من حصار غزة إلى “مهرجان الاعتراف”:
دوافع ستارمر للانعطاف
انعطافة رئيس الوزراء البريطاني نحو الاعتراف بفلسطين مناورة سياسية محسوبة لاحتواء الضغوط الداخلية لا تغير من حقيقة تورط المملكة المتحدة في دعم المجهود الحربي الإسرائيلي.
سعيد محمد*
عندما ظهر السير كير ستارمر على إذاعة “LBC” في أكتوبر 2023 وأقرّ بأن لـ”إسرائيل الحق في قطع الماء والكهرباء عن غزة”، بدا أن زعيم حزب العمال قد تموضع بحزم في خندق المدافعين الأكثر تشدداً عن إسرائيل. هذا التصريح، الذي حذر العديد من الخبراء القانونيين من أنه يعني ضمناً الموافقة على العقاب الجماعي، أثار غضباً عارماً بين نشطاء الحزب وأدى إلى نفور قطاعات واسعة من الناخبين المسلمين والتقدميين. ولكن، وبقفزة سريعة إلى أواخر عام 2025، ها هو الرجل نفسه أعلن عن اعتراف بريطانيا – أم الدولة العبريّة ومؤسستها في بلادنا وحليفتها التاريخيّة – بدولة فلسطينية ضمن همروجة دولية بُررت بالسعي لإنقاذ ما يسمى ب”حل الدّولتين”، والضغط على إسرائيل لوقف عدوانها المستمر على قطاع غزة منذ عامين تقريباً.
قد يبدو هذا التحول دراماتيكياً، لكنه في جوهره لا يعكس صحوة أخلاقية بقدر ما يكشف عن ضغوط داخلية طاحنة ذات أبعاد سياسية وانتخابية اضطر ستارمر للتعامل معها عبر الالتحاق بركب المعترفين بالدولة الرمزيّة. فالاعتراف بفلسطين، بالنسبة له، