نفط فنزويلا، لا رأس مادورو:
الرئيس التشافيزي في مرمى قضاء الهيمنة
بينما يعزّز التشافيزيون قبضتهم على البرلمان، يتصلّب الخطاب الأميركي عشية استحقاقاته الداخلية الانتخابية في كونغرس 2026 ويطلق سيركاً دعائياً ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بتهم تتعلق بتجارة المخدرات.
سعيد محمد*
في تصعيد أمريكي كان متوقعاً، أعلنت واشنطن عن مضاعفة المكافأة المخصّصة لمن يقدّم معلوماتٍ تؤدي إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من 25 إلى 50 مليون دولار، ما يجعلها أكبر جائزة على رأس زعيم أجنبي منذ أسامة بن لادن. المدعي العام الأمريكية، بام بوندي، وفي تسجيل مصوَّر بثّته على منصة إكس، قالت إن تحقيقات وزارة العدل ودائرة مكافحة المخدرات ربطت مادورو بعصابات “ترين دي أراگوا” الفنزويلية و”سينالوا” المكسيكية، مشيرةً إلى ضبط 30 طناً من الكوكايين المطعّم بالفنتانيل قالت إنها “ذات صلة مباشرة بشبكات يشرف عليها الرئيس الفنزويلي شخصياً”. كما كشفت عن مصادرة أصول تجاوزت قيمتها 700 مليون دولار، بينها طائرتان حكوميتان مسجَّلتان باسم الدولة الفنزويلية.
ووصفت وزارة العدل الأمريكية الخطوة ب”التاريخية”، مؤكّدة أنّ مادورو “أحد أهم بارونات الكوكايين في العالم”، وأنّ توقيت القرار يأتي انسجاماً مع “مقتضيات الأمن القومي الأميركي”.
ويعود استهداف مادورو في المسار القضائي إلى مارس/آذار 2020 عندما وجّه الادعاء الفيدرالي في نيويورك اتهامات له ولقيادات فنزويلية عسكرية بإدارة “كارتل دي لوس سوليس” بالتعاون مع حركة فارك اليسارية الكولومبيّة واستخدام طرق التهريب البحرية والجوية عبر شمال فنزويلا وجنوب كولومبيا لتصدير الكوكايين نحو أميركا الوسطى فالولايات المتحدة. وحينها رُصدت مكافأة 15 مليون دولار فقط، لكنّ إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الثانية رفعتها إلى 25 مليوناً في يناير/كانون الثاني 2025 مع تنصيب مادورو لولاية ثالثة طعنت في شرعيتها المعارضة المدعومة من واشنطن، قبل أن تتضاعف اليوم إلى 50 مليوناً مع إدراج عصابتي “ترين دي أراگوا” و”كارتل دي لوس سوليس” الفنزويليتان على لوائح الإرهاب.
وزير الخارجية الفنزويلي إيفان خيل وصف القرار الأمريكيّ بـ”الرصاصة الفارغة” و”سيركاً دعائياً بائساً”، متّهماً واشنطن بمحاولة صرف الانتباه عن “أزماتها الداخلية” عبر ابتزاز سياسي مفضوح، ومؤكّداً أن “كرامة الوطن ليست للبيع”. التصعيد الإعلامي للنظام التشافيزي ضد الولايات المتحدة رافقته اتهامات للمعارضة بـ”التواطؤ مع العدوان” في ظل حملة اعتقالات شملت اقتصاديين مستقلّين وصحافيين بتهم تتعلق بزعزعة الثقة في الاقتصاد المحلي والتنسيق مع عدوان اقتصادي خارجيّ تُتهم بإدارته المخابرات المركزيّة الأمريكيّة.
ويقول خبراء بالشأن الفنزويلي إن القرار كان تشكلاً لتصعيد أمريكيّ متوقع بعد أقلّ من ثلاثة أشهر على فوز تحالف التجمع الوطني البوليفاري بقيادة الحزب الاشتراكي الموحد (PSUV) بـ 82,6 % من مقاعد الجمعية الوطنية في انتخابات 25 مايو/ أيّار الماضي، مع انتزاعه منصب الحاكم ل 23 من أصل 24 ولاية في الاقتراع الإقليمي المتزامن، ما يفسح المجال أمام تشافيزيي البرلمان للمضي في التشريع لخطط النظام بلا معارضة تُذكر، أقله حتى العام 2031.
فقدان نافذة البرلمان، التي كانت المعارضة المتأمركة تسيطر عليها في دورة 2016–2021، أطفأ آخر رهان أميركي على إزاحة التشافيزيين عبر انقلاب مؤسساتي، ما يفسّر توقيت مضاعفة الجائزة بعد أيام من افتتاح الدورة التشريعية الجديدة. واعتبر دبلوماسيون في منظمة الدول الأميركية أنّ واشنطن من خلال مضاعفتها قيمة المكافأة للقبض على مادورو تبعث رسالة بأنّ صندوق الاقتراع الفنزويلي لم يعد معياراً مقبولاً لشرعية النظام.
