هل انتهت النهايات أم أننا نسيء فهمها؟ في نقد أطروحة “تفكّك أفق النهاية” وإعادة تأطير الحسم داخل بنية الصراع!
د. غانية ملحيس*
لا يأتي هذا المقال كرد مباشر على أطروحة الأستاذ خالد عطية “تفكك أفق النهاية”، بل كمحاولة لاختبار قوتها من داخل منطقها ذاته، ودفعها إلى الحد الذي تكشف فيه عن بنيتها التفسيرية وحدودها في آن واحد.
تقوم هذه الأطروحة على فرضية مركزية مفادها أن العالم المعاصر لم يعد ينتج نهايات حاسمة أو مكتملة، ليس نتيجة ظرف عارض أو خلل في أدوات التحليل، بل بسبب تحول بنيوي في طبيعة الصراع ذاته. لكن هل يُنتج هذا التحول استحالة أم إعادة تعريف فقط؟
أولا: الفخّ المركّب وحدود التأويل
يُفهم “الفخّ المركّب” داخل هذه السلسلة بوصفه إطارا لتفسير تعقّد الصراعات المعاصرة، لا لنفي إمكانيات التحوّل داخلها. فهو يشتغل عند تقاطع التدويل والتداخل البنيوي والاستنزاف الإدراكي. ويكشف كيف تتحول أدوات القوة، في بعض السياقات، إلى قيود تُبطئ الحسم، وتعيد إنتاج الصراع داخل مستوياته المختلفة.
غير أن هذا الإطار قد ينزلق في بعض قراءاته إلى تحول إشكالي، حين ينتقل من كونه أداة تفسير للتعقيد إلى تصور كلي لطبيعة العالم، أي تحويل الوصف إلى حتمية بما يجعل التعقيد نفسه مرادفا للاستحالة، ويحوّل الاتجاه البنيوي إلى قدر مغلق لا يتيح أي إمكانية للحسم.
المشكلة لا تكمن في التعقيد نفسه، بل في لحظة يتحول فيها المفهوم من أداة تفسير إلى نموذج مكتمل يدّعي الإحاطة بالواقع. في هذه الحالة، لا يعود المفهوم وسيلة لفهم الظاهرة، بل يصبح إطارا مغلقا يعيد إنتاجها ضمن حدوده الخاصة. فيما الوعي بالتعقيد سلاح يجعلنا نوجه ضرباتنا لـ “مفاصل النظام” بدلاً من إهدار الطاقة في الجدران المصمتة.
ثانيًا: ديمومة الصراع وحقيقة الحسم
تنطلق هذه القراءة من نقطة تأسيسية: الصراع يكاد يكون ملازما للتاريخ الإنساني، لكنه يتخذ أشكالًا ودرجات متفاوتة. لكنه في عصر الحداثة المادية اتخذ أشكالا أكثر تعقيدا واتساعا، وارتبط بقدرات عنف غير مسبوقة من حيث الأدوات والنطاق. الحسم لم يكن يوما نهائيا. فكل ما يُسمى “نهاية” في التاريخ لم يكن إغلاقا للصراع، بل إعادة ترتيب لموازين القوة داخله.
“النهاية” لا تُفهم بوصفها إغلاقا نهائيا، بل بوصفها انتقالا من شكل من أشكال الصراع إلى آخر. إنه مسار لا يتوقف، بل يتبدّل.
ثالثًا: الزمن بوصفه البعد الغائب
الزمن هنا يُفهم بوصفه بنية تفسيرية للصراع، أي كعنصر يعمل داخل تكوينه البنيوي، لا كأداة يمكن توظيفها. لكن هل الزمن نفسه محايد أم جزء من الصراع؟
واحدة من الثغرات المركزية في أطروحة “تفكّك أفق النهاية” هي التعامل مع الصراع ضمن أفق زمني قصير، حيث يُقاس الحسم بنتائجه المباشرة. غير أن “الفخّ المركّب” لا يعمل في الزمن القصير، بل في زمن التراكم، حيث تتشكل القوة تدريجيا وتُبنى السرديات. وعند لحظة معينة، يبلغ هذا التراكم حدّه، فيُنتج تحولا يُقرأ كـ “حسم”، لكنه في الواقع لحظة داخل مسار أطول، وليس نهاية له.
وبالتالي، فإن ما يبدو “لا- حسما” اليوم، قد يكون فقط ما قبل الحسم التاريخي. الزمن التاريخي هو ساحة اشتباك، حيث كل فعل مقاوم هو الذي يدفع لولب التاريخ للأمام، وبدونه، يتحول الزمن إلى ركود يخدم القوي.
يظهر هذا النمط بوضوح في حالة أفغانستان (2001-2021)، ليس بوصفها فشلا في تحقيق الحسم، بل كنموذج لاشتغال “الفخّ المركّب” في أقصى تجلياته. فقد تداخلت مستويات الصراع فيها على نحو حال دون تحويل التفوق العسكري إلى سيطرة بنيوية مستقرة:
٠ تدويل كثيف أعاد توزيع القرار خارج ساحة الصراع نفسها،
٠ بنية محلية مقاوِمة قادرة على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج ذاتها،
٠ وزمن استنزافي طويل أعاد تعريف معنى “النجاح”
و” الفشل” تدريجيا.
وعند لحظة الانسحاب الأمريكي، ظهر الحسم كإغلاق للصراع بالهزيمة الاستراتيجية والإضرار بصورة القوة الأمريكية، بما كشف أن ما بدا تفوقا حاسما في البداية قادرا على الحسم العسكري سقط، وشكّل ذلك تحولا معنويا عميقا في صورة القوة وحدودها، حتى لو استمر الصراع في مربعات أخرى، ومع أن ذلك لا يرقى بالضرورة إلى إعادة تشكيل موقع الهيمنة الأمريكية داخل النظام الدولي.
رابعًا: بين الاستمرار والحسم
يستخدم هنا التفريق الصارم بين مستويين غالبا ما يتم الخلط بينهما
• الاستمرار: يشير إلى بقاء بنية الصراع وتواصل دينامياته دون انقطاع.
• الحسم: يشير إلى تغير في موقع القوة أو في شكل توزيعها داخل الصراع.
ولا يُقصد بهذا المستوى تقديم تفسير لغياب الحسم أو حضوره، بل فقط ضبط الحدود المفاهيمية بين المصطلحين. لكن هل هذا التفريق ثابت أم إجرائي فقط؟
لا يُفهم هذا التفريق بوصفه ثباتا وجوديا في بنية الصراع، بل كأداة تحليلية إجرائية تهدف إلى ضبط القراءة ومنع تداخل المستويات دون الادعاء بانفصالها في الواقع.
خامسًا: القوة والحق – البعد الغائب في تفسير الاستمرار
للمزيد اضغط على الرابط
https://alantologia.com/blogs/92918
2026-04-14