هل اصبحت العمالة في لبنان وجهة نظر ؟!
رنا علوان
باتت الحرب التي يخوضها الكيان الغاصب (في غزة كما الجبهات المُساندة لها) بلا أُفق ، وذلك بحكم أمور عدة ، أهمها عجزه الذي لم تعد تخطئه عين مُبصرة ، وطول المدة الزمنية التي لم يخض مثلها مُسبقًا منذ نشأته ، وأي وقف لإطلاق النار في الوضع الراهن ، هو إعلان هزيمة نكراء للعدو ، لذلك لا سبيل له سوى البحث عن حلول يُضعف بها قوى المقاومة
وبما ان العدو يعتمد في مواجهته على اجهزته الاستخباراتيِّة بشكل كبير وفائض ، نجد العديد من كبار قادة الإستخبارات في الكيان الغاصب يؤكدون على أن المعلومة الإستخباراتيَّة تمثِّل في الحقيقة [جزءًا أساسيًا من النظريَّة الأمنيَّة له]
وفي هذا السياق يقول رئيس شعبة استخبارات العدو الإسرائيلي الأسبق شلومو غازيت «ان توافّر المعلومات الإستخباراتيَّة الدقيقة ، كانت قد منحت الجيش الإسرائيلي القدرة على توجيه ضربات قاسية وخاطفة للجيوش العربيَّة وللمقاومة الفلسطينيَّة ، وهذا أيضًا ما أدَّى إلى تقليص فترات الحروب مع الدول العربيَّة ، وعودة الحياة الطبيعيَّة إلى مسارها في الكيان بسرعة كبيرة»
أما الخبير الأمني “أمير أورن” يقول (ان قدرة الكيان على تحصيل إستخبارات ممتازة مكَّنته من الاحتفاظ بجيش نظامي صغير ، وبالتالي لا يتُم استدعاء قوات الإحتياط إلا في حال شُنَّت حرب هجوميَّة على الكيان فقط )
لذلك نفهم مما ذكرناه آنفًا ، مدى أهمية هذه الإجهزة الاستخباراتيِّة إن كانت في (حالة الحرب ام في حالة السلم) ، حيث حرِصت الحركة الصهيونيَّة منذ قيامها على تنفيذ العمليات السريَّة لتحقيق أهدافها في احتلال الأراضي الفلسطينيَّة ، [فكانت البداية عندما أُنشأت منظَّمة سريَّة في العام 1904 أُطلق عليها إسم “بيلو”] ، أما هدفها ، فكان التأثير على السلطات العثمانيَّة للسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، لكن السلطان عبد الحميد الثاني وقف موقفًا صلبًا إزاء الهجرة اليهوديَّة ممّا دفع بهذه المُنظمة إلى المساهمة بإسقاطه وإيصال زعماء حزب «تركيا الفتاة» إلى الحكم ، والذين فتحوا باب هجرة اليهود إلى فلسطين على مصراعيه
كما تتميَّز نشأة إستخبارات العدو الإسرائيلي ، بأنها سبقت نشوء الكيان الإسرائيلي ، وهي ترجع إلى انعقاد أول مؤتمر للحركة الصهيونيَّة في بازل في العام 1897 حيث وضع الأُسُس والمخطَّطات والسياسات التي ينبغي عليها اتِّباعها للوصول إلى أهدافها
في العام 1914 ، تمَّ إنشاء منظمة سريَّة إسمها “يلي” ، وإتَّخذت الأخيرة من منطقة عتليت مقرًا لها ، أما مهمتها الأساسيَّة فكانت مساعدة بريطانيا في الإستيلاء على ممتلكات الدولة العثمانيَّة في أثناء الحرب العالميَّة الأولى ، وجمع المعلومات عن القوات التركيَّة والألمانيَّة ، وقد نجحت هذه الجماعة في نقل المعلومات التي تمثَّلت في سرقة أسرار غـاز “الخردل” وبعض الأسلحة الألمانيَّة الحديثة ونقلها إلى بريطانيا
ومع إنشاء كيان العدو تمَّ تأسيس [مجموعة إستخبارات العدو الإسرائيلي أو “مؤسَّسة” إستخبارات العدو الإسرائيلي] ، وقد تألفت من (وكالة شين بيت “Shin Bet”)(الإستخبارات العسكريَّة أمان “Aman”)(إدارة الإستخبارات الخارجيَّة) و (مجمَّع الهجرة)
ويُعتبر جهـاز الإستخبارات العسكريَّة “أمان” ، الجهاز المُسيّطر على الأنشطة الإستخباراتية العسكريَّة الداخلية والخارجية ، فحمل اسم “إدارة إستخبارات الجيش”منذ تأسيسه ، ثم عُرف لاحقًا بإسم “أمان” أي الأمن ، وقد كُلِّف بمهماتٍ عديدةٍ منها “جمع المعلومات عن الجيوش العربيَّة” ، “الرقابة على الصحف الإسرائيليَّة” ، “ضمان الأمن داخل الجيش الإسرائيلي ومكافحة الجاسوسيَّة” ، “تزويد وزارة الدفاع المعلومات حول القوات العسكريَّة العربيَّة وقياداتها ، والوحدات القتاليَّة ودراسة إمكاناتها وأهدافها”
ونقف ببحثنا هذا عند “أمان” الذي يُعتبر أكبر الأجهزة الاستخباراتيّة الصهيونية ، ويندرج ضمنه ، قسمًا متخصصًا في مجال التجسس الإلكتروني ، يطلق عليه «الوحدة 8200»
والوحدة 8200 هي أكبر الوحدات في مديرية الاستخبارات العسكريَّة للعدو ، وتأخذ على عاتقها مهمة جمع المعلومات الرئيسية ، إضافة إلى تطوير أدوات جمع المعلومات وتحديثها بإستمرار ، مع تحليل البيانات ومعالجتها ، وإيصال المعلومات للجهات المختصة ، وكثيرًا ما تشارك هذه الوحدة وتمارس عملها من داخل مناطق القتال
كما تعتمد الوحدة على التطور التقني والبعد السيبراني بهدف تحقيق تفوق استخباراتي على كل مستويات نظام الأمن الإسرائيلي بما فيها الحربي والسياسي
لكن على الرغم من كافة التقنيات التي تستخدمها الوحدة ، إلا أنها فشلت في التنبؤ “بعملية طوفان الأقصى المُبارك” ، وبعد عشرة اشهر من الحرب القائمة ، سددت المقاومة اللبنانية ضربة موجعة لها ، كرد على اغتيال القائد الكبير فؤاد شكر ، الذي تم اغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت ، كون هذه الوحدة ساهمت في تتبعه واستهدافه
هذا الفشل والاستهداف للوحدة ، يدفعان بالعدو الى عدم الاستغناء عن الطرق البدائية وهي زرع العنصر البشري ، كعين له لتزوده بالأمور التي قد تعجز التكنولوجيا عنها
لذلك نستنتج انه رغم كل هذه الإمكانيات والتطويرات التكنولوجيا وحصول العدو على داتا الإتصالات ، الا انه لا زال بأمس الحاجة الى تجنيد العملاء
[وتُعتبر وسائل التواصل الاجتماعي اليوم نمطًا و أسلوبًا جديدًا في تجنيدهم ، ذلك لأن أجهزة الاستخبارات باتت تعتمد على منصات و مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير وملحوظ جدًا ، وبعد تجنيدهم يتم إعادة زرعهم فيها]
وقد شهد لبنان بعد حرب تموز 2006 تفكيك عدد كبير من شبكات التجسّس التي تبيّن أنه كان لها دور في تحديد بعض المواقع التي تعرضت للقصف حينها
فلم يوفّر العدو وسيلة إلّا واستخدمها لإختراق الجبهة الداخلية ، إذ استغل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية السيّئة ، والأزمة الطائفية التي أجّجها البعض وكان أداة لتأزيم الوضع الداخلي ، (خاصةً بعد فشله في تحقيق أي انتصار في العدوان) ، فبات استهداف الجبهة الداخلية حربًا غير مباشرة من جبهات عدة ، وهذا فعليًا ما يحاول تنفيذه من جديد ، فما بالكم بعدما أعمى رجال المقاومة الإسلامية في لبنان عيون العدو بإستهدافهم معظم نقاط المراقبة على الشريط الحدودي المحتلّ ، وضرب قاعدة ميرون لأكثر من مرة
ولهذا السبب أصبحت الجبهة الداخلية أكثر عرضة للاختراق من قبل العدو الإسرائيلي نتيجة انتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي واستخدامها بشكل كبير من شرائح المجتمع كافة دون إستثناء ، فضلاً عن غياب التوعية والإرشاد حول كيفية الاستخدام الآمن لها ، سواء على الصعيد الشخصي أم على صعيد الأمن القومي ، ناهيك عن غياب حكم الإعدام ، بل وتنفيذ احكام مخففة بحق هؤلاء ، مما يشجع على العمالة
وما يؤكد ذلك ، اعترافات العملاء ، الذين تم القبض عليهم خلال هذه الحرب القائمة ، “آخرهم ممرّضًا كان يعمل في مستشفى الرسول الأعظم” ، حيث تم تجنيده عبر “لايك على فايس بوك” بحسب ما ذكرت التحقيقات ، وقد زوّد مشغّليه الإسرائيليين بمعلومات أمنية وصورٍ وإحداثيات ، قبل أن يتمكّن فرع المعلومات من توقيفه ، فما كان من قاضي التحقيق العسكري إلا ان طلب للعميل عقوبة بالسجن بين 3 سنوات و15 سنة ، وهي ، كالعادة ، عقوبة مخفّفة لمن يتعامل مع دولة عدو في زمن الحرب
المُلفت في الأمر مدى غياب الرقابة ، فبين منشورات “فايسبوك” ، يخترق فيديو بإسم عبري حائط المنشورات المعروضة ، ويتحدث رجل مموه الوجه بلغة عبرية مع ترجمة بالعربية لعباراته ، يتحدث فيها عن المتعاملين مع (الاستخبارات الاسرائيلية) : “المال ليس كل شيء.. بعضهم يسعى لتغيير نمط حياته” …
الفيديو الذي يظهر فجأة بين سائر المداولات ، وهو إعلان مدفوع Sponsored ، يتكرر عرضه في لبنان لدى عدد من مستخدمي الموقع الأزرق فايس بوك ، ويحمل اسمًا بالعبرية الى جانب عبارة بالعربية هي “وحدة الاستخبارات البشرية 504″… كما يحمل ملخصًا بالعبرية يعرّف عنه
في المُلخص حسب ترجمة “غوغل” ، يقول: “المال ليس جوهر الأمر”، ويدعو المشاهدين لمشاهدة اللفتنانت كولونيل (ب) من الوحدة 504 في قسم الاستخبارات في قوات الاحتلال الإسرائيلي
وحسب التعريف ، “يتحدث عن (دوافع رجل ليصبح عميلاً ويساعد كيان الإحتلال …”)
السؤال الذي يفرض نفسه ، اليس متل هكذا اعلان ، وبهذا المحتوى المعروض ، وضمن جغرافيا الأراضي اللبنانية ، هو تجنيد صريح للعملاء من داخل الأراضي اللبنانية ، خصوصًا وأنه يطلب تعبئة طلب تجنيد ، وإرفاق المعلومات ، وجهة اتصال ، والطلب من المتقدمين أن ينتظروا اتصالاً في حال القبول ، وهو ما ظهر في “سكرين شوت” نشرها أحد المستخدمين على صفحته تعليقًا على الإعلان ؟!؟
ناهيك عن أن الفيديو سبق أن نُشر قبل 7 اسابيع ، حسبما يفيد “فايسبوك”، لكن الاعلان المدفوع له يتجدد بإنتهاء المدة ، وهو ما دفع لأن يظهر على صفحات اللبنانيين خلال هذه الفترات ، وتحديدًا بعد الرد على اغتيال القائد فؤاد شكر الذي استهدفت فيه المقاومة مقر وحدة ٨٢٠٠ !!!
كما أن الصفحات التي تستهدف السلم الأهلي والتحريض الطائفي ، والتي تحمل عبارات تصب جميعها في خانة اللعب على وتر الانقسامات اللبنانية ، آلا يجب الإلتفات لها وخاصة بعد ان تعدت حدود مواقع التواصل الإجتماعي واصبحت اللافتات الإعلانية لها تملئ الطرقات ؟!؟
آلا يستدعي هذا الاعلان ، تحركًا من السُلطات الرسمية اللبنانية مع شركة “فايسبوك” لحظر المنشورات الصادرة عن تلك الصفحة وما يُجاريها ، واتخاذ الاجراءات القانونية والأمنية لإحباط مساعي العدو الاسرائيلي لتجنيد متعاملين معها ، وان تكون هذه المعطيات بمثابة إخبار للنيابة العامة للتحرك ؟!؟
آلا تستدعي اللافتات التي تخدم التحريض على فئة مُعينة في المجتمع اللبناني ، أن يتم الإستقصاء عن مموليها ومعرفة نوياهم من وراء ذلك ، ووضع حد لهذه الظاهرة ؟!؟
والأهم الأهم من كل تلك الأسئلة هل اصبحت العمالة في منظور الدولة اللبنانية عبارة عن “وجهة نظر” ؟!؟
ولو لم تكن كذلك لماذا كل هذا التساهل ؟!؟
ختامًا ، لقد اصبح لجرم العمالة في لبنان “بيئة حاضنة” ، لذلك لم يعُد سماع نبأ اكتشاف العملاء ، بالأمر المُستغرب في هذه الايام ولم يعد خبر العمالة جرمًا بحق الوطن ، بل أمرًا مُرحب به ، بسبب مجاهرة البعض بينهم (أشخاص لامعة وسياسية واعلامية) بأن وجود الكيان الصهيوني الى جانب لبنان جغرافيًا ، هو بحكم الجار ، لا مُحتل غاصب لأراضٍ منها لبنانية ، ناهيك عن الخذلان الوقح للقضية الفلسطينية ، التي من المُفترض ان تكون اولوية لدى كافة فئات واطياف المجتمعين اللبناني والعربي نظرًا لما تحمله من معانٍ وقدسية على كافة المستويات لا سيما الدينية منها ولجميع اطياف المُجتمع
2024-09-11