سعي واشنطن لإزاحة اليسار من السلطة في كراكاس لا يتعلق بالطبع بشخص الرئيس مادورو بل تعود جذوره إلى تولي هوغو تشافيز الحكم هناك عام 1998، وذلك بعدما اصطدمت فلسفة التحرر البوليفارية التي تبناها النظام بخطوط حمراء أميركية: أولها تأميم النفط وحصر الامتيازات بشركة النفط الفنزويلية الوطنية، مع فتح الحقول للاستثمار أمام الصينيين والروس على حساب الشركات الأميركية الكبرى – التي سيطرت تاريخياً على ثروة البلاد قبل التشافيزيين -، وثانيها التموضعات الجيوسياسية المناهضة للهيمنة الغربيّة عبر التحالف مع طهران وموسكو وهافانا، وتوقيع اتفاقيات دفاعية مع بكين، وثالثها يتعلق بالنموذج الاجتماعي الاشتراكي القائم على إنفاق عوائد النفط على برامج التعليم والصحةٍ والإسكان والتشغيل ما خفّض الفقر بين الفنزويليين إلى النصف في العقد الأول للألفية، مقدّماً بديلاً يسارياً عملياً للنيوليبرالية المتوحشة التي تفشت في أمريكا اللاتينية.
تنوّعت أساليب الحرب الأميركية على كاراكاس بين دعمٍ غير مباشر لانقلاب نيسان/أبريل 2002، إلى عقوبات نوعية على مسؤولين بعد احتجاجات 2014، ثمّ منعت وصول كراكاس إلى أسواق المال في 2017 وحظرت صادرات النفط الخام في يناير 2019 مفاقمةً انكماش الاقتصاد بنسبة %86 بين 2014 و 2021، ثم رفعت مؤقتاً وبشكل جزئي الحظر على تصدير النفط في 2023 في ظل حاجة الأسواق نتيجة الحصار على روسيا، قبل أن يُعاد تشديده هذا العام ترافقاً مع تهديد بفرض تعرفة 25 % على الدول التي تستورد نفطاً فنزويلياً ابتداءً من نيسان/أبريل 2025.
ويستعد الجمهوريون الآن لخوض انتخابات الكونغرس الأمريكي 2026 بخطابٍ متشدد ضد ما تبقى من (ديكتاتوريات يسارية) أملاً في اجتذاب أصوات الأميركيين الفنزويليين والكوبيين في لا سيما في ولاية فلوريدا. ولم يخف السيناتور الطامح للرئاسة ووزير الخارجية ماركو روبيو الأمر، متبجحاً بالقول: “رفع قيمة المكافأة يذكّر الناخب بأنّ الحدود الجنوبية ليست مجرد أزمة هجرة، بل تهديد أمني مصدره مادورو.”
وفي مواجهة حرب الخنق المالي الأميركي، لجأت كاركاس إلى بيع النفط المخفّف بخصومات تصل إلى 40 % للصين والهند عبر شبكات وسطاء، وإلى برنامج مقايضة الذهب بالوقود الإيراني. كما انضمّت فنزويلا رسمياً في يونيو 2025 إلى مبادرة “الحزام والطريق” الصينية على أمل استقطاب استثمارات بنية تحتية لا تمرّ عبر النظام المالي الغربي. إلى جانب ذلك، مُنحت قيادة الجيش حصصاً في مشاريع تعدين الذهب لضمان ولائها، ما يقلّل احتمال حدوث انشقاق قد تراهن عليه واشنطن من خلال الرشاوى وفق النموذج السوري.
إن المقامرة الانتخابيّة الأمريكية بوضع مكافأة للمساعدة على اعتقال رئيس منتخب يُحيل دون شك إلى ما هو أعمق من مجرّد تهم تهريب مخدّرات: صراعٍ على نموذج تنموي مناهض للنيوليبرالية، وعلى موقع فنزويلا في خارطة الطاقة والموارد في العالم. ومع ذلك يرى مراقبون أن الخطوة، على أهميّتها الرمزية، لن تترجم عملياً ما لم تُرفَق بحظر ثانوي على وسطاء الذهب وتجار النفط، والذي من شأنه أن يدفع بفنزويلا إلى أحضان حلفاءها في طهران وموسكو وبكين أبعد فأبعد، أو يسرّع بيع أصولها لشركات صينية بأسعار منخفضة، ما يفقد واشنطن أي نفوذ تفاوضي مستقبلي. في المقابل، يظل الخوف من انفجارٍ اجتماعي داخلي – أو صدامٍ إقليمي مع كولومبيا – رادعاً للأمريكيين من تشديدٍ مفرط في العداء، إذ أن هكذا سيناريوهات قد تزعزع أسواق الطاقة عبر خروج الدولة صاحبة أكبر رصيد نفطي في العالم من معادلة تريد الولايات المتحدة أن تبقى تحت سيطرتها المطلقة.
– لندن
2025-08-09

تعليق واحد
عندما طرح ترامب بفرض رسوم كمركية عالية على كل من يشتري النفط الروسي وكان يقصد الهند والصين ، وقال ان اوربا ستزود اوربا بالنفط الامريكي وبما ان روسيا تصدر 10% من النفط العالمي فلا يستطيع النفط الامريكي ان يعوض النقص في الاسواق فلجأت في البداية امريكا الى تخفيف العقوبات على فنزويلا ثم بعد ذلك طلبت من فنزويلا ان ترفع من الانتاج وأسعار مخفضة لتعويض النفط الروسي من الاسواق وعندما رفضت الحكومة الوطنية في فنزويلا ضدرت التهم كما تعودنا وضوعفت المكافات حول الرئيس الشرعي مادورا.
الرئيس مادورا سابقا تعرض لعدة محاولات اغتيال من قبل امريكا
امريكا والغرب صنعوا دمية فنزويلية معارضه واعطوه الصفة الرسمية بانه رئيس فنزويلا. واقصد هنا اخوان غوايدو الذي تبخر اسمه ولم يعد في الاعلام .
الان امريكا توجه الافلام الهوليودية حول المتاجرة بالمخدرات للرئيس الفنزويلي كما تعودنا سابقا مع رئيس نيكوراغوا
دانيال اورتيغا.