحتياطي لانعاش اقتصاد العدو الإسرائيلي والان الجيش بحاجة لجنود لخوض المعركة برفح “ان تمت الموافقة عليها”… ناهيك عن المشكلة مع الحريديم
حيث قال أحد مؤسسي حركة “إخوان السلاح” الإسرائيلية إيال نافيه [أن إسرائيل سوف تنهار ما لم ينضم الحريديم للجيش
وأوضح نافيه في تصريحات نقلها موقع واللاه العبري أنه “إذا لم ينضم الحريديم إلى الجيش والاقتصاد ، فسوف ينهار المجتمع الإسرائيلي]
لعنة العقد الثامن
في إحدى إطلالات المُفدّى ، أبو عبيدة قال “أن زمن بيع الوهم للعالم حول أكذوبة الجيش الذي لا يقهر والميركافا الخارقة والاستخبارات المتفوقة ، كل هذا انتهى زمنه وقد كسرناه وحطمناه أمام العالم في غلاف غزة وفي كل فلسطين”
وأضاف أن “زمن انكسار الصهيونية قد بدأ ولعنة العقد الثامن ستحل عليهم وليرجعوا إلى توراتهم وتلمودهم ليقرؤوا ذلك جيدًا ولينتظروا أوان ذلتهم بفارغ الصبر”
وهذا ما يعرفه العدو تمام المعرفة ويستعد له ، ففي العام الماضي ، أبدى رئيس وزراء العدو الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك مخاوفه من قرب زوال “الكيان المُصطنع المُسمى إسرائيل” قبل حلول الذكرى الـ80 لتأسيسه ، مستشهدًا في ذلك بـ”التاريخ اليهودي الذي يفيد بأنه لم تعمّر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين استثنائيتين”
وفي مقال له بصحيفة “يديعوت أحرونوت” قال باراك حينها “على مرّ التاريخ اليهودي لم تعمر لليهود دولة أكثر من 80 سنة إلا في فترتين هما ” فترة الملك داود وفترة الحشمونائيم ، وكلتا الفترتين كانت بداية تفككها في العقد الثامن”
وأضاف قائلًا إن تجربة الدولة العبرية الصهيونية الحالية هي التجربة الثالثة وهي الآن في عقدها الثامن ، وأنه يخشى أن تنزل بها لعنة العقد الثامن كما نزلت بسابقتها
ان الحرص على نجاح الكيان في اجتياز لعنة العقد الثامن لطالما شغلت بال قيادات العدو ومثقّفيه ، لذلك يحرص كل رئيس حكومة على عدم الوصول إلى حرب أهلية في عهده وتجنّب الانهيار من الداخل كما حصل مع ممالك اليهود السابقة
ولقد ظن نتنياهو انه في تحقيق مساعيه التوسعية ، قد يُطفئ شرارة اللعنة في داخل الكيان ، الا انه بحقده وإجرامه أججها ، ذلك لأن {الله بالغٌ امره} ، هم يمكرون ، والله يمكر ، وهو خير الماكرين
2024-04-02
