نيتفليكس:
“نادي الخميس للجريمة”: أفيون برجوازي للمتقاعدين!
فيلم أوّل عن سلسلة روائية بريطانية تغلّف قسوة واقع الشيخوخة في الرأسمالية المتأخرة بمسكّن من المغامرات الممتعة والشاي والكعك
سعيد محمد*
البريطانيون أكثر الشعوب إدماناً على أدب الجريمة. هذا الإدمان ليس مجرد ميل ترفيهي، بل هو عَرَض ثقافي عميق لوسواس طبقي يتمحور حول “استعادة النظام”. من قصر شيرلوك هولمز الفيكتوري المثالي، إلى قرى أجاثا كريستي المعزولة حيث يجب استئصال الفوضى (يمثلها القاتل) لإعادة الاستقرار البرجوازي، كانت حكايات الجريمة البريطانية دائماً طقساً لإعادة تثبيت الأوضاع القائمة. واليوم، لبريطانيا ما بعد بريكست (الخروج من الاتحاد الأوروبي)، المنقسمة ثقافياً، والقلقة ديموغرافياً، المنهكة من التقشف، جاءت أحدث بضائع هذا السوق: إنها سلسلة روايات “نادي الخميس للجريمة” (The Thursday Murder Club). لريتشارد أوزمان، التي حققت أرقام مبيع خرافية – 10 ملايين نسخة حتى الآن -، وقُدّم أول أجزائها فيلماً سينمائياً بتوقيع كريس كولومبوس – يتوفر عبر نيتفليكس -.
تحويل هذه الظاهرة إلى منتج سينمائي، برعاية رأس المال الأمريكي الثقيل (من شركة ستيفن سبيلبرغ ونيتفليكس)، ليس تتويجاً لنجاح السلسلة الروائيّة تجارياً، بقدر ما هو اكتمال منطقي لدورة أيديولوجية. فالفيلم (والسلسلة التي يستند إليها) الذي يندرج تحت نسق روايات الجريمة المريحة – حيث التركيز على ما بعد الجريمة وحلها كأحجية في ناد – وكأنه ترياق مصنّع ببراعة، أفيون مسكّن طبقي يُباع لجمهور يخشى مما بعد التقاعد، ويخشى أكثر: الشيخوخة في ظل الرأسمالية المتأخرة.
سر الانتشار: إعادة تعليب الشيخوخة
الحبكة البوليسية لهذا النوع الجديد من الأدب لا تفسر – لسذاجتها – النجاح التجاري له، بل ينبغي البحث عن أسرار ذلك في موضوعة “الشيخوخة السعيدة” كمنتج طبقي مرتبط بظاهرة ديموغرافية ما لبثت تقلق المجتمعات الغربيّة من اليابان إلى كندا وما بينهما. لقد أدى التقدم الطبي وتراكم رأس المال في الغرب إلى إطالة الأعمار، لكن الأيديولوجيا النيوليبرالية لا تزال عاجزة عن الإجابة على سؤال: ماذا نفعل بهؤلاء الذين توقفوا عن العمل والإنتاج؟
المنتجات الثقافية المخصصة للاستهلاك الشعبي أهملت دائماً قطاع كبار السن وعلبتهم ضمن واحدة من إحدى صورتين: إما عبء اقتصادي (تكاليف الرعاية الصحية، أزمة المعاشات)، أو شخصيات هامشية غريبة الأطوار (الجد الحكيم، العجوز المتذمر)، وتم بشكل عام تجريدهم من القدرة على الفعل لأنهم لم يعودوا “منتجين” في السوق.
ريتشارد أوزمان، الشخصية التلفزيونية المحبوبة في بريطانيا، لم “يكتشف” في عمله الروائي كبار السن، بل “أعاد تعليبهم” في صورة جديدة: فحوّل المتقاعدين من مشكلة اجتماعية إلى فئة فاعلة. الشخصيات الأربع أعضاء نادي الخميس للجريمة لم يعودوا كما المألوف ضحايا متعطلين؛ إنهم أبطال أذكياء، بارعون تقنياً واجتماعياً، ويملكون الموارد، ويحلون الجرائم التي تعجز الأجهزة الأمنية عن حلّها. إنهم يقدمون للجمهور الأكبر سناً منتجاً ترفيهياً يمثلّه على نحو مُرْضٍ: كأشخاص فاعلين وناجحين وقادرين على تحقيق ما يعجز عنه كل الآخرين.
