من ذكريات عبور النهر. 6!
أبو علاء منصور.
تيتم محمد إلياس..
توفيت والدتي، اعتقل شقيقي جمال وشردت انا، وهدم بيتنا، حصل ذلك في غضون اشهر قليلة! انتكب والدي! الم وذكريات، طفلة وبكاء. الطفلة بعمر عشر سنوات، والوالد فقير وكبير السن….
حضري الطحين يا نعيمة، حضري الغسيل، انا اعجن واخبز واغسل لكم، انا مثل أمك يا خالتي، الله يرحم والدتك، كانت بمثابة اختي، صديقتي الصدوقة….. بهذه الروح النبيلة خاطبت (خالتي) يسرى شقيقتي الطفلة وهي تحتضنها بحنان.
تكفلت المرأة الرائعة بالعجين والخبيز، اما الغسيل فرفض ذلك والدي، تكفل به هو. كان يغسل والطفلة تنشر. واصر على ذلك.
ذات ليلة توضأ الوالد وتهيأ لصلاة الفجر ، لم يبدأ الصلاة بعد. ضجيج أفسد هدأة الليل! طرق على الباب! الله يستر! تعلقت الطفلة برداء الوالد مرتجفة:
– يهود! جيش!
– لا تخافي يا ابنتي.
طرق قوي على الباب:
– (إفتخ) باب.
الله يلعن صباحكم…. هذا ما همس به والدي في سره، واتجه لفتح الباب فيما الطفلة ترتعد خوفاً.
– ما الذي تريدونه مني؟
– أمامك ساعة، ساعة فقط لإخراج أغراضك من البيت، سنهدمه.
– ماذا فعلت حتى تهدموا البيت؟ البيت ليس لأولادي، بنيته من عرق جبيني.
– لا تكثر حكي، لا تضيع الوقت وإلا سنهدم البيت فوق الأغراض.
بكت الطفلة:
– بدهم يسجنونا؟
– لا. لا تخافي يا ابنتي.
هب الجيران والأقارب للمساعدة…
ركضت خالتي يسرى وبدأت بإخراج الأغراض وهي تذرف دموعها:
– الله يرحمك يا اختي مدللة. أين سيذهب زوجك المسكين؟
هب شراكي، وجاء المختار،
انقلب حال القرية المطوقة بالجنود.
هذه اول مرة يهدم فيها بيت في القرية.
همس والدي لشراكي:
– اذهب إلى قرية صفا، قل لأبو غازي ان يخلع أبواب وشبابيك منزله، الدور جاي عليهم.
همس بذلك والدي وبدا بخلع الباب لعله يستفيد منه.
طار البيت وتعالى الغبار…….
استشهدت الدار!!
بكى الحضور، وهتف والدي:
– الله يهدم دولتكم، لقد بنيت الدار قبل إقامة دولة اسرائيل.
– افتحوا المضافة ليسكنها ابو محمد.
هذا ما قاله المختار، فتهامس كثيرون:
– غدًا ستبني له الثورة بيتًا اجمل. انتظروا وسترون.
ركض شاب واحضر المفتاح، وهب الناس لنقل الأغراض.
قالت عواشة لامرأة تقف بجوارها:
– اتخيل الرجل يخاطب نفسه: انا اصبح عالة!
بعد مرور اكثر من عامين على سكن والدي وشقيقتي نعيمة في المضافة قيل ان شراكي قال مستغربا:
– أين الثورة؟ لماذا لم تبن لأبو محمد بيتًا يليق به؟؟!!
لولا المضافة لارتمى والدي في الشارع! حفظت المضافة كرامته. أين الثورة؟!
بهدم منازل ذوي المقاومة يريد العدو ان يرسل رسالة:(ابتعدوا عن طريق الثورة وإلا فهذا مصيركم)، لكن الآية تنعكس، يولد الفدائيون من رحم الألم، وتستمر الثورة، وتظل الجريمة تلاحق المجرم، فالشيء يخلق نقيضه، يولد ومعه ضده، والظلم لا يدوم.
