نظرية “فرن البيتزا” ودورها في الهيمنة الأمريكية سياسيًا واقتصاديًا!
رنا علوان
“أفران البيتزا”… هو مصطلح يُستخدم أحيانًا بطريقة مجازية أو ساخرة ، أما أصل المُصطلح مرتبط بنظرية تُستخدم لتوضيح المُفارقة التي تحدث عندما تتوفر وسائل كثيرة دون حاجة فعلية إليها ، والرسالة وراء هذه النظرية هو امتلاك موارد كثيرة لا يعني بالضرورة تحسين الأداء ، إنما الأهم هو إدارة الموارد بطريقة تتناسب مع الحاجة الفعلية ، ذلك لأن الكفاءة تعتمد على التنسيق والطلب أكثر من الاعتماد على العدد
تعكس هذه النظرية كيفية استخدام الولايات المتحدة لعوامل الضغط الاقتصادي والعسكري والثقافي كأدوات لإخضاع الدول الأخرى ، تمامًا كما تعمل حرارة الفرن على طهي البيتزا وجعل مكوناتها خاضعة لعملية الطهي ، وتعتمد هذه النظرية على تشبيه السياسة الأمريكية بفرن البيتزا ، حيث تقوم الولايات المتحدة بتسخين العالم بأحداث وصراعات وأزمات ، تجعل الدول الأخرى في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار ، مما يسمح لها بفرض أجنداتها الخاصة
وبكل تأكييد تتمتع هذه النظرية بمبادئ أساسية … لكن كيف تستفيد منها أميركا في الوقت الحالي ؟!؟
يرى الخبراء أن أميركا لا تسعى إلى تدمير خصومها مباشرةً ، وإنما تضعهم في “الفرن” لفترة كافية حتى يصلوا إلى نقطة الضعف والاستسلام ، تمامًا كما يتم طهي البيتزا حتى تنضج مكوناتها بالكامل
إن أولى المبادئ لهذه النظرية والتي تبرع بها اميركا “الشيطان الأكبر” هو [خلق أزمات مستمرة] ، حيث تعمد الولايات المتحدة الى تأجيج النزاعات الدولية وإشعال الصراعات الإقليمية ، سواء من خلال التدخل المباشر أو دعم الفصائل المتناحرة ، بحيث تظل الدول المُستهدفة في حالة ضعف دائم ، من ثم تدعم هذا المبدأ بمبدأ آخر يلائمه تمام المُلاءمة وهو التلاعب بالرأي العام ، حيث تعمل الولايات المتحدة على توجيه الإعلام العالمي لخدمة مصالحها ، مما يساهم في تطبيع سياساتها العدوانية وإظهارها كقوة خير عالمية
بعد ذلك تلجأ للتحكم في الاقتصاد العالمي عبر أدوات مثل العقوبات الاقتصادية ، والتحكم في أسواق المال ، وفرض الدولار كعملة عالمية ، لضمان استمرار سيطرتها على الدول الأخرى
لكن الأهم بين تلك الأدوات ، هي أداتها الأكثر انتشارًا ، “البنك الدولي وصندوق النقد” ، وقد نشأت هيمنتهم بفعل “نظرية الصدمة” ، وهي نظرية للعالم فريدمان ، غايتها السماح للشركات الأمريكية العابرة للقارات أن تتحكم بإقتصاد بلدان بأكملها ، وبما أن الشعوب لا تقبل إطلاقًا أن تصبح حياتها واقتصادها بيد حفنة من رجال الأعمال الأجانب ، كان لا بد إذًا من صدمة كبيرة لأهل البلد تجعلهم فاقدي الوعي حتى يقبلوا بالتغيرات الجديدة
أول بلد تم تطبيق النظرية عليه كانت تشيلي صاحبة النظام الاقتصادي الشيوعي ، وقد بدأ الأمر بتدبير انقلاب عسكري فيها دعمته الولايات المتحدة الأميركية برئاسة نيكسون ، و بعد الانقلاب جاءت الصدمة على شاكلة ارتفاع كبير بالأسعار و أعمال شغب ، و اعتقالات تعسفية وخطف علني في وضح النهار ، وفوضى عارمة في البلاد ، و ارتفاع في مستويات البطالة ، فكانت البلاد تسير مسرعة نحو الهاوية حتى أصيب الناس بشلل في التفكير و الفهم ، فلم يعودوا قادرين على استيعاب ما يجري وكيف الخلاص ، و في لحظة الصدمة هذه جاءت الحلول المُمنهجة من قِبل صندوق النقد الدولي التي ستنقذ البلد على حدّ زعمهم ، و ذلك عبر تحول اقتصاد تشيلي لاقتصاد سوق حرة ، أي أن ترفع الدولة يدها عن الاقتصاد بشكل كامل كي تتمكن الشركات الأمريكية من سيادته ، فقبلت الدولة بذلك ، و الشعب أيضًا قبله و انتصرت نظرية الصدمة
