نتائج الحرب بين التوقع والتشكيل!
جمال الطاهات
ما أن يهدأ غبار المعارك وتتضح نتائجها الميدانية، حتى يبدأ العمل على صياغة المنظومات التي ستليها. طبيعة الحروب الحديثة، التي تحول الدم والحديد والنار إلى منظومات، تمنح الحالة الشعبية العربية، بما فيها من أحزاب وقوى فعالة، فرصة التأثير في نتائج الحرب.
التعريف الأكثر شيوعاً للحرب، بأنها استمرار للسياسة بوسائل عنيفة، يساعد على فهم وجهها الآخر، وهو أن هندسة الترتيبات السياسية التي تلي الحرب، هي من اعمال الحرب، ولكن بوسائل غير عسكرية. فطالما ان المتحاربين لم يتم افنائهم، وإنما الحرب كانت جزءاً من عملية التحول السياسي لهم، وطالما أن إراداتهم ما تزال ماثلة في المشهد الجغرافي وتمتلك خيارات (أغلقت الحرب بعضها، وفتحت الأفق لخيارات جديدة)، فهناك معارك بوسائل غير عسكرية مستمرة.
إن النظر خلف غبار المعارك، ليس من اجل التنبؤ، ولكن من اجل التأثير بالمنظومات التي ستنشأ بعد الحرب.
في العصر الأسطوري، سعى العرافون للتغلب على عدم اليقين في الحروب بالحديث عن إشارات (بشائر ونُذر) تخبر بنتائج المعركة من حيث النصر والهزيمة، مع تجاهل الترتيبات السياسية الناتجة عنها. مثلاً، لن يُهزم قوم زرقاء اليمامة حتى يمشي الشجر من حولهم. وذات الإشارة استعملها شيكسبير في مسرحية مكبث، حيث أكد العرافون لمكبث أنه لن يهزم حتى يمشي شجر المنطقة التي يشرف عليها. وفي القصتين، لجأ العدو لتقليع الشجر والتخفي به للتسلل إلى مكان مناسب لبدء هجومه. ولكن لم يتم التعرض لترتيبات ما بعد الحرب.
دور العقل والعمل الفكري في العصر الحديث ذهب إلى، مستوى آخر، وهو التخلي تماماً عن التنبؤ بنتائج الحرب، والانخراط الفعال بالمعارك غير العسكرية التي تليها، والمتعلقة بصناعة الترتيبات والمنظومات الجديدة. وهذا هو مفتاح التفكير في العصر الحديث، التخلي عن التنبؤ والتوقع، والتحول إلى بذل الجهد لصناعة النتائج.
راسل أكوف، وهو أحد مؤسسي جمعية علم الحاضر (Presentology Society)، يشير إلى مقولة كينيث بولدنغ: “لو عرفت اليوم ما سيكتب بصحف الغد، فإن الغد لن يتحقق”، ليبرر عبارته: “ليس لدي مصلحة بتوقع المستقبل، وإنما العمل المناسب في الحاضر لتشكيله”. ويمكن الاعتماد على كليهما للقول: “مهما كانت الظروف، هناك خيارات ممكنة للمساهمة بتشكيل الترتيبات الناتجة عن الحرب”.
فأهم ما ينتج عن حوارات الحديد والنار، هو مسارات المستقبل، فالحرب تفتح مسارات على شكل خيارات متاحة لأطرافها، وتغلق أخرى. والسؤال الذي يساعد المجتمع العربي على تطوير خياراته، هو استطلاع خيارات الأطراف الفاعلة، والتفاعل للتأثير بها.
فالمطلوب ليس التنبؤ، وإنما استطلاع واكتشاف الخيارات، والتفاعل معها. فهناك أسئلة عن خيارات الأطراف، التي تستلزم الحرب تغيير شكل حضورهم الإقليمي وبالتالي تغيرهم. فالخيارات التالية هي مسارات تتقرر بالعديد من العناصر، أهمها موقف المجتمعات العربية المستقل عن الأنظمة.
