فوز السيد.. وسخرية الأقدار!
اضحوي جفال محمد
لعلها اشرس معركة انتخابية داخل الولايات المتحدة في التصويت التمهيدي لنيل بطاقة الترشح لانتخابات التجديد النصفي المزمعة بعد أقل من ثلاثة اشهر، انها المعركة التي صرفت عليها آيباك ثمانين مليون دولار لافشال المرشح الديمقراطي، من اصل مصري، عبد الرحمن السيد، من الحصول على بطاقة الترشح. ورغم ذلك فاز فوزاً مريحاً وأحدث ضجة لا أراها ستهدأ.
أهمية هذه المعركة أنها خيضت بالعناوين السافرة بين مؤيد لفلسطين ومؤيدة لإسرائيل. كانت بحق تحدياً مكشوفاً لأعراف التعاطي السياسي الأمريكي الراسخ منذ تسعين عاماً. فالمعتاد ان يكون السجال بين كل متنافسَين امريكيَّين مزايدة حادة في الولاء لإسرائيل. كل منهما يصرخ بأنه الأكثر طوعاََ لمشيئتها. فلا تكلف إسرائيل نفسها العناء ما دام الفائز لها في الحالتين. لذلك عندما كسر طوفان الأقصى المحرمات وفتح لأعدائها نافذة محصنة عن قوانين معاداة السامية اوجست حسيس الخطر وألقت بكل ثقلها لصالح المرشحة الصهيونية هيلي ستيفنز لتكون مجنّاََ يصد هذا العربي الهادر عن حلبة الوصول إلى مجلس الشيوخ. وأنفقوا عليها ميزانية كانت في السابق تكفي لفوز رئيس. ومع ذلك صوّت الجمهور للسيد ورفع ظاهرة التحولات أعلى فأعلى، حتى لقد طالت الصدمة ترامب نفسه وطلع يسب هذا المرشح الديمقراطي الذي تشير التوقعات إلى انه سيهزم منافسه الجمهوري مايك روجرز في هذه الولاية التي صوتت لترامب قبل سنتين.
عبد الرحمن السيد (عبدول) ليس اول من حقق المفاجآت، فقد سبقه ممداني وعديدون غيره. ولن يكون آخرهم في مجتمع يثور على نفسه ويقرر ان يساند الحق الفلسطيني. فهؤلاء التقدميون المتراصفون حول السناتور الكبير بيرني ساندرز يتقدمون بثبات وسيكون لهم شأن في قابل الايام.
وبما أن مسرح المعركة مدينة ديترويت التي تضم واحدة من اكبر الجاليات العربية في امريكا فمن المفيد التوقف عند شريحة متأخرة من المهاجرين العرب اختلفت جذرياً عن العرب في عموم الغرب، والذين هم دائماََ وبقوة مناصرون للحق الفلسطيني. الشريحة التي اعنيها يمثلها مهاجرون وصلوا الغرب خلال الموجة الطائفية التي حرفت الثقافة وشوّهت النفوس، فوجدوا حالهم في تناقض ينسل تناقضات. كانوا من جهة يشعرون ان المواطنة الأمريكية تمنحهم تفوقاً على ابناء جلدتهم وأوطانهم التي احتقروها واحتفلوا بالخروج منها، ولا بأس أن يكون التفوق حضارياً وفق مفهومهم للحضارة لولا أنهم حملوا بين جوانحهم أقبح قذارات مجتمعهم السابق (الطائفية)!. تصور ان تجد روبوتاََ في حانة يتحرك على ذروة ما أنتجه العلم ويتكلم بغزوات القرون الوسطى.
كانوا يدركون حجم التناقض الذي يتخبطون فيه، والذي يفضحه للعيان احتكاكهم بمن سبقوهم من العرب المجبولين على حمل قضايا الامة. وللتخلص من الحالة الشاذة عالجوها بما هو أنكى. إذ حاولوا أن يصبحوا امريكيين اكثر من العرب الذين سبقوهم إلى العالم الجديد بأجيال. طرحوا انفسهم كأمريكان أصلاء بارّين بقسم الحصول على الجنسية. أما الطائفية النتنة فقرروا حملها بطريقة سياسية تنأى بهم عن تهمة الخزعبلات وتوظفهم كناشطين في خدمة الوطن الجديد. اهتدوا بوحي من عاهات القلوب المريضة إلى الاستثمار في موروثهم الطائفي تزلّفاََ للامريكان. وراحوا يرجمون امتهم التي تنكروا لها بسهام الفرقة المسمومة من بعيد. تصهينوا وانسجموا مع السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة العربية. وما عادوا يخفون الاعتراف بـ (الحق الاسرائيلي) على حساب اهل الحق. هكذا اعتقدوا أنهم أوتوا العبقرية التي أعادت صياغة ارواحهم الممزقة ضمن نسق واحد. لكن لله مشيئته التي أحالتهم إلى مهزلة. فحين اجتهدوا للتشبه بالأمريكان كان الأمريكان يتشبهون بالفلسطينيين ويصبون جام غضبهم على إسرائيل. لقد أفنوا أعمارهم في تقليد الأمريكان واذا بتقليد الأمريكان يحتم عليهم نصرة فلسطين التي باتت رمزاً لكل احرار العالم. ومع ذلك لا زالوا يكابرون ويتهمون ملايين الأمريكان المتظاهرين في الساحات بالجهل، ولا نستبعد ان يتهموهم لاحقاً بالتشيّع.
الذين يقودون الحملة في ديترويت لصالح السيد أمريكيون حقيقيون، والذين يقودونها داخل الجالية العربية عراقيون من الكلدواشوريين لا علاقة لهم بطائفية سفهائنا، إضافة إلى احرار من اليمن ولبنان. والمرشح الذي قلبوا لصالحه الموازين طبيب مصري يرفع فلسطين شعاراً. والمواجهة مع مرشح جمهوري قرر الأمريكان معاقبة حزبه بسبب بلاوي ترامب. وهذا اول الغيث.
( اضحوي _ 2423 )