نستنتج إذًا ، ان لنظرية “فرن البيتزا” دور سياسي في الغطرسة الأمريكية ، وهي تُستخدم أيضًا لتبرير السياسات الخارجية العدوانية للولايات المتحدة ، فعلى سبيل المثال ، نجد أن التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط ، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا ، قد خضعت لمنطق “فرن البيتزا”، حيث تم خلق حالة من عدم الاستقرار تمهيدًا لفرض حلول أمريكية تتناسب مع مصالحها الجيوسياسية ، وهذا ما يؤكده الخبراء ، وربما العراق هو الدولة الأكثر تضررًا ، وقد تحقق هذا التضرر عبر سياسات صندوق النقد الدولي منذ احتلاله عبر قوانين “بريمر” التي سمحت بتوغّل الشركات الامريكية في البلد وسادت فيه الاحتكارات ، وطبعًا ليس النموذج العراقي هو الوحيد ، ولتلخيص الدور الشرس لصندوق النقد الدولي تشير بعض الأوساط الاقتصادية الامريكية الى ان “سياسته تتعارض مع حقوق الانسان”
ولكي لا نذهب بعيدًا في سردنا هذا سنبقى في العراق كمثال لتوضيح آلية التنفيذ ، فلقد تم وضع بنود عديدة
وهذه البنود توضح الهدف من تدخل أميركا بالعراق إذ تقع جميعًا في خدمة المصالح الأميركية ، وعليه فإن تحرير التجارة هو بند رئيسي ، والهدف منه تطبيق السياسات الليبرالية التي تتبعها الولايات المتحدة … هذا التحرير للسوق سيخوّل للعملة الأميركية بأن تجتاح الدول العربية ، وهذا من أحد أهم أهداف صندوق النقد الدولي ، إضافة لأن البند رقم 18 يشير الى استقلالية البنك المركزي العراقي ، وهذا كما قال البروفيسور كاتاسونوف يعني جعل البنك المركزي العراقي بنكًا لخدمة الفيدرالية الأميركية كما هو الحال في بنك روسيا…
أما البند رقم 39 على سبيل المِثال أيضًا لا الحصر ، نجد انه يُسلّط الضوء على الخصخصة ، التي تُعدّ أفضل طريقة لفرض الهيمنة الأميركية ، فغياب الدولة يخوِّل للولايات المتحدة التحكم بالشركات المحلية وبالقطاعات الاقتصادية ، فلا نستطيع إخفاء ( أن ما تملكه أميركا من سلطة عبر شركاتها متعددة الجنسيات هو أمر مُقلق جدًا وطريق من طرق السيطرة الفعليّة) ، أما البند رقم 81 فيوضح ذلك ، لأن الهدف منه هو الحدّ من الاكتشافات العلميّة ، والتطوّر في أحد أهم القطاعات الاقتصادية وهو القطاع الزراعي ، وبالتالي يبقى هذا القطاع معتمدًا على الشركات الأميركية ، وبمعنى أصح (تبقى العراق في تبعية تامة للولايات المتحدة الأميركية)
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هُنا ، هل نظرية فرن البيتزا دائمًا تُؤتي أُكلها ؟!؟
فقد يعتبر البعض انها نجحت في الملف العراقي وغيرها من الدول ، لكن لو أخذنا مِثال حديث ومُغاير وهو الملف الأوكراني ، فما حدث فعليًا هو ان اميركا لجأت لإستخدام مخلبها الأوكراني بدلاً من المواجهة المباشرة مع روسيا ، فعملت على دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا ، مما أدى إلى استنزاف موسكو وإبقائها داخل “الفرن” لفترة طويلة ، رغم هذا فشلت ، وقد يبرر البعض هذا الفشل ، بسبب توزيع نار الفرن على منطقة الشرق الأوسط ، ما قلل من وهجها على روسيا
وبالمقارنة بين المنطقتين ، نجد ان الفرن في الشرق الأوسط ، من خلال دعم اميركا للكيان الإسرائيلي اللقيط ، وإثارة التوترات بين إيران والدول الخليجية ، كان ناجحًا على خلاف ما جرى مع روسيا وبوقت أقصر ، فالمنطقة دخلت في حالة غليان شديد أدى الى سقوط سوريا الأسد
نأتي الى الدور الاقتصادي لنظرية فرن البيتزا
اقتصاديًا ، تستغل الولايات المتحدة نظرية فرن البيتزا لضمان استمرار هيمنتها على الأسواق العالمية ، من خلال فرض قواعد اقتصادية غير عادلة وإبقاء المنافسين في حالة من “الطهي البطيء”
