من يقنع الذباب ان الزهور افضل من القمامة؟
بقلم: يحيا حرب
السعودية تخطو خطوة اضافية لتفجير الاوضاع في لبنان، باعلان الحرب على المقاومة، وتوجيه الاتهام لها بدعم الشعب اليمني في مواجهة العدوان.
والمشاهد الساذجة والمفبركة على عجل التي عرضها المتحدث باسم التحالف السعودي تؤكد ذلك ولا تنفيه.
صحيح ان ما عرضه العميد تركي المالكي كذب ويثير السخرية كما قال المتحدث اليمني، وان تلك المشاهد تفتقر حتى الى اتقان فن التضليل، ولا تكشف عن وجود عناصر لحزب الله في المكان المجهول الذي جرى فيه التصوير، وان الحدث الذي جرى الترويج له طويلا يكشف عن احباط وفشل اعلامي.
وصحيح ان الصحافة العالمية ووكالات الانباء تجاهلت ما جاء على لسان المتحدث السعودي، باعتباره لا يقنع عقول الاطفال، كما قال احد المعلقين، ولا يصح نشره احتراما للقراء، باستثناء الصحافة الاسرائيلية التي سارعت لابراز الخبر في ملاحق اخبارية على صفحاتها الاليكترونية..
كل ذلك صحيح، لكن هذه الانتقادات والاشارات تدحض المزاعم ولا تنفي النوايا السعودية المبيتة.. خصوصا ان المشاهد السخيفة اُرفقت بسيل من الاتهامات والشتائم، التي تستهدف الزج بشكل مباشر، وعبر متحدث رسمي، بحزب الله في معارك اليمن وتحميله مسؤولية الهزيمة المحتمة للقوات السعودية.
والحديث عن سخافة الاتهامات وعدم مصداقيتها، لا يعني الكثير هذه المرة، اذ ان كل مبررات العدوان السعودي على اليمن، هي من هذا النوع، ولا تتضمن اي عنصر اقناع، او سببا منطقيا يمكن التعويل عليه. ومع ذلك استمرت الحرب ما يقارب 7 سنوات الى الان، دون رادع او وازع قانوني او اخلافي.
وهذا ما يبرر للمراقب اثارة السؤال: لماذا تتعمد السعودية تصعيد الصراع الى هذا المستوى؟ وتوسيع دائرته وتضمينه مضامين مذهبية واقليمية في هذا الوقت؟ فقد سبق ان سمعنا الخطاب التحريضي السعودي، وعزفت عليه صحافتها في مرحلة التحشيد للحرب واعداد الجبهة الداخلية والاقليمية لاستدرار الدعم!!
ولكن بعد 7 سنوات، وبعد ان انفرط عقد التحالف تماما، ولم يبق منه الا الاسم على غير مسمى، وحتى الجانب الاماراتي لم يعد يعزف على ذات الايقاع وبات اقرب للنأي بالنفس عن ذلك العدوان والحرب الفاشلة.. ماذا تريد السعودية من هذه الاثارة التلفزيونية؟ وما الذي تتوخاه وتأمله من النفخ في بوق الفتنة؟
الاحتمال الاول ان النظام السعودي ادرك انه اقترب من الهزيمة الكاملة، وان معركته الاخيرة للدفاع عن مأرب باتت عبثية بالفعل، وهو لا يريد، لاسباب عنصرية معروفة، ان يعود من الحرب ليقول لشعبه ان الشعب اليمني انزل به الهزيمة، بل يسعى لخلق عدو جديد يحمله مسؤولية عجزه وفشله.
الاحتمال الثاني ان هذا النظام الوظيفي تلقى اشارة ايجابية، من واشنطن، تمنيه بفتح ثغرة في جدار الحصار على ولي العهد. وكان أمر العمليات تصعيدا ميدانيا، بغارات تثير الضجيج الاعلامي باستهدافها اعيانا مدنية، مصحوبة بالتصويب على حزب الله، للضغط على ايران كما يعتقد الجانب الاميركي.
الاحتمال الثالث: الاستعداد لحرب يهدد بها الكيان الاسرائيلي على ايران، يعتقد انها ستكون، او يمكن ان تتدحرج الى حرب اقليمية شاملة، ستكون فيها المقاومة طرفا رئيسيا بحسب التقديرات الاسرائيلية. وهي فرصة لكي يبرر النظام السعودي مشاركته في الحرب وتقديم اجوائه ممرا للطائرات الاسرائيلية.
والاحتمال الرابع: ان النظام السعودي يريد استئناف معركته المعلنة لتفجير الاوضاع في لبنان، ودفع ازمته الى حافة الحرب الاهلية، واعادة خلط الاوراق بين القوى والتركيبة الطائفية في البلد، التي تعاني من تشظ خطير، وحال تفتت لم يشهدها لبنان منذ انتهاء الحرب الاهلية.
فالاتهامات التي قدمها العميد المالكي لحزب الله، ليست اكثر سخافة وسذاجة من الاتهامات التي وجهت للوزير جورج قرداحي، واتكأ عليها النظام السعودي لافتعال ازمة مع لبنان، وضعت العديد من قواه السياسية في الزاوية الضيقة، وأجبرت الحكومة على اقالة الوزير والقبول بالاهانة والخضوع للعنجهية.
ومع ذلك ورغم الوساطة الفرنسية، التي تشبه الاتهامات السعودية، فان جل ما فعله النظام السعودي كان تجميد الهجمة دون سحب ارتداداتها او القيام بأي خطوة لتغيير مسار سياسته العدوانية ضد لبنان، ولم تفتح الرياض ابوابها لرئيس الحكومة الذي لم يوفر فرصة، وقد تعب لسانه، طلبا للصفح والرضا.
ويجب ألا ننسى ان النظام السعودي عجل بتحميل حزب الله مسؤولية تصريح الوزير قرداحي، وسارع وزير خارجيته فيصل بن فرحان بعد ساعات، ليعلن ان الازمة سببها الحزب وليس الشخص، ودعم المقاومة اليمنية وليس وصف الحرب بالعبثية. لكنه اضطر للقبول بالتراجع التكتيكي واقالة الوزير.
كل اسباب السعودية ودوافعها لرفع درجة التوتر والاحتقان في لبنان لا تزال على حالها، وما جعلها تفتعل ازمة الوزير لاستهداف المقاومة، لا يزال سببا لمواصلة هذه الخطة، بعد ان اضافت اليه سببا اخر لا تستطيع الحكومة اللبنانية معالجته ولا اي وساطة، بل ان الرياض تستقوي بما حققته في الازمة الاولى.
كما انني اعتقد، ان الادارة الاميركية التي تكرر مطالبتها باجراء الانتخابات النيابية، لم تعد متيقنة من ان هذه الانتخابات ستحقق لها اهدافها من “ثورة 17 تشرين” التي أنفقت عليها مئات الملايين حتى الان، وباتت متوجسة من اللعب على ملعب دهاقنة السياسة في لبنان، الذين سيدافعون عن وجودهم بشراسة.
وواشنطن تدرك ان المقاومة ليست جزءا من النظام، وان سقوط الاخير لا يعني بداهة سقوطها، وقد استطاعت تحصين حاضنتها الشعبية من الاختراق الاميركي، وان كل ما فعلته السفارة هو تفكيك وإعادة تركيب المواقع التي كانت تحت هيمنتها.. خصوصا ان هذا البلد لا تحكمه الاكثريات بل التوازنات.
اميركا التي جعلت الانتخابات موعدا مفصليا، لاعادة الاستقرار لن تفي بوعدها، وستحصد الفشل في اذار او ايار سيان، وبالتالي فهي بحاجة الى ابقاء لبنان في حالة عدم الاستقرار، بانتظار جلاء المعركة المصيرية مع ايران.. والسعودية جاهزة لخلق المبررات وجر لبنان لمستنقع صراع اقل من عسكري.
صحيح ان ما عرضه المالكي لا يعتد به! ولكن من سيقول للنظام السعودي ذلك؟ وكم عدد المستفيدين، في الداخل والخارج، من هذه السخافات التي حكمت عقولنا في زمن الربيع المشؤوم؟ فقد نستطيع اقناع الذباب ان الزهور افضل من القمامة، وهو محال، لكننا لن نستطيع اقناع السعودية ان ما تفعله عيب ولا اخلاقي.
يجب الا يغيب هذا الاحتمال عن بالنا، لان النظام السعودي يرفض بشكل قاطع الانفكاك عن تبعيته لأميركا! واذا فعل فباتجاه اكثر سوءا.. والحروب التي تفرضها اميركا على الشعوب المستضعفة بلغت حدا من القذارة واللؤم، ما تصبح فيه عروض العميد المالكي مقبولة وكافية لاثارة الفتن والازمات.
2021-12-27