أكبر بناء سياسي في المنطقة يواجه خطر الانهيار
اضحوي جفال محمد*
اكبر بناء سياسي على الاطلاق في منطقتنا هو مشروع التطبيع المستند على حجة الخطر الايراني، والتحالف مع اسرائيل ضد العدو المشترك (ايران). لقد بلغ هذا المشروع مستويات خيالية من النجاح النفسي والسياسي والفكري، يعبر عنه نسبة الناس في المجتمع العربي (السني) الذين تخلوا عن معاداة اسرائيل واصبحوا جاهزين لقبول احتلالها فلسطين. فقد شارك في الخطة جهات كثيرة: دوائر غربية خططت وأشرفت، ورجال دين كبار أفتوا بكل ما يخدم الخطة، وأموال عربية أنفقت بغير حساب، وإعلام جبار مهد وأقنع وحرض. الى درجة أن مقاومة اسرائيل باتت ممجوجة لدى كثيرين، وحتى كراهية الفلسطينيين كشعب باتت رائجة. وكان يفترض استمرار الخطة كما هي حتى استكمال خطواتها المعلن عنها بتوسيع التطبيع ليشمل من لم يطبع ثم محاربة ايران. غير ان تطورات حصلت أهمها طوفان الاقصى غيّرت المسار وتهدد المشروع كله بالانهيار.
النقطة الحاسمة في الموضوع هي ايصال واحد من اكثر التنظيمات الاسلامية (السنية) تطرفاً الى سدة الحكم في سوريا ليجد نفسه في مواجهة اسرائيل!. أهم ركنين تقوم عليهما الخطة هما الاسلام السني واسرائيل.. فكيف دُفعا الى وضع المواجهة؟. وقعا في المواجهة لأن البناء من أساسه ظرفي لتحقيق مصالح اسرائيلية. فالمال الذي يدخره شخص من الاشخاص لشراء سيارة، مثلاً، يمكن تغيير وجهته في حالتين: الاولى عندما تلوح فرصة أجدى، كأن يقرر شخص مضطر بيع بيته بنصف القيمة.. في هذه الحالة يغتنم صاحب المال الفرصة ويلقي مدخراته في شراء البيت. والثانية ان يحدث لصاحب المال حادث، كأن يمرض عنده مريض فيجبر على انفاق المدخرات في غير وجهتها الاصلية. المال في هذا المثال هو التعبئة الطائفية للسنة، ومالكها اسرائيل. فماذا حدث للمالك كي يغير وجهتها! قد يكون طوفان الاقصى هو الحادث الطارىء الذي اجبره على صرف الاموال دون وجهتها الاستراتيجية الى التكتيك بإيصال النصرة الى الحكم لتتولى حصار المقاومة. وقد تكون الفرصة الاكبر اتيحت للتوسع في سوريا فاغتنم الفرصة كما فعل ذاك الذي اشترى البيت بنصف قيمته.
اسرائيل لا مشكلة عندها في الامر لأن المسألة بالنسبة لها تكتيكات في نهاية المطاف، فلا فرق مبدئي في حساباتها بين سني وشيعي وبين عربي وايراني وبين حاكم وحاكم الا بمقدار ما يخدم اهدافها. المشكلة الحقيقية عند العرب (السنة) العاديين الذين تعاملوا مع القضية عاطفياً واصبحوا اسرائيليين الا حبة. هؤلاء يواجهون الان أزمة يعانون منها شعورياً ولا يعرفون كيف يعبرون عنها سياسياً. تابعوهم ستجدون أنهم يتجنبون ذكر التوسع الاسرائيلي في سوريا! وحتى عندما يُسألون عن مواقفهم يتهربون من الاجابة. يحاولون إقناع انفسهم بأن ما يجري في جنوب سوريا سفاسف عابرة وان العدو ما زال ايران، وينتظرون بفارغ الصبر انتقال التحولات الى العراق ثم ايران.
يحاولون اغماض عيونهم ريثما تتجاوز الاوضاع هذه (التحويلة المؤقتة) في جنوب سوريا وتعود المركبة الى مسارها المقرر. فإذا لم تعد المركبة الى المسار الاول يجدون أنفسهم مجبرين على اتخاذ موقف إما الى جانب سوريا (السنية) او الى جانب اسرائيل.. وذاك امتحان عسير. اذا قرروا الوقوف مع سوريا يعني إقرارًا بأن اسرائيل هي العدو وبذلك يعودون الى المربع الاول وتذهب كل تلك الجهود ادراج الرياح. واذا قرروا الوقوف مع اسرائيل ضد النصرة ستفرض عليهم قواعد المنطق اعتبار هذه الفصائل ايرانية ثم صفوية.
العقدة الفكرية والنفسية لا يواجهها البسطاء وحدهم وانما السلطات السورية والشرع ذاته. فالتجاهل المستمر لكل ما تقوم به اسرائيل من جانب الشرع يشير الى انه راغب في استمرار البناء المشاد. يرفض الاعتراف بأن اسرائيل هي العدو، ويتفانى في اداء دوره ضد المقاومة، ويثق باسرائيل كما وثق بها عرفات من قبل. الذي يقوم بهدم الخطة هو نتنياهو لأنه امام فرصة تاريخية لخلق واقع جديد، ولا يعنيه التضحية بالشركاء الوقتيين فهؤلاء يؤدون ادواراً ويمضون غير مأسوف عليهم.
( اضحوي _ 2068 )
2025-02-27