أدوات الهيمنة الاقتصادية وفقًا للنظرية:
العقوبات الاقتصادية : كما فعلت مع إيران ، روسيا ، وفنزويلا ، حيث فرضت عقوبات تجبر هذه الدول على التكيف مع اقتصاد منهك وضعيف
التحكم في المؤسسات المالية الدولية : مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ، اللذيّن يُستخدمان لفرض سياسات تقشفية على الدول النامية ، كما ذكرنا أعلاه ، مما يبقيها داخل “الفرن” الاقتصادي
التلاعب بسوق النفط والعملات : وذلك عبر التّحالف مع دول كبرى مثل السعودية ، فتتحكم أمريكا في أسعار النفط ، مما يؤثر على اقتصاديات خصومها
لكن هل ما جرى الأسبوع الفائت من غليان في الأسواق العالمية له علاقة بنظرية فرن البيتزا
فلقد تكبّد أثرياء العالم خسائر فادحة تجاوزت 200 مليار دولار ، إثر انهيار حاد في البورصات العالمية نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على الواردات إلى الولايات المتحدة
وبحسب مؤشر بلومبرغ للمليارديرات (BBI) ، الذي يتتبع ثروات أغنى أثرياء العالم من تتجاوز أصولهم المليار دولار ، فقد خسر 13 من كبار المليارديرات – والذين لا تقل ثروة كل منهم عن 100 مليار دولار – ما مجموعه 208 مليارات دولار ، في يوم واحد ، بإنخفاض متوسط بلغ أكثر من 3% لكل منهم
وقد تصدر مارك زوكربيرغ قائمة الخاسرين
حيث جاء في مقدمة المتضررين الرئيس التنفيذي لشركة ميتا ، الذي فقد 17.9 مليار دولار من ثروته بعد تراجع سهم الشركة بنسبة 9% ، لكن رغم هذه الخسارة ، لا يزال زوكربيرغ يحتفظ بالمركز الثالث في قائمة BBI بثروة تبلغ 189 مليار دولار
كذلك خسر مالك أمازون جيف بيزوس نحو 15.9 مليار دولار ، في حين تراجع صافي ثروة مالك تسلا إيلون ماسك بـ 11 مليار دولار ، ليرتفع إجمالي خسائره منذ بداية العام إلى 110 مليارات دولار
– نظرية فرن البيتزا وارتدادها السلبي الذي نتج عن تهور دونالد ترامب
يُعتبر ترامب رجلاً إقتصاديًا ، فهو الحائز على شهادةٍ من جامعة بنسلفانيا عام 1968 بدرجة البكالوريوس في الاقتصاد ، وبحسب (CNN)– فقد لجأ الرئيس الأمريكي ، إلى وسائل التواصل الاجتماعي ، أمس الاثنين ، للقول إن الولايات المتحدة في وضع اقتصادي أفضل ، على الرغم من حقيقة أن الأسواق الأمريكية والعالمية قد انخفضت بشدة
وكتب ترامب في منشور على موقع “تروث سوشيال”: “أسعار النفط منخفضة ، وأسعار الفائدة منخفضة (على الاحتياطي الفيدرالي بطيء الحركة خفض أسعار الفائدة!!!) ، وأسعار المواد الغذائية منخفضة ، والتضخم مستقر ، والولايات المتحدة ، التي تعرضت لسوء المعاملة لفترة طويلة ، تجني مليارات الدولارات أسبوعيًا من الدول التي استغلتها من خلال الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل”
وزعم الرئيس الأمريكي أن البلاد ستجني مليارات الدولارات من خلال الرسوم الجمركية التي فرضها على الدول الأخرى ، بينما يواجه سوق الأسهم أسوأ بداية لولاية رئاسية في التاريخ الحديث ، بحسب ما أفادت شبكة CNN
وتابع ترامب في منشوره : “هذا على الرغم من حقيقة أن أكبر المسيئين على الإطلاق ، الصين ، التي تنهار أسواقها ، رفعت للتو تعريفاتها الجمركية بنسبة 34% ، بالإضافة إلى رسومها الجمركية المرتفعة بشكل سخيف على المدى الطويل ، غير معترفة بتحذيري للدول التي استغلتنا بعدم الرد … لقد كسبوا ما يكفي ، لعقود من الزمن ، مستغلين الولايات المتحدة الأمريكية !!! يقع اللوم على قادتنا السابقين لسماحهم بحدوث ذلك لبلدنا … اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى!!!
