موقع مرسي والشرع من الإسلام السياسي.. (1)!
اضحوي جفال محمد*
هذا موضوع يحتاج منشورين او اكثر لإيفائه حقه من البحث. فالبُعد ما وراء السياسي شديد الاهمية وشديد الإغفال من لدن المتصدين للاحداث بأقلام يلهث أغلبها وراء الخبر. من جانبي قد لا آتي بجديد، فقد كتبت رؤيتي بهذا الخصوص ونشرتها في أكثر من كتاب، ولا أشعر اني بحاجة لتعديل لتعديل شيء منها. انما كانت تلك الكتابات سابقة لبروز الشرع في المشهد مما يقتضى وضعه في موقعه من الصورة وفقاً لرؤيتي التي ستؤكدها او تنفيها الايام.
وقبل الخوض في الموضوع لا بد من تأكيد حقيقة راسخة، وتزداد رسوخاً كل يوم، وهي أن تيار الإسلام السياسي في واقعنا العربي، ومنذ سقوط داعش، لم يبق فيه من الإسلام سوى العنوان. انهم مجرد طلاب سلطة لا يحملون في رؤوسهم أي نية لتطبيق أحكام الشريعة الدينية عندما يبلغون الحكم، حتى لتوشك تبريرات التنكر للشريعة اوسع من أحكام الشريعة ذاتها. ثم ومع الوقت لم يعد التبرير ضرورياً، فجميع الذين وصلوا السلطة في الحقبة الأخيرة لم يغيّروا شيئاً من القوانين الوضعية القائمة، ولم يعد ذلك مثار اهتمام بينهم. فالقضية برمّتها انخراط في مساعي الوصول إلى الحكم وكيفية الاحتفاظ به عند الوصول. ومن هذا الباب نظر الإسلاميون إلى تجربة حكم الاخوان في مصر قبل سقوطها. كانت بمثابة كشف استراتيجي لهم، مؤداه الوصول إلى الحكم عبر اللعبة الديمقراطية وبمباركة غربية (أمريكية). لقد تفاهم الإسلاميون بقيادة الاخوان مع الامريكان في عهد اوباما على الفكرة، وهي دعم الولايات المتحدة لحكام إسلاميين يصعدون عبر الانتخابات فيعفون الإمبريالية من تبعات الدعم المستهجن لمستبدين عرب. وفي نفس الوقت يحفظون المصالح الغربية في المنطقة دون تكبيد الغرب استنفاراً دائماً لحفظ تلك المصالح. وما زلنا نذكر ايام الثورة المصرية كيف كان اوباما ووزيرة خارجيته يتناوبان على دعوة مبارك للتنحي، مرتين على الاقل كل يوم.
لم يكن مبارك مقصّراً في شيء من واجباته كعميل مطيع وانما هي الاستراتيجية الجديدة التي تبناها صاحب القرار الغربي (الامريكي) وأطلق عليها (دعم التحول الديمقراطي). فسجل الإسلاميون ذلك الاختراق الكبير باسم اخوان مصر، وعُلقت الماركة على وجه مرسي رغم أنه صار رئيساً بالصدفة. وهكذا هي نواميس التاريخ تدخل فيها الصدفة كلاعب رئيس تحت سقف الظروف الموضوعية. ومن مفارقاتها التاريخية أن آلت الخلافة إلى العباسيين بدل العلويين بعد معركة الزاب.
لم يدم الفتح الذي تحقق في مصر إلا قليلاً وانتقضت الأمور. ولأسباب لا نريد سردها فقدَ الإسلاميون الركن الابرز المسوّغ لتحالف الغرب معهم، وأقصد به الارتقاء إلى سدة الحكم انتخابياً.. فسقطوا، انتخابياً، في المغرب وتونس والعراق (حديثنا لا يشمل الإسلام الشيعي). وعاد الإسلاميون إلى ما كانوا عليه قبل تلك المفازة القصيرة من تاريخهم الحديث. وبينما هم يلملمون خيوط خيباتهم جاءهم الفرج من حيث لم يحتسبوا، اذ وصل فصيل جهادي إلى الحكم في أخطر موقع بقلب العالم العربي (دمشق). فتملكتهم المشاعر التي وصفها ابو تمام قديماً كما لو أنه واقف الان في مسقط رأسه (جاسم) يطالع الغوطة بعينين مجردتين، عندما قال:
وأحسنُ موقعاً مني وعندي
من البشرى أتت بعد النعيِّ
أرى الاخوانَ ما غُيّبتَ عنهم
بمسقطِ ذلك الشعبِ القصيِّ
ومردودٌ صفاؤهُمُ عليهم
كما رُدَّ النكاحُ بلا وليِّ
فهل مَن جاءَ بعد الفتحِ يسعى
كصاحبِ هجرتينِ مع النبيِّ
يتبع
( اضحوي 2219 )
2025-08-24