رأي وموقف
عن طبيعة وحجم الأزمة في بلادنا والمواجهة…
احمد الناصري
هناك أزمات بنيوية (تاريخية) طاحنة تمر بها بلادنا ومنطقتنا المترابطة، لها أسسها وأسبابها القديمة والجديدة، تتعلق بالسياسة والاقتصاد والثقافة، وحالة ودرجة تطور الدولة والمجتمع. وهناك الخارج ودوره الخطير الحاسم، الذي أسس هذا الوضع وسيطر وتدخل وأعاد احتلال بلادنا والمنطقة بالقوة العسكرية الساحقة.
نشأت عن الوضع الداخلي والتطورات السابقة بعد حقبة الاستعمار، دول وطنية وأنظمة سياسية ضعيفة ومشوهة، لم تنجز برامج وخطط وتحولات سياسية اقتصادية اجتماعية على أساس مشروع نهضة وتقدم، وتحولت إلى سلطة أمنية قمعية، تسيطر على دولة فاشلة ثم دولة منهارة. بعدها تفاقم الجوع والصراع وضياع الأمل والأفق.
هنا ظهرت وتدخلت جهات كثيرة مرافقة للاحتلال والطائفية والتقسيم والتخريب، كي تنشر آرائها بالتدريج وعلى دفعات، لتضرب وتطيح بالأسس البسيطة لوضعنا ومصالحنا.
هناك جهات تدير وتوجه العمليات الرئيسية في التخريب السياسي والنفسي والثقافي، وهناك متلقي ومتلقف وناقل (الوسيط والوسط)، يعيد نقل كل شيء من دون فحص ومعرفة وفهم. الأمثلة كثيرة خرقاء في تجربتنا العراقية من الاحتلال والطائفية وهذا الوضع والعمل السياسي الأخرق، وقضية فلسطين ومشروع الاحتلال، والآن كارثة انفجار بيروت وهذا الاندفاع الفوري الجاهز، في موسم الخلط والخبط والخرط، وصل إلى مراحل خطيرة (لكنها مقصودة) في انحطاط الأسلوب واللغة والحجج، على الجانبين ومن الطرفين. وهذه من أساليب وأدوات ونتائج كارثة التخريب…
عندما لا نتفق مع إيران أو أي نظام سياسي في المنطقة (حتى السعودية)، لأنه لا يتفق مع مصالحنا الوطنية الداخلية، فإن ذلك لا يعني من حيث الموقف الوطني (الخاص بمصالحنا كمعيار وحيد) أن نؤيد المخطط الأمريكي (الذي يقف خلفه الكيان ويخدمه مباشرة) تلقائياً لتدمير المنطقة، أكثر من هذه الدرجة الحرجة التي وصلت إليها (بسبب المخطط الأمريكي كعامل خارجي رئيسي وعوامل أخرى) والسيطرة عليها وتأمين النفط وحماية الكيان وسحق وتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية الطبيعية وشعوب المنطقة، فهذا صراع خارجي عالمي وإقليمي، سيكون ضد مصالحنا مثلما حصل عند احتلال وتدمير بلادنا.
هناك انزلاق والتباس وخطأ وتورط وتبسيط (يشبه تأييد احتلال بلادنا)، يصل إلى حد البلادة والبلاهة والتهريج أو العمالة، في اعتبار التحرك الأمريكي الجديد مفيد لنا ولمصالحنا الوطنية (هل يقع هذا التحرك خارج المخطط الأمريكي التقليدي وتحولاته وتطبيقاته؟).
أمريكا تدير خلافات وحروب كثيرة حول العالم (تجارب أمريكا اللاتينية والخليج والموقف من فلسطين ولبنان ومصر وحرب تدمير اليمن والصين وروسيا)، كي تبيع السلاح وتضمن مصالحها بشروطها الاقتصادية والسياسية، من خلال حمايتها لأنظمة تابعة، فكيف نؤيد عدوان جديد على المنطقة من زاوية مصالحنا وفوائدنا ووضع المنطقة المترابط والمنهار؟ وماذا نستفيد عندما لا يحصل هذا العدوان؟
إنها منطقتنا وبلداننا ومدننا وشعوبنا ومصالحنا التي نعرفها والتي تخصنا…
نحن أبناء هذه المنطقة (الأرض اللغة اللغات والثقافة والواقع). فأنا إنسان من المنطقة، ثم وطني وماركسي وأممي إنساني. هذه هي العلاقة والصلة، وكيف ننظر لها؟…
الشعوب والمنطقة يمكن لها أن تنهض بالتدريج، بواسطة العقل والنقد والمراجعات، للتخلص من التخلف وتركة وآثار الماضي البعيد والقريب السلبية وتطوير المجتمع والدولة الوطنية.
البداية حققها وأنجزها الشعب الفلسطيني (كذلك التحرك الوطني العراقي الواسع ضد الوضع الطائفي السقيم والعقيم) الذي يقاوم ويستمر، وقد منع وأوقف تداعي وانهيار المنطقة النهائي والتام، وأبقى على شعلة الأمل، وهو يواصل نضاله الشاق تحت ظروف قاهرة.
لا يمكن مواجهة التدخلات الخارجية (العالمية والإقليمية) من دون دولة وطنية مستقرة (ليست ضعيفة ولا فاشلة أو منهارة أو طائفية متخلفة)، فنحن لا نستفيد وطنياً وداخلياً من أية تحولات وتطورات من دون دولة وطنية تعرف كيف تحمي مصالحنا!
هي بلادنا ومنطقتنا، والوضع يخصنا ولا يخص أحداً غيرنا كي يتحكم بهما أو يقرر مصيرهما! أنه موضوع الاستقلال الوطني والتطور التدريجي (النهضة) والتقدم، وتجاوز التخلف والخراب والتبعية…
الوضع بحاجة إلى دراسة تستند إلى الفكر السياسي الوطني لفهمه والتعرف على شكل ودرجة الواقع المحدد والمواقف المطلوبة
2025-08-09
