هل الطليقة صديقة أم عدو؟ وجع الحكايات في المجتمعات العربية والإسلامية!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
هل الطليقة صديقة أم عدو؟
سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يُخفي وراءه تاريخًا طويلًا من الموروثات الاجتماعية والعاطفية والدينية التي تصوغ العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الانفصال. في المجتمعات العربية والإسلامية، غالبًا ما تتحول العلاقة بين الزوجين السابقين إلى ساحة صراع لا تنتهي، وتتحول الطليقة – في كثير من السرديات المجتمعية – إلى خصم، إن لم يكن عدوًا، يتم تحميله كامل وزر الفشل.
طلاق لا ينهي العلاقات، بل يعيد تشكيلها
الطلاق، بوصفه حلاً شرعيًا لإنهاء علاقة لم تستقر أو لم تعد قابلة للاستمرار، لا ينبغي أن يكون نهاية للقيم أو الاحترام أو حتى الإنسانية بين الطرفين. لكنه – في واقع الحال – يتحول إلى فرصة لتصفية الحسابات، وتغذية الكراهية، وغالبًا ما يُستغل الأطفال، إن وجدوا، كسلاح في هذا الصراع.
في المجتمعات الغربية، رغم ما يُؤخذ عليها، ثمة محاولات قانونية وثقافية لتطبيع العلاقة بين “الزوجين السابقين” على نحوٍ حضاري؛ يمكن أن يبقيا أصدقاء، أو شريكين في تربية الأبناء، أو على الأقل طرفين يتعاملان بنديّة وهدوء. أما في مجتمعاتنا، فحتى الحديث عن صداقة بعد الطلاق يبدو خيانة للقيم، بل تقويضًا للرجولة أو للأنوثة!
المرأة المطلقة: ضحية مرتين
الطليقة في أغلب الأحيان تدفع الثمن مضاعفًا: مرة لأنها “خانت” نموذج الزوجة الصابرة المحتسبة، ومرة لأنها رفضت استمرار علاقة تآكل فيها الاحترام أو الحب أو الأمان. في مقابل ذلك، يُمنح الرجل مساحة اجتماعية أوسع لتبرير الطلاق، بل يُنظر إليه – أحيانًا – كمن أنقذ نفسه من امرأة “ناقصة عقل ودين”، أو “غير صالحة للحياة الزوجية”.
ولأن الأنظمة القانونية والأعراف الدينية تُفسَّر غالبًا من منظور أبوي، فإنها تكرّس وضعية المرأة المطلقة ككائن هامشي، متَّهَم، أو على الأقل مُراقَب. يُسحب منها الحق في الحضانة، أو يُبتزّ هذا الحق، وتُلاحَق في لقمة عيشها، وتُراقَب في لباسها، وحتى في ضحكتها.
الرجل المطلق: بطل مأزوم
الرجل، من ناحيته، لا يخرج دائمًا منتصرًا. صحيح أنه يحظى غالبًا بدعم المجتمع أو تبريراته، لكنه يظل مأزومًا بذكورته الهشة، وقلقه من “العار” الذي لحق به جراء فشل الزواج. هذا القلق قد يدفعه إلى الانتقام، أو إلى العزوف عن إعادة ترتيب حياته العاطفية، أو إلى اللجوء إلى زيجات مؤقتة بلا عمق أو التزام.
بل إن كثيرًا من الرجال الذين خسروا زوجاتهم بالطلاق، يتحولون إلى ما يشبه “حرّاس المجتمع”؛ يتتبعون حياة مطلقاتهم، يشككون في أخلاقهن، أو يفرضون رقابة غير مشروعة عليهن، وكأن المرأة إن لم تكن “ملكًا” فهي “خطر”.
ثقافة التشفي والفضيحة
مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم مرآة لهذا النزيف العاطفي المتبادل. منشورات الطليق أو الطليقة قد تُغلف بعبارات دينية أو حكم أخلاقية، لكنها تحمل رسائل انتقام، تشهير، وتضليل للواقع. لا أحد يريد أن يُحمّل نفسه مسؤولية الفشل، بل الكل يبحث عن كبش فداء. وهنا، تتغذى الذكريات الجميلة بالكراهية، وتُشوه الطليقة، كما يُشوّه الطليق، في سرديات غير موثوقة.
متى تصبح الطليقة صديقة؟
حين نكفّ عن النظر إلى الزواج بوصفه مِلكية، وحين نُعيد تعريف الرجولة والأنوثة لا بوصفها احتكارًا أو خضوعًا، بل شراكة وكرامة متبادلة. حين نربي أبناءنا على أن الطلاق ليس عارًا، بل خيارًا ناضجًا أحيانًا لإنقاذ ما تبقى من احترام بين شخصين. حين نكفّ عن استغلال الأطفال كورقة ضغط، وحين تعود القوانين لتُعيد التوازن لا لتعزز الانتقام.
نعم، يمكن للطليقة أن تكون صديقة، شريكة في التربية، أو حتى صوتًا من الماضي نحترمه دون مرارة. ولكن هذا لا يحدث إلا عندما يُشفى المجتمع من عقد الذكورة المُفرطة، ومن هوس الشرف الزائف، ومن ثقافة التشفي والانكار.
2025-08-04