الدفء والظرافة التي تظهر عليها شخصيات أعضاء النادي توازن بذكاء بين جريمة القتل (التوتر) وبين الدعابات واحتساء الشاي وتناول الكعك (الراحة). هذا مزيج يبدو خياراً أسلوبياً له ضرورة أيديولوجيّة وتجارية في آن: إنه يمنح جمهوره إثارة الجريمة دون تعكير صفو راحته البرجوازية المزاج، ويطمئن الجميع – الأصغر سناً والقلقين بشأن آبائهم، والأكبر سناً القلقين بشأن أنفسهم – بأن الشيخوخة ليست خط النهاية، بل مجرد فصل آخر من المغامرات. وتلك بالطبع سلعة مثالية لزمن جائحة كوفيد وما بعدها؛ تخدير مريح وهروب منظم من فوضى الواقع في عالم النيوليبرالية المتوحشة.
الجريمة في الجنة النيوليبرالية
لا يتطلب الأمر تحليلاً عميقاً لوضع سلسلة “نادي الخميس للجريمة” على خريطة الأدب البوليسي البريطاني الذي كان منذ أيامه الفيكتوريّة الأولى حكايات ذات بعد طبقي. فإذا كانت جرائم كريستي تدور حول الأرستقراطية الريفية، وجرائم الأدب الأسكتلندي السوداوي تعالج فشل الدولة ومشاكل الطبقة العاملة في غلاسكو وإدنبرة، فإن ريتشارد أوزمان يبتكر مساحة جديدة في ذات السياق: الجريمة في الجنة النيوليبرالية.
الحدث الأهم في الفيلم – والرواية – ليس القتل، بل الموقع الذي تجري فيه الأحداث: مجمع المتقاعدين الفاخر. هذا ليس دار رعاية تديرها الدولة وتعاني من نقص التمويل، بل حيّز مسوّر للبرجوازيين الأثرياء ويوتوبيا للناجحين في أعلى مربوط الطبقة الوسطى. إنه عالم لا يمت بصلة للواقع المظلم لقطاع الرعاية الاجتماعية المنهار في بريطانيا بفعل سياسات التقشف، ويبيع للجمهور القلق وعياً زائفاً بأن الشيخوخة يمكن أن تكون تجربة مثيرة ورائعة، شريطة أن تمتلك رأس المال الكافي لشراء تذكرة الدخول إليها.
أبطال الفيلم الأربعة ليسوا من المهمشين؛ بل أثرياء متقاعدون (جاسوسة في الاستخبارات، طبيب نفسي، ناشط نقابي سابق، ورئيسة ممرضات) يتمتعون بثمار نجاحهم في النظام الرأسمالي. إنهم لا يقلقون بشأن فواتير التدفئة أو قوائم انتظار هيئة الخدمات الصحية العامة كما الأكثرية في بريطانيا. قلقهم الوحيد هو الملل، وفك أحجيات الجرائم هوايتهم المثالية لكسره.
السلسلة والفيلم يخففان من قسوة واقع الشيخوخة (العزلة، الفقر، الخرف) ويحولانها إلى تجربة مقبولة وممتعة على نحو يطمئن الطبقة الوسطى – المستهلك الأساسي لـ”نادي الخميس للجريمة” – بأن مدخراتهم ومعاشاتهم التقاعدية ستشتري لهم الأمان، بل وفرص خوض المغامرات أيضاً. الجرائم التي يحلها أعضاء النادي ليست تحدياً لنظام فاشل، بل تأكيد لسيطرتهم عليه حتى في شيخوختهم. والعمل البوليسي بالنسبة إليهم محض هواية لوقت الفراغ، تماماً كما قد يمارس آخرون الغولف أو البستنة.
احتجاجٌ مشروط للطبقة الثرية
ظاهرة “نادي الخميس للجريمة” في هذا السياق تبدو كاستجابة محلية بريطانية لأزمة ديموغرافية عالمية كانت اليابان – المجتمع الأكثر شيخوخة – سباقة إلى استكشافها أدبياً. تقود اليابان العالم في نسبة كبار السن (حوالي 30% فوق 65 عاماً)، وقد تعمّق أدبها، من هيرومي كواكامي إلى يوكو أوغاوا، في استكشاف حنان الشيخوخة، وغرابتها، ووحدتها. لكن غالباً ما يحمل الأدب الياباني أو الأوروبي (مثل أعمال آني إرنو في فرنسا) مسحة من الحزن أو الكآبة اعترافاً بهشاشة الذاكرة والجسد.
