تحولات واشنطن: تفاؤل حذر في أوروبا
غلب الارتياح على ردود فعل الأسواق والقادة الأوروبيين تجاه نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية مع تحذيرات من التفاؤل المفرط نظراً لمحدودية تأثير الكونغرس الجديد في السياسات التي تعني أوروبا
سعيد محمد*
توالت ردود الفعل الأوروبية على نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية، حيث ساد شعور بالارتياح في بروكسيل – مقر الاتحاد الأوروبي – والعواصم الأوروبية إزاء تقدم الديمقراطيين الصريح، مع تباين في التقديرات حول ما تعنيه هذه النتيجة للعلاقات عبر الأطلسية.
وأعربت نائبة رئيس البرلمان الأوروبي صوفي ويلمز، رئيسة الوزراء البلجيكية السابقة، عن أملها في أن تؤدي هذه النتيجة إلى “علاقة أكثر هدوءاً وبنّاءة مع أوروبا”، في حين وصفت نائبة الرئيس كريستيل شالدموس الفوز الديمقراطي بأنه قد يعود بالفائدة على أوكرانيا والسياسات البيئية والتعاون الدولي، مع تشديدها على ضرورة مواصلة الاتحاد الأوروبي تعزيز استقلاليته الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد على التغيرات في السياسة الداخلية الأمريكية.
وفي ألمانيا، وصف وزير الدفاع بوريس بيستوريوس النتائج بأنها “تاريخية”، مع تحذيره من توقع الكثير، مؤكداً أن برلين ستسعى إلى اتصال وثيق مع الديمقراطيين لكنها تنتظر ما سيفعله الرئيس ترامب في المستقبل القريب. وربطت أليس فايدل، المشاركة في رئاسة حزب البديل من أجل ألمانيا – أقصى اليمين -، خسائر الجمهوريين بمغامرات ترامب الخارجية، قائلة إن الرئيس الأمريكي وعد ناخبيه بالامتناع عن اتباع سياسة تدخلية، وأن هذا الإخلاف بالوعد عاد ليقتص من الجمهوريين.
وفي إسبانيا، رحب وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس بمكاسب الديمقراطيين، معتبراً أن نتائج الانتخابات قد تكون لها انعكاسات سياسية إيجابية على الاشتراكيين في بلاده. وفسر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز النتيجة بأنها رفض لسياسات ترامب وانتكاسة أوسع لليمين المتطرف الدولي، قائلاً إن الناخبين الأمريكيين رفضوا السياسات التي تفقر الناس، إضافة إلى الكراهية والتمييز على أساس الجنس وإنكار تغير المناخ والامتيازات التي تتمتع بها النخب السياسية والاقتصادية، وأشار إلى احتمال حدوث تحول سياسي مماثل في إسبانيا.
وفي فرنسا، وصف وزير الاقتصاد والمالية رولان لوكور المكاسب الانتخابية الديمقراطية بأنها “لا يمكن إنكارها”، مع تحذيره من أن ترامب سيحتفظ بسلطة كبيرة على السياسة الخارجية الأمريكية. وقال إن الرئيس الأمريكي يمكنه إما الاعتراف بالحاجة إلى تغييرات في السياسة، خاصة فيما يتعلق بأسعار المحروقات، وتقليص انخراطه الدولي، أو مواصلة نهجه الحالي. وأضاف: “بصراحة، هذا أمر سنحتاج إلى متابعته في الفترة المقبلة”.
وفي إيطاليا، قال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية أنطونيو تاياني إن نتائج الانتخابات ستبقي العلاقات بين روما وواشنطن على حالها، مؤكداً أن إيطاليا تحترم دائماً إرادة الشعب الأمريكي وتحافظ على تعاونها مع الولايات المتحدة بغض النظر عن الحزب الذي يمسك بدفة السلطة السياسية. وشدد على أن إيطاليا عملت دائماً مع إدارات ديمقراطية وجمهورية، وستبقى حليفاً استراتيجياً لواشنطن. ذات الموقف كررته أثينا على لسان المتحدث باسم الحكومة اليونانية بافلوس ماريناكيس، الذي قال إن نتائج الانتخابات ستبقي الشراكة الاستراتيجية بين أثينا وواشنطن على حالها، واصفاً الولايات المتحدة بأنها حليف تاريخي سيستمر تعاونه مع اليونان بغض النظر عن النتيجة الانتخابية.
وفي المملكة المتحدة، وصف وزير الصحة جيمس فرث النتائج بأنها “تغيّر زلزالي” في السياسة الداخلية الأمريكية، لكنه قال إن العلاقة الطويلة الأمد بين لندن وواشنطن ستبقى على حالها.
