سعادة مصطفى أرشيد ظهر مصطلح الحروب العالمية في مطلع القرن العشرين، وكان قد سجل التاريخ حربين عالميتين، الأولى 1914- 1918 وقد دارت رحاها في أوروبا وممتلكات الدولة العثمانية بما فيها بلادنا، والثانية 1918-1945 وشملت أجزاء أخرى من العالم بما فيه الشرق الأقصى ولكنها لم تصل إلينا وتوقفت في الصحراء الليبية ولم تتقدم بعد ذلك باتجاهنا، مكان هزيمة رومل في معركة العلمين، في الحربين العالميتين كان أكثر من ثلثي العالم جغرافيا خارج الحرب، من هنا يذهب تحديد عالمية الحرب أو إقليميتها المحدودة، لا إلى اتساع رقعتها، وإنما لنتائجها ومفاعيلها العالمية، فالحرب تكون عالمية إذا كانت نتائجها عالمية وإن دارت على بقعة محدودة من الأرض، أو شاركت فيها دول قليله، بهذا التعريف نستطيع القول إن الحرب المندلعة اليوم بين روسيا وأوكرانيا هي حرب عالمية، إذ إن نتائجها لن تقتصر على انتصار إحدى الدولتين وهزيمة الأخرى، وإنما سينتج منها نظام عالمي جديد.
ناءت أكتاف أوكرانيا بما لا قبل لها بحمله، فلقد ظنت أن دعم وتحريض واشنطن لها شيك له رصيد، و لم تدرك أن أميركا تريد من الآخرين أن يقاتلوا في حروبها لا أن تقاتل هي دفاعا عن أي حليف، ثم افترضت أن اتكاءها على حلف شمال الأطلسي قادر على منحها القوة المباشرة أو الرادعة التي تكفل لها تحدي جارها الروسي القوي، لم يقم الأطلسي بأي عمل فعال فيما كانت روسيا تتجهز للحرب، باستثناء تحديد مواعيد مفترضه لبدء الهجوم، وكان في ذلك فرصة ثمينة للروس للتجهز لاحتمالات فرض حصار عليهم أو تنفيذ عقوبات ضدهم. يوم الثلاثاء الفائت اشتكى الرئيس الأوكراني بحسرة من التخاذل الأطلسي في دعم بلاده وقال انه متأكد أن بإمكان واشنطن فعل المزيد ولكنها تحجم وحذر الغرب من أن تخاذلهم عن ردع الروس سيجعل منهم طعاما سائغا للدب الروسي في القريب. اعتمدت أوكرانيا على القانون الدولي الذي يعطي الحق لكل دولة أن تعقد ما تراه من اتفاقات أو أن تبرم ما تشاء من معاهدات بما فيها الانضمام إلى أحلاف عسكرية أو متحدات اقتصادية. روسيا بدورها ضاقت ذرعا ونفد صبرها، وهي ترى التهديد قادم لأمنها القومي ولمصالحها الحيوية، لذلك فقد كان واضحا منذ البداية استعدادها للذهاب إلى أبعد مدى للحفاظ على أمنها القومي، وهي وإن كانت تفضل نصرا هادئا بدون حرب إلا إنه كان من الصعب تحقيق ذلك، فذهبت إلى خيار القوة المفرطة غير آبهة بالقانون الدولي الذي تعتد به أوكرانيا، وهي ترى أن خطرا داهما عليها يكمن في الرغبة الأوكرانية الذاهبة نحو الانضمام للأطلسي أو للمجموعة الأوروبية، هذا الأمر وإن كان منسجما مع قواعد القانون الدولي إلا انه استبداد أوكراني في استعمال الحق ( وفق ما تراه موسكو )، فهذا الحق يهدد روسيا وأمنها ومصالحها، وهو ما لا يمكن لموسكو أن تقبله.
لروسيا حلفها المحتشد والداعم لها حبا أو حاجة وضرورة وحسب مسؤول أوروبي أنهم يحتاجون الى سنوات للانفكاك من الحاجة الى الغاز الروسي الذي لم يتوقف عن التدفق عبر خط ( تريم 1) الذي قاربت أثمانه اليومية ملياري دولار بعد الارتفاع الحاد في أسعار الغاز والنفط، ثم إن روسيا لا تحتاج من حلفائها الى أكثر من الدعم السياسي حتى الآن، وذلك باستثناء الدعم السوري الذي منحها القدرة على الوجود في المتوسط، وبالتالي السيطرة على إمدادات الغاز العالمية إن اقتضت الحاجة، أما من يحتشد دعما لأوكرانيا فلا يبدو أن في وقوفه ذلك المنزع القادر والحاسم، الاميركان يتحدثون عن متطوعين مستعدين للقتال ضد الجيش الروسي، فيما تفيد الأنباء أن المقصود بهم هم مقاتلو ( مرتزقة ) شركة بلاك واتر (BLACK WATER ) التي تطالب بمبالغ فلكية ثمن إرسال مرتزقتها وذلك حسب تقارير اميركية، و أول من أمس أعلن الرئيس الأميركي حظر صادرات النفط الروسية ولحق به رئيس الوزراء الانكليزي ولا ننسى مشاركة شركة ماكدونالدز لبيع شطائر الهامبيرغر في المقاطعة و إغلاقها كافة فروعها على الأرض الروسية هذا فيما تعيد تركيا تأهيل داعش لنقلها من الشمال السوري للقتال في لأوكرانيا، وحسب فتوى داعية سعودي – وهابي : أن قتال المسلم مع كافر ضد كافر آخر هو أمر مستحسن، الحشد الثالث في هذه الحرب هو الذي يتواصل مع طرفي الحرب، بين مطالب بضبط النفس والجنوح للحوار، وبين محرض أو بين عارض لوساطة غير محتملة القبول من موسكو التي تريد إذعانا كاملا من كييف، وتطلب من الوسطاء بان ليس في جعبتها إلا قبول الأوكرانيين لكامل مطالبها، ومع أن الجزم في نتائج الحروب قد ينم عن استعجال غير محمود، إلا أن التقديرات تذهب في غالبها إلى أن روسيا ستكون المنتصرة في الجانب الإقليمي من الحرب، وهو أمر يعني أطراف الحرب بالأساس ثم جيرانهم في البلطيق وشرق أوروبا، أما العالم باتساعه فهو معني أكثر بنتائج الحرب العالمية، التي ستدفن النظام العالمي الأحادي القطب لمصلحة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. 2022-03-12