تسْعُ سنوات مرّت على تونس لم تعرف فيها لحد الآن هدنة مع الإرهاب. صحيح أن الأيام السوداء تجاوزناها، لكننا لم نعرف لحد الآن كيف نتعامل مع الظاهرة الإرهابية التي لها أسباب محلية وإقليمية إلا بمقاربة أمنية، ولم نعمل طيلة هذه العشرية على تفكيك ألغام الإرهاب سياسيا وايديولوجيا واجتماعيا. والعملية الإرهابية الأخيرة في أكودة بمحافظة سوسة المدينة السياحية المشهورة يوم 6 سبتمبر/ أيلول 2020 تُذكّرنا من جديد أن مقاربتنا لهذه الآفة لا تزال أمنية. والسؤال المطروح هل حان الوقت للتفكير في مقاربة جديدة لمكافحة الإرهاب؟
1) الإرهاب يعيش بيننا
وُجد الإرهابُ في تونس قبل 2011 لكنه أصبح أشدّ ضراوة بعد 2011 بحكم ظروف إقليمية وظروف محلية من بينها ضعف الإرادة السياسية وتراخي الحكام الجدد بعد 2011 عن مواجهته بل ومهادنته أحيانا. وما نشهده منذ 2011 -2020 من اعتقالات ومحاكمات لما يٌقارب من ألفي شخص دليل على أن هذه الظاهرة في تمدد، تجاوزت كهوف الجبال لتصل إلى المناطق الحضرية وهو أمر ليس حكرا على تونس، والسببُ أن المقاربة لحد الآن محليا وإقليميا لم تتجاوز بُعْدها الأمني. فالشقيقان اللذان قُتلا في سوسة منذ أيام على يد الحرس الوطني تمّ استقطابُهما وتأطيرُهما من الإرهابيين خلال شهر واحد فقط، مما يدفعنا إلى التساؤل عن البحث عن سر الوصْفة التي يقدمها الإرهابيون للمُجنّدين الجدد والتي تجعلهم مستعدين للقتل وللموت بهذه السرعة، وفي أي لحظة. وتدفعنا العملية الإرهابية الأخيرة إلى الحديث عن أمرين أساسيين: الأول، مسؤولية الآباء في مراقبة أبنائهم لحمايتهم من السقوط في الإرهاب، والثاني تطوير المنظومة الاستخباراتية وخاصة عمل أعوان الأمن الحاملين للزي المدني وكل الأسلاك المتصلة بمسألة الإرهاب سواء في الأمن أو في الجيش وتقديم كامل الدعم لهم ماديا وقانونيا. فبخصوص الرقابة العائلية نجد في تصريح أب الشقيقين الإرهابيين لأحد وسائل الإعلام بعد العملية الإرهابية الأخيرة من أنه يستنكر ما قام به ابناه (الأول عمره 25 سنة والثاني 19 سنة) وذكر في تصريحه أنه لاحظ تغييرا في سلوك ابنيه منذ شهر وأنه ذهب إلى إمام المسجد للفْت نظره، وكان عليه أيضا إعلام السلط الأمنية حتى لا يقع ابناه في المحظور. أما بخصوص المنظومة الاستخباراتية، فنشير إلى أنه حان الوقت لتطوير عمل أعوان الأمن الحاملين للزي المدني. فهذا السلك يقع على عاتقه متابعة ما يقع في الأحياء والمساجد والفضاءات العامة لاستباق أي نشاط إرهابي لكن وسائل عملهم لا ترتقي لتحديات الواقع الإرهابي الحالي، ويحتاج هؤلاء إلى إمكانيات مادية وتشريعات قانونية أكثر تلاؤما مع طبيعة المرحلة لمزاولة نشاطهم. بالإضافة إلى أن هؤلاء الأعوان يحتاجون لدورات تكوينية في داخل البلاد وخارجها حول مسائل تتعلق بالظاهرة الإرهابية ومتابعتها في المرحلة الحالية سواء من خلال الإرهاب العادي أو الإرهاب الالكتروني. وهناك منظمات دولية وإقليمية تستطيع تغطية جزء من تكاليف هذه الدورات التكوينية التي تحتاجها بعض الفرق الأمنية.
ويصبح من الضروري أن يدرس أعضاء هذا السلك التجارب المقارنة في مجال مكافحة الإرهاب بالبلدان العربية والأوروبية والبحث عن أوجه التشابه والاختلاف فيها بما يؤدي إلى خارطة طريق مفصلة في مجال مواجهة الإرهاب.
2) مقاربة جديدة وملامح خارطة الطريق المرتقبة؟
لا يمكن أن تكون المقاربة السليمة لمكافحة الإرهاب إلا مقاربة أمنية شاملة تمس كل القطاعات التي لها علاقة بالإرهاب وتحتوي على خارطة طريق محددة تحتوي على جزء فكري وجزء تقني. فالإرهاب ثقافة مرتبطة بمخزون تراثي وبممارسات سياسية مشينة وبظروف اجتماعية صعبة وبخواء ايديولوجي لدى الفرد. ومن الضروري إرساء ثقافة موازية واستعمال أحدث الوسائل التقنية في مجال مكافحة الإرهاب. ويتم وضْع هذه المقاربة بعد عقد مؤتمر وطني للإرهاب تكون له صفة استشارية لكنه ملزم أخلاقيا، ويشارك فيه ثلاثة أطراف: هياكل الدولة الرسمية، وبعض جمعيات المجتمع المدني، وخبراء مختصون في مجال التطرف العنيف. ويرفع هذا المؤتمر مُخْرجاته لأصحاب القرار السياسي ومتابعة تعاملهم معها ومحاسبتهم إعلاميا وأخلاقيا إنْ قصّروا في تنفيذها. وفي وقت لاحق يمكن أن يتطور هذا المؤتمر من مؤتمر محلي إلى إقليمي ثم دولي نظرا إلى أن الإرهاب عابر للقارات.
البطاقة القادمة: المؤتمر الوطني لمكافحة الإرهاب.. من أجل خطة أكثر نجاعة