قالت نعيمة وهي تستعيد ذكريات تلك الايام والدموع تنهمر من عينيها:
– الله لا يوري تلك الايام لحدا، الله لا يعيدها. كان والدي يجلسني في حضنه، وينشد شعراً حزيناً لا افهمه! كنت أتخيله يبكي! ربما كان يبكي بالفعل! حين كنت اسمع شخيره في الليل كنت أتخيله سيموت! أين اذهب ان مات؟ كان ذلك السؤال يرعبني، فلم يبق لي سوى والدي. كان يرعبني قدوم الجيش عند أنصاف الليالي. في الفترة الأولى بعد اعتقال جمال كانوا يداهمون بيتنا بصورة تكاد ان تكون شبه ليلية، إلى ان تاكدوا ان شقيقي محمد عبر النهر إلى الأردن. عشنا اياماً صعبة وأوقاتاً قاسية، كنا شبه معزولين، كانت الناس تخاف من الاحتلال، ولما أرسل لي شقيقي محمد هدية، ساعة يد، شعرت ان لدي ما أتميز به عن باقي البنات.
لم يدم فرح محمد الياس طويلا…..
لم يمض على تجنيدي له لفتح سوى أشهر قليلة قبل انكشاف مجموعتي، لم يفرح خلالها بتدريب او سلاح، ولم يشاركني سوى في نشاط واحد…. باعتقال مجموعتنا تيتم هو ورفاقه في الخلية، خالد الديك وهارون غنيم، وتهاوت جبال من أحلامه الفدائية، لكن الفتى الذي قاد خلية ونفذ عمليات عسكرية بمبادرته الذاتية وهو في عمر السادسة عشر لن يعجز.
ما أن تأكد من نجاحي في عبور النهر إلى الأردن حتى دعا رفاقه في الخلية إلى اجتماع، فقال خالد الذي فرح حين علم أننا كنا نعمل سويًا:
– سنكمل مشوار الأستاذ محمد ورفاقه، سنبني على تراثهم وسمعتهم.
قال هارون:
– العيد يقترب وواجبنا مؤازرة عائلاتهم.
قال محمد:
– لن ندع المخابرات تفرح بنصرها، سنقلق راحتهم. سأتصل بالكابتن موريس منتحلاً شخصية الأستاذ محمد، وأوهمه أن الأستاذ ما زال في البلاد، علينا ان نجعلهم لا ينامون الليل.
بذكائه، استطاع محمد ان يحصل على رقم هاتف موريس واتصل به بالفعل:
– أنا الأستاذ محمد يا كابتن.
– من؟ قلت من؟
– الأستاذ محمد منصور.
– أين انت؟
– في رام الله.
أنهى محمد المكالمة تاركاً الكابتن يتخبط، وقد أوهمه أنني لم أغادر رام الله، أنني في ضيق، ولم أعد أحتمل التخفي والمطاردة.
فكرة مبدعة، حرب نفسية….
دفع والدي فاتورة هذه المبادرة المجنونة، وضعته المخابرات تحت المراقبة. وكررت استدعاءه للتحقيق، ظناً منها انه يعرف شيئاً عني، او أنني سألجأ إليه لمساعدتي….
جاء العيد….
تلثم محمد وخالد وحملا هدية لشقيقتي نعيمة -لعبة أطفال- وطرقا باب المضافة التي لجأ اليها والدي بعد هدم منزله:
– من؟
– أصدقاء الأستاذ محمد وجمال.
خشي والدي الحذر بطبعه أن يكونوا من العملاء فرد:
– انا لا استقبل احدا.
– افتح يا والدي، لا تخف، جئنا نهنئك بالعيد.
– اتركوني وشأني.
– اقسم بالله أننا من جماعة الأستاذ.
– ان لم تذهبوا سأبلغ المخابرات.
يئس الشباب فتركوا الهدية على الباب وغادروا…. تعلم والدي ان لا يمنح الثقة بسهولة، بعدما طرق رجال المخابرات بابه مراراً، مدعين تارة انهم أصدقائي، وتارة أخرى انهم مرسلين من قبل قيادة الثورة في الخارج.
