نتائج التقارب الروسي الأمريكي!
مصطفى السعيد*
مع إنطلاق اللقاء الروسي الأمريكي في السعودية، والإتفاق على عودة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين الدولتين، وقرب اللقاء المرتقب بين الرئيسين بوتين وترامب على الأراضي السعودية، بدأت التداعيات لهذا الحدث الكبير في الظهور، ومعها تساؤلات كثيرة عما يمكن أن تنجم عنه في العديد من المجالات، خاصة المتعلقة بالنزاعات الدولية، سواء في أوكرانيا أو المنطقة العربية والأزمة التايوانية، وكذلك التداعيات على التحالفات العسكرية والإقتصادية، مثل مستقبل حلق الناتو ومجموعة البريكس، وامتداتها على أفريقيا وأمريكا الجنوبية، فالحدث غير عادي بعد خصومات وحروب غير مباشرة على أكثر من جبهة بيم دولتين عظمتين. أولى النتائج كانت في اندلاع الغضب الأوروبي من الإنسحاب المرتقب للولايات المتحدة من الحرب الأوكرانية، لتتحمل أوروبا وحدها أعباء الحرب الثقيلة، والتي كانت واشنطن تساهم بنحو نصف تكلفتها، بالإضافة إلى ما كانت تقدمه من دعم لوجيستي وسياسي وإعلامي ومخابراتي، ومع ذلك لم تتمكن من وقف التقدم العسكري الروسي في أوكرانيا، وإن كانت أبطأته، وجعلته أكثر كلفة على روسيا، فهل يمكن لأوروبا أن تتحمل وحدها تلك التكلفة، وهي المتعبة إقتصاديا، والضعيفة عسكريا؟ تعيش أوروبا حالة من التوتر والغضب، فلا يمكنها أن تقبل بالإستسلام للأمر الواقع، وأن تعترف بعجزها الجماعي أمام روسيا، ولا يمكنها أيضا أن تعوض غياب الدعم الأمريكي، ولهذا كانت أول من ينتقد موقف الرئيس الأمريكي بوقف الحرب والموافقة على معظم مطالب روسيا، والمتمثلة في تمسكها بالأرض التي سيطرت عليها، ومنع إنضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وكان الرئيس الأمريكي قد طالب دول أوروبا برفع الإنفاق على التسلح بنسبة 5% من ناتجها القومي، وأن تشتري المزيد من الأسلحة من المجمع الصناعي الأمريكي، بينما دعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى تشكيل جيش أوروبي ومجمع صناعي أوروبي لتجنب السيطرة الأمريكية على قرارات الحرب والسلم والدفاع، وظهر اتساع الشرخ بين أمريكا ودول أوروبا في مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي، وتجلى في بكاء رئيس المؤتمر كريستوف هوسجن بعد أن قال إن المبادئ المشتركة بين أوروبا وأمريكا لم تعد مشتركة بعد اليوم. وكانت دموعه تعبر عن مدى الشعور بالألم من الموقف الأمريكي الذي عبر غنه نائب الرئيس الأمريكي فانس، وانتقد فيه أوروبا، واصفا إياها بأنها تقمع الديمقراطية وحرية التعبير للأحزاب القومية “التي توصف باليمين المتطرف والشعبوي”.
دوافع التقارب الأمريكي مع روسيا ليس غايتها التخلص من أعباء الحرب فقط، فلدى ترامب ثأرا مع قادة أوروبا المتحالفين مع غريمه بايدن، كما يريد حصاد بعض غنائم الحرب، ويريد إضعاف أوروبا حتى لا تجد ملاذا إلا إدارته، وتعلن الإذعان، وهي اللحظة التي يتمناها ترامب، ليفرض الهيمنة المباشرة على أوروبا، ونقل بعض صناعاتها إلى أمريكا، وإشراكها في مخططاته دون أي معارضة أو تباطؤ، لهذا ستدفع أوروبا الثمن الأكبر بعد أوكرانيا ورئيسها زيلينيسكي، الذي يبدو أن دوره قد إنتهى، وحان وقت رحيله من المشهد. أما الخاسر الثاني في اعتقادي فهو الرئيس التركي أردوغان، الذي كان يستغل انشغال روسيا في حرب أوكرانيا، ويعزز نفوذه في سوريا والمنطقة العربية والقوقاز وحتى أفريقيا على حساب روسيا. أما الإعتقاد بأن روسيا ستدفع المقابل إلى ترامب فهذا مبالغ فيه، لأن روسيا خسرت بالفعل بعض قدراتها، لكنها عززت اقتصادها، ورممت ما فيه من ثغرات، وتلقت مساعدات مباشرة أو غير مباشرة من الصين وكوريا الشمالية وإيران، ولن تتخلى عن أي منهم، يمكن أن تلعب دور الوسيط بين ترامب وتلك الدول لتخفيف الإحتقان، مثل التعهد بوقف البرنامج النووي الإيراني، ومتابعة المفاوضات مع كوريا الشمالية، والتخفيف من حدة المواجهة مع “بريكس”، والتوصل إلى تفاهمات حول القضية الفلسطينية، وهذا ممكن لأن ترامب يعترف صراحة أو ضمنا أن العالم قد أصبح متعدد
الأقطاب، وأن أزمات أمريكا لا يمكن حلها من خلال الحرب والصراعات، فهي لا تحتمل سباق تسلح مع الصين وروسيا، وتريد خفض نفقاتها العسكرية، وبالفعل بدأت في تفكيك بعض أدوات الهيمنة الناعمة، بما قد يقلص نفوذها الدولي، ويفتح طريقا نحو حلول سلمية، لكن هناك معوقات كثيرة، على رأسها التحديات التي يواجهها ترامب في الداخل الأمريكي مع “الدولة العميقة” وعلى رأسها البنتاجون، فهل ينجو ترامب من تلك المواجهة الصعبة أم يتراجع، وتعود الأمور إلى سابق عهدها؟ لا يمكن الجزم بالنتيجة، لكن المؤكد أننا على أبواب مرحلة تاريخية جديدة، لن تعود فيها أوروبا والولايات المتحدة إلى سابق قوتهما، والإستمرار في الصدام ليس لصالح أي منهما، فأوروبا تغازل الصين، وتحتاج إستثماراتها وسوقها الكبير، والولايات المتحدة باعت أقرب حلفائها، ويأمل ترامب في حصد المكاسب منها، وتحميلها نتائج الأزمات، بينما تترقب روسيا والصين النتائج، وتأملان في تحقيق نصر سهل مع تفكك الغرب وانهاكه في الصراعات الداخلية التي يبدو أنها قابلة للإستمرار والتمدد.
(الأهرام)
2025-02-27