إيران:
أكثر أطراف الحرب انفتاحاً على تغيرات عميقة وذات طابع تاريخي هي إيران. هل ستفتح لها الآفاق لمتابعة أشواق (إيرانيتها) ام سترتد إلى فارسيتها التي غادرتها، حين انهارت من حولها الآفاق بعد الحرب العالمية الأولى؟ لقد تغير اسم الامبراطورية عام 1935 من فارس إلى إيران (أرض الآريين)، وذلك للتعبير عن أشواقها الأوروبية الغربية. ولكن يبدو أن هذا مسار مفروض عليه شروط صعبة، وتعترضه عقبة مركزية وهي قبول الغرب وأوروبا به. مما يعني انها ستوضع أمام امتحان تاريخي: إما أن تفتح لها الآفاق لتتابع “إيرانيتها”، أو ترتد إلى “فارسيتها” بعد أن تحولت موازين القوى العالمية، وجعلت هذا الارتداد مجدياً؟ فهل سنرى اتساعاً استثنائياً لآفاق التعاون الغربي الإيراني، لتمكين إيران من حل مشكلاتها الاقتصادية والأمنية، وتمكن أوروبا من الحفاظ على مركزيتها بالنسبة للإقليم؟ أم ستنهي أيران المركزية الأوربية بالنسبة للمنطقة؟
الولايات المتحدة:
هل ستتابع استراتيجية كارتر في تشكيل حضورها الإقليمي عبر قوات برية ضخمة، أثارت هذه الحرب الأسئلة حول جدواها، وتأثيرها في ميزان القوى على الأرض؟ هل ستصر الولايات المتحدة على فرض منظومة إقليمية قلقة تتطلب وكلاء على الأرض لإدامتها، كما كان الحال في الحرب الباردة، أم أنها ستتبنى منظومة إقليمية أقل تشوهاً مما هو الآن، وأقل حاجة للقوة لإدامتها.
إسرائيل:
إسرائيل مفتوحة على تحولات وجودية. هل ستتمسك بيمينها، ومنظور جابوتنسكي الذي يهيمن على عقلها، ويأخذها أسيرة لوهم الهيمنة على الإقليم؟ أم انها ستبدأ بالتحول إلى طرف إقليمي طبيعي أقل تشوهاً، ودون نزعات لتشويه الإقليم؟
المجتمعات العربية:
هل ستبقى النخب العربية غائبة، أم أنها ستحضر عبر برامج ومشاريع تتجاوز الأنظمة الراهنة، وتستعيد حضور الامة في المشهد الإقليمي، وتؤثر في خيارات الأطراف الثلاثة المذكورة أعلاه؟ وتزداد كلفة هذا الحضور كلما تأخر، وأيضاً تزداد تأثيراته على المنظومات الرسمية العربية. فيمكن له ان يحضر ويتبلور الآن بشكل سلمي، وتتعايش معه الأنظمة الراهنة، ولكن مع الزمن ستصبح الأنظمة أكثر حاجة للتمسك باحتكار صناعة الحاضر والمستقبل العربي. وسيتطلب كسر هذا الاحتكار معارك وتضحيات كبيرة.
انتقال النخب العربية (المستقلة عن الأنظمة) من خيار ضرب الودع للتنبؤ بنتائج الحرب، إلى خيار المساهمة في تشكيل المنظومات الإقليمية القادمة وتحديد ملامح الإقليم وهويته، يتطلب مبادرة تعيد التأكيد على أن هوية الأمة وإرادة شعوبها ومصالحهم ومواردهم حقائق تاريخية في الإقليم مستقلة عن الأنظمة الراهنة ومخططاتها واولوياتها. لتقول هذه الأنظمة ما شاءت، ولكن هناك إرادة أمة قائمة بشكل مستقل عنها، تعبر عن نفسها بشكل مستقل وتصر على التكامل مع موارد الامة عبر منظومات مستقلة عن الأنظمة الراهنة. وهذا خيار ممكن ضمن الظروف المتاحة، وهو فرصة تاريخية يجب عدم هدرها، ليس فقط لحفظ مصالح الأمة والتعبير عن وجدانها وقيمها، ولكن أيضاً للتأثير بخيارات الآخرين.
2025-06-30
