عدنان الجميلي.. نموذج تاريخي!
اضحوي جفال محمد*
لكي نفهم التاريخ علينا أن نفهم الحاضر. لأن هذا الحاضر القائم سيصبح في يوم من الايام تاريخاً يختلف عليه الناس، كما نختلف اليوم على أشياء مضت وكانت في وقتها واقعاً معاشاََ.
المنطق البسيط يقول ان الخلافات بشأن الحقيقة تحصل في أزمنة متأخرة وبصورة متدرجة، أما في وقت الحدث فلا خلاف طالما أن الأمور ظاهرة للعيان ويمكن التحقق منها. بمعنى ان قضية عدنان الجميلي، كنموذج، ليست موضع خلاف في الوقت الراهن وانما قد يختلف حولها القادمون من الاجيال. فهل القول هذا صحيح؟ السؤال يحتمل اكثر من جواب! فكون الرجل فاسداً لا يختلف عليه اثنان، غير ان ذلك ليس كل الموضوع، إذ أن الخلافات والانقسامات تبدأ بشأن دوافع استهدافه وعدم استهداف آخرين يفوقون فساده أضعافاً مضاعفة، وبشأن المشغلين له الذين يصدرون الآن بيانات التأييد لصولة القضاء على الفاسدين، وبشأن استمرار الحملة او توقفها عند عتبة الجميلي. وأسئلة كثيرة أخرى توشك أن تطغى على القضية الأصلية وتطمسها تحت ركام التفرعات الجدلية. فالبذرة بعد خروج النبتة منها ينتهي دورها وتنسى، وتتحول كل الأنظار نحو الأغصان والأثمار والجذور والزهور. فاهتمام الناس الان يتجاوز شخص الجميلي كلص ويتجه إلى ما بعده وما حوله وما قبله، إلى درجة أن كثيرين ينظرون اليه كضحية تمهيداً للتعاطف معه. ولا أسهل من ذلك مع وجود النظارة الطائفية القادرة على طبع جميع الالون بلونها. ولا غرابة عندما تصبح احداث اليوم تاريخاً دارساََ أن يصبح عدنان الجميلي رمزاً ايجابياََ لشريحة او مجتمع، وتُؤوّل أفعاله برغبات المؤوّلين.
أيام الإذاعات الرسمية للدول كانت إذاعاتنا تزوّر الاخبار جهاراََ، وتذيعها بالمقلوب بناءََ على مشيئة السلطة. لذلك كنا نبحث عن الموضوعية في إذاعات الغرب، فهل كانت إذاعات الغرب أمينة على الحقيقة بالفعل؟. لا أبداً، لكن منهجهم في التزوير مختلف عن منهجنا الفج. فهو لا يكذب صراحةً إلا أنه ينتقي. وبالانتقاء يؤدي نفس الغرض. يسلط الضوء على جانب ويغفل جانباً قد يكون الاهم. ولأنك مقتنع سلفاً بمصداقيته سيثبت في عقلك ما يريد، ويزيل من بالك الأشياء التي يهملها وكأنها غير موجودة في الواقع او هامشية. وربما كانت الأشياء المهمشة على قدر من الاهمية يفوق كل ما قيل.
ونحن كمجتمعات الان نُخضع كل ما نسمعه لفلترة أهوائنا. لا ننكر أن الجميلي سرق، وكيف ننكر وقد اعترف بلسانه!. انما نتجاوز ذلك حثيثاً صوب الأشياء المتناغمة مع عصبياتنا. وطبيعي حين تأتي الاجيال القادمة أن تتوقف طويلاً أمام شجرة وارفة عمرها قرون، ولن يعبأ أحد بالبذرة التي كانتها في اليوم الاول.
الذي يتوقف عند البذرة بما تستحقه من اهتمام هو باحث يقبع داخل مختبر مغلق، يجد مشقة في العثور على دورية جافة تقبل تنشر بحوثه لجمهور لا تعني له أوراق النشرات اكثر من خرق لتلميع زجاج النوافذ.
وإذا قُدّر لحقيقة تاريخية أن تُكتشف في غير عصرها وتحدث ضجة اجتماعية وتصحيحاََ معرفياََ فليس لأن المجتمعات جاهزة لتعديل مواقفها بناءً على العلم وانما لأن تلك الحقيقة وافقت هوىََ اجتماعيًا فنُبشت من قبرها وبهرتها الاضواء.
( اضحوي _ 2414 )
2026-07-24