وفي بولندا، رحب رئيس الوزراء دونالد توسك بالفوز الديمقراطي باعتباره تطوراً إيجابياً للديمقراطية الأمريكية، قائلاً: “اليوم انتصرت الديمقراطية في أمريكا. أنا أحب الديمقراطية، إنها شيء جميل”. وأعرب عن أمله في أن تسهم نتيجة الانتخابات في استقرار الإقليم حول بولندا، وتوجه بالنصح لترامب بالامتناع عن استخدام حق النقض كأسلوب للحكم.
وفي جمهورية التشيك، وصف رئيس الوزراء أندريه بابيش الفوز الديمقراطي بأنه متوقع لكنه كبير بشكل استثنائي، محذراً من أن النتائج قد تؤدي إلى شلل سياسي في واشنطن لبقية ولاية ترامب، مع محاولات العزل وحق النقض الرئاسي التي قد تهيمن على الأجندة السياسية. وأعرب بابيش مع ذلك عن أمله في أن يواصل ترامب جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا ومعالجة الأزمة المحيطة بمضيق هرمز.
وفي النرويج، وصف رئيس الوزراء يوناس غار ستوره النتائج بأنها إشارة سياسية قوية إلى أن الناخبين الأمريكيين أرادوا تغيير الاتجاه، مشيراً إلى أن أصواتاً سياسية أقرب إلى مواقف النرويج تبرز في الولايات المتحدة، خاصة بشأن تغير المناخ وحماية البيئة والسياسة الخارجية والمساعدات التنموية.
وفي بلجيكا، حذر وزير الدفاع تيو فرانكن من أن الانقسامات السياسية العميقة في الولايات المتحدة قد تجعل حكم البلاد أمراً بالغ الصعوبة في السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن الاستقطاب قد يؤدي إلى جمود سياسي طويل بين الرئيس والكونغرس. وشدد على أنه من منظور أوروبي سيركز بشكل أساسي على التطورات المتعلقة بالسياسة التجارية الأمريكية ودعم أوكرانيا وموقف واشنطن تجاه حلف شمال الأطلسي.
الأسواق الأوروبية استقبلت النتائج بتفاؤل حذر، إذ تحولت الأسهم عبر القارة إلى الارتفاع بعد بداية متوترة. وقادت البنوك المكاسب، مع تحول المستثمرين إلى المصارف التي تتركز أعمالها في أسواقها المحلية.
كما ارتفعت أسهم شركات الطاقة النظيفة التي عانت تحت سياسات ترامب، فيما تراجعت أسهم الصناعات الدفاعية، إذ يخشى المستثمرون من أن يبطئ كونغرس يهيمن عليه الديمقراطيون الإنفاق العسكري الأمريكي الذي دفع إليه ترامب. وسجلت المعادن النفيسة مكاسب كبيرة، إذ ارتفع الذهب فوق مستوى 4000 دولار للأونصة الواحدة، والفضة إلى 51.76 دولاراً مع تراجع الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى.
ويشكك خبراء أوروبيّون بمدى قدرة الكونغرس الجديد الذي سيتولى مهامه في يناير العام المقبل على تغيير السياسة الأمريكية تجاه أوروبا والأسواق، إذ يحتفظ ترامب حتى ذلك الحين بأغلبية جمهورية في المجلسين، وحتى بعد ذلك سيبقى قلم النقض الرئاسي على مكتبه. وفيما يتعلق بالرسوم الجمركية، قد يكون الكونغرس الجديد عاجزاً عن إنهاء التهديد الجمركي لأوروبا، لأن رسوم ترامب أصبحت تعتمد على المادة 301 من قانون التجارة الأمريكي، وهو مسار يتيح للرئيس التحرك دون تصويت المشرعين. ويمكن للديمقراطيين عقد جلسات استماع وإبطاء إجراءات ترامب، لكنهم سيجدون صعوبة في انتزاع هذه السلطة منه.
وفيما يتعلق بدعم أوكرانيا، سيرأس الديمقراطيون لجان مجلس الشيوخ ويقررون أي مرشحي ترامب سيحصلون على الموافقة، وكثير منهم يريدون أيضاً الموافقة على أموال جديدة لأوكرانيا. لكن الجزء الأصعب هو إنفاق تلك الأموال، إذ أبطل البيت الأبيض على مدى العامين الماضيين أموالاً وافق عليها الكونغرس بالفعل عبر حجزها حتى نهاية السنة المالية. وهذا يعني عملياً أن الكونغرس الديمقراطي قد يخصص أموالاً لأوكرانيا في القانون بينما قد يحتفظ الرئيس بتلك الأموال دون إنفاق.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-11-07