من يدري؟! ربما أنهم من المخابرات! ربما أنه فخ لاصطياد ابني! سأبلغ المختار بما جرى الليلة. لكن ماذا لو كانوا فدائيين حقًا؟! سأنتظر ، ان كانوا فدائيين فقد أخذوا فرصتهم وغادروا، وان كانوا من المخابرات فقد حميت ظهري…. هذا ما تمتم به والدي.
بعد يومين تلثم خالد وهارون وطرقا باب البيت الذي لجأت إليه ام خضر في رام الله بعدما أقفلت قوات الاحتلال منزلها في أعقاب اعتقال ولديها:
– من؟
– نحن رفاق خضر وغازي.
تهلل وجه المرأة فرحًا وهي تهمس:
– أهلا بالفدائيين.
لمح هارون صورة خضر معلقة على الحائط فهجم وادى التحية العسكرية وراح يقبل الصورة بحرارة، فيما قبل خالد جبين ام خضر، وقال وهو يناولها باقة ورد:
– سيشرق فجر الحرية، بلغي خضر ورفاقه تحيات الثورة.
قال ذلك واختفى ورفيقه في العتمة….
قال هارون وهو يروي لي الحكاية لاحقًا :
– لم اكن اعرف خضر شخصياً، لكني تصرفت بإحساس الفدائي.
وقت قصير وخطرت ببال محمد فكرة جديدة:
– علينا ان لا نترك المخابرات ترتاح، سأضع كرتونة أمام مكتب العمل الاسرائيلي في رام الله وأمد منها سلكين، وأوهم الجيش انها عبوة ناسفة.
هذا ما قاله لرفاقه، وفي اليوم التالي وضع العبوة في المكان المذكور، ولما جرى التبليغ عنها، وربما كان ذلك عن طريق احد العملاء حضرت قوة كبيرة من جيش الاحتلال وخبير متفجرات، وانشغلوا بمحاولة تفكيكها، محمد شخصية جريئة وخلاقة.
يوم الخامس عشر من شهر أيار عام ١٩٧٥، بعد مرور عام على اعتقال خلية بنك لئومي، انكشفت خلية محمد الياس فاعتقل وشقيقه صقر وصدر عليهما حكم بالمؤبد، فيما تمكن رفيقيهما خالد الديك وكمال ياسين من عبور النهر مثلي، اقتفوا طريقي. اما رفيقهم هارون فنجا أيضاً لانه كان في الأردن في مهمة.
من ذكريات عبور النهر. استكمال6
اختفى الطفل وباقة الزهور في يده…
اقتيد جمال وهو مقيد بشرطي إلى موقع عملية بنك لئومي، لتمثيل دوره في العملية…. تجمع جمع غفير من عابري السبيل لمتابعة مشهد البطولة في ذهول، محاولين التعرف على البطل. والكل يتطلع ويثرثر بفخر يخالطه الم…. فجأة شق طفل الصفوف وبيده باقة ورد وتوجه بها صوب جمال! نهره شرطي فعاد مرتجفاً وباقة الورد في يده.
جلب خضر إلى ذات الموقع لتمثيل دوره أيضاً. تزايد الحشد أمام مطعم ركب المقابل لموقع العملية… الكل مندهش وحزين!! بطولة وألم. حياهم خضر بيديه المقيدتين. عرفه أحدهم فشاور له بيده…. ضجيج وانفعال وقد تمدد الشرطي (حزان) على الأرض مقلداً وضع الجندي الذي هاجمه خضر في العملية، فيما قلد شرطي آخر دور غازي شريك خضر في مهاجمة ذات الجندي.
جيء بغازي فاحضر رجال الشرطة تمثالاً خشبياً، هجم عليه غازي وطعنه بأداة بلاستيكية.
انفعل الحضور فرحاً بالبطولة دون ان يصفق احد.
مع تحيات أبو علاء منصور
والى الحلقة السابعة غدًا
2020-05-05