نهاية الرواية، لا نهاية الحرب!
بقلم : خالد صالح عطية
كتب الناقد والكاتب حسن خضر على صفحته بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2025، أنّه مع اقتراب الحرب من نهاية عامها الثاني، (يبدو أنّ نتنياهو ربح الحرب ، أما إسرائيل فقد خسرت الحرب) ، وفي هذا المقال أحاول أن أتعمق في ما طرحه .
بعد ما يقارب عامين من الحرب، وتحديدًا في يومها الـ713، بات من الممكن، دون كثير تردّد، القول إن نتنياهو، على المستوى السياسي، يربح حتى الآن. أما إسرائيل، من حيث هي مشروع، وسردية، ومنظومة وجود، فقد خسرت هذه الحرب بالفعل، بغضّ النظر عن الميدان أو الأرقام أو مشهد الأنقاض. تلك مفارقة لا يمكن فهمها إلا باستعادة مفهوم الربح والخسارة ضمن حقلين متباينين: حقل الزمن القصير، الذي تتحرك فيه الأدوات السلطوية والتكتيكية، وحقل الزمن الطويل، حيث تتبلور التحولات البنيوية في صورة فقدان الشرعية، أو ما يمكن تسميته: نزع الغطاء التاريخي عن المشروع الصهيوني.
نتنياهو، في لحظة بالغة الدقة من مسيرته السياسية، تمكّن من تحويل حرب الإبادة على غزة إلى ما يشبه “قوة دفع” داخلية. الرجل الذي كادت حكومته تسقط، والملاحَق في المحاكم بتهم فساد، استعاد موقعه بوصفه ضامن الأمن والنجاة من التهديد الوجودي. الاصطفاف حوله داخل الكيان جاء اضطرارياً، لا تقديسًا لزعامة، بل خوفًا من البدائل. وعلى الرغم من الفشل العسكري الواضح، فإن الخطاب السياسي الإسرائيلي لا يزال يحاول تسويق الحرب كضرورة أخلاقية دفاعية، فيما الحقيقة تزداد انكشافاً: الحرب بلا أفق، بلا نصر، وبلا قدرة على إنتاج “انتصار قابل للتصديق”.
لكن من الخطأ اختزال هذه الحرب في شخص نتنياهو فقط، أو في أزماته الداخلية، رغم أنها كانت المحرك الأول. ما يجري، على مدار 713 يومًا، ليس مجرد قرار فردي، بل تعبير عن انخراط الدولة العميقة والمجتمع في منظومة الحرب والإبادة. الجيش يقاتل، القضاء يبرّر، الإعلام يشرعن، النخب تُصمت، والغالبية المجتمعية إما تدعم أو تسكت. نسبة التأييد الشعبي للعدوان في استطلاعات الرأي، والانخراط المؤسسي في هندسة التدمير، تؤكد أن هذه ليست حرب حكومة، بل حرب دولة ومجتمع وسردية.
وبهذا، فإن ما يتداعى اليوم ليس فقط صورة نتنياهو، بل صورة “إسرائيل الممكنة” نفسها، ككيان يُفترض أنه ديمقراطي، عقلاني، قابل للحياة المشتركة. الإبادة لا تكشف وحشية الجيش فقط، بل تعري هشاشة المجتمع الأخلاقي برمّته.
إسرائيل، في المقابل، تخسر على نحو مركّب: أخلاقيًا، تفقد ادعاء التفوق الأخلاقي الذي تأسس على سردية الضحية. الإبادة الجماعية التي وُثقت على مدار شهور بالصوت والصورة، نزعت عنها غطاء الضحية، وكشفت هشاشة الرواية المؤسسة للكيان. دوليًا، بدأت المراجعات الجدية للخطاب الصهيوني، ليس فقط في دوائر اليسار أو الجامعات، بل حتى ضمن قطاعات من النخب الحاكمة في الغرب. قانونيًا، تحوّلت إسرائيل إلى متهم رسمي بارتكاب الإبادة، مع ما يعنيه ذلك من زعزعة البنية القانونية والسياسية التي تحميها منذ عقود. أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الحرب، بدل أن تعيد “الردع”، كشفت محدوديته، وعرّت الجيش الذي بدا مفرطًا في التدمير، عاجزًا عن الحسم، وغارقًا في مستنقع مقاومة لا تقبل الانطفاء.
الإبادة، هنا، ليست مجرّد جريمة أخلاقية. إنها نقطة كاشفة لما هو أعمق: تحوّل الصهيونية إلى مشروع لا يستطيع إنتاج مستقبله دون تدمير حياة الآخر. وهذا التعري الأخلاقي، حين يتزامن مع تآكل السردية، ومع فشل القوة في فرض المعادلة، يصنع لحظة بنيوية من الخسارة الوجودية. تمامًا كما خسرت الإمبراطورية الفرنسية مشروعها رغم ربح نابليون بعض المعارك، وكما تهاوت الأنظمة التي راهنت على الحسم العسكري لتأجيل أسئلتها الداخلية، فإن إسرائيل اليوم تقف على العتبة ذاتها: عتبة النصر الزائف، حين يتحوّل القتل إلى غاية قائمة بذاتها، ويصبح “ربح” السلطة ممرًا لخسارة الدولة.
ما يحدث اليوم ليس فقط أزمة في صورة إسرائيل، بل لحظة انتقال في الوعي العالمي تجاهها. هذا الوعي، وإن بدا مشتتًا الآن، إلا أنه قيد التكوّن، وقد يحمل في داخله نواة محاكمة ممتدة، سياسية وثقافية، لكيان لم يعد ممكنًا الدفاع عنه بنفس المفردات التي سادت لسبعة عقود. نحن في قلب التغيير، لا في هامشه.
الدم الذي سال في غزة لا يُحتسب فقط في عدد الشهداء، بل في عدد الأقنعة التي سقطت، والخطابات التي انهارت، والهياكل التي بدأت تتصدّع من الداخل. نتنياهو يربح السلطة، نعم، لكنه يربحها فوق ركام المعنى، ومع كل خطوة يقطعها نحو تثبيت حكمه، يجرّ معه المشروع الصهيوني نحو هاوية قد تبدو بطيئة، لكنها باتت مرئية.
٢٠ سبتمبر ٢٠٢٥