ما فعله أوزمان، وما سيكرّسه فيلم نتفليكس عالمياً، هو أخذ هذا القلق الديموغرافي “الأنجلو-أمريكي”، وتجريده من كآبته، وتحويله إلى “ترفيه تجاري”. لقد أثبت للناشرين أن الأبطال فوق السبعين يمكنهم بيع ملايين النسخ، ليس فقط في الروايات الأدبية الرفيعة، بل في صميم الثقافة التجارية.
قد يُقال إن “نادي الخميس للجريمة” نجح في تقديم احتجاج صامت على التمييز ضد كبار السن. وهذا صحيح، ولكنه احتجاج مشروط ومحدود لا ينتقد النظام الذي يهمل كبار السن الفقراء؛ إنه يقتصر على مناهضة “الصورة النمطية” لكبار السن الأغنياء، فلا يحاجج من أجل تمويل أفضل للرعاية الاجتماعية، ويكتفي باستعادة الاحترام فقط لأولئك الذين اشتروا بثرائهم طريقاً للنجاة من نظام الرعاية العمومي الفاشل.
فن التخدير المريح
التقييم الفني للعمل، يجب أن يتجاوز الإعجاب السطحي بـ”الأداء الساحر” أو “التصوير السينمائي الجميل”. ففنية الفيلم الحقيقية تكمن في كفاءة آلته الأيديولوجية؛ أي في قدرته على استخدام كل أداة فنية لتخدير وعي المُشاهد وتغليف رسالته الطبقية في غلاف من الدفء والجاذبية البصرية. من المتوقع أن تكون الصورة السينمائية مصقولة ودافئة، بألوان مشبعة تضفي على قرية التقاعد الفاخرة جواً أقرب إلى بطاقة بريدية سياحية منه إلى مكان يواجه فيه البشر نهاياتهم. هذه ليست مجرد جماليات، بل هي عملية “تعقيم” فني للشيخوخة والموت، حيث يتم إزالة كل ما هو منفر أو مؤلم بصرياً.
على صعيد الإيقاع، يعتمد العمل على مونتاج لاهث وحوارات متواصلة وسريعة لا تترك للمشاهد فرصة للتفكير. يعمل هذا الانتقال السريع من لغز جريمة إلى نكتة لاذعة ثم إلى مشهد احتساء الشاي كآلية فنية لتجنب التأمل العميق، مما يضمن بقاء التجربة على السطح، كترفيه لطيف يمنع أي شعور حقيقي بالخطر أو الحزن أو الفناء من التسلل إلى وعي الجمهور. كما أن الاعتماد على أيقونات وطنية من الممثلين البريطانيين المحبوبين (هيلين ميرين، بيرس بروسنان، بن كينغسلي، سيليا إيمري) هو بحد ذاته خيار فني استراتيجي؛ فهؤلاء الممثلون لا يجلبون أداءهم فقط، بل يجلبون معهم رأسمالاً رمزياً من الثقة والمودة، مما يجعل الأوهام المريحة التي يروج لها الفيلم أكثر قابلية للتصديق والابتلاع.
فنية الفيلم لا تكمن في قدرته على طرح الأسئلة، بل في كفاءته المطلقة في تقديم الإجابات المريحة. إنها فن الهروب البرجوازي المتقن، حيث تتضافر الكاميرا والموسيقى والمونتاج والأداء لخلق منتج بصري سلس وممتع، وظيفته الوحيدة هي تأكيد أن كل شيء سيكون على ما يرام في عالم الطبقة الوسطى، حتى وإن كان الموت يقف على عتبة الباب.
مشروع أوزمان الأدبي كما مرآة لبريطانيا ما بعد البريكست: مجتمع قلق، يفضل النظر إلى نسخة مريحة من ماضيه، ويخشى مستقبله الديموغرافي، ويبحث عن الخلاص ليس في التضامن الجماعي، بل في الذكاء الفردي والراحة المشتراة بالمال. إنه ينجح لأنه يبيع لنا الوهم الأكثر راحة: أنه حتى في مواجهة الموت، يمكن للطبقة الوسطى البريطانية الذكية أن تحل اللغز، وتستعيد النظام، وتلحق بكعكة الرابعة عصراً. إنه أفيون مثالي لشيخوخة برجوازية هادئة وراضية عن نفسها.
——
التريلر الرسمي للفيلم:
– لندن
2025-09-19