لكن الحقيقة هي أن هذه الخسائر أتت في وقت يثير فيه دعم عمالقة التكنولوجيا لترامب خلال الانتخابات الأخيرة تساؤلات واسعة … فقد تبرع ماسك بأكثر من 290 مليون دولار لحملات داعمة لترامب ، بينما ساهمت كل من ميتا وأمازون بمليون دولار في حفل تنصيبه ، وتبرع تيم كوك ، الرئيس التنفيذي لآبل ، بمليون دولار شخصيًا …
وفي بداية ولاية ترامب ، عبّر عدد من كبار رؤساء الشركات التقنية عن أملهم في تقليص القيود التنظيمية ودعم قطاع الذكاء الاصطناعي ، وسط منافسة متزايدة مع الصين ، إلا أن النتائج جاءت عكس التوقعات ، مع فرض مزيد من الرسوم التي أربكت الأسواق
الهبوط لم يقتصر على الشركات الأمريكية ؛ فقد شمل أثرياء من دول مختلفة ، مثل الألماني توبي لوتكه (Shopify)، والفرنسي برنارد أرنو (LVMH)، والتايواني زانغ كونغيوان (Huali Industrial)، الذين تأثرت شركاتهم سلبًا بالهبوط المفاجئ في الأسواق
ومن بين العشرة الأوائل في قائمة BBI ، كان مؤسس مايكروسوفت بيل غيتس الأقل تضررًا ، بخسارة بلغت 291 مليون دولار فقط ، أما بقية الأسماء في القائمة فخسر كل منهم ما لا يقل عن 2 مليار دولار
أما المفارقة كانت في المكسيك ، حيث ارتفعت ثروة أغنى رجل في البلاد ، كارلوس سليم ، مستفيدًا من إعفاء بلاده من الرسوم الجمركية الجديدة ، وتقلبات مواتية في سوق العملات
وفي ظل الترقب والحذر السائدين في الأوساط الاقتصادية ، يتوقع خبراء أن تتواصل الخسائر في ظل استمرار المخاوف من تداعيات الرسوم الجمركية ، وانعكاساتها على الأسواق والمستثمرين حول العالم
ختامًا ، رغم كل شيء ، فإن نظرية فرن البيتزا تعكس طبيعة الهيمنة الأمريكية على العالم ، حيث تستخدم واشنطن مزيجًا من السياسة والاقتصاد والثقافة لإبقاء خصومها في حالة ضعف دائم ، وهذه النظرية ليست مجرد وصف لحقيقة موجودة ، بل هي تحذير للدول من مخاطر التبعية والانجرار إلى فخ الطهي البطيء ، الذي ينتهي عادة بسيطرة الولايات المتحدة على الموارد والمصائر ، يكفي الرضوخ والموافقة على الاتفاقيات التي تعقدها الحكومات مع صندوق النقد ، والتي لا تنضوي تحت مظلة الاتفاقيات الدولية ، وبالتالي فإنها لا تحتاج تصويتًا برلمانيًا أو موافقة برلمانات تلك الدول ، كما يعتبر صندوق النقد الدولي مدينًا مميزًا ، أي أن القروض الممنوحة من قبله لها أولوية تامة في السداد
وقد نختلف حول تقييمنا لدور صندوق النقد الدولي ومدى نجاحه ، لكن ما بات مُؤكدًا ، أن الآثار الاقتصادية الكارثية التي ظهرت على أغلب الدول المُقترضة ، تُظهر دورًا خفيًا يلعبه صندوق النقد الدولي ، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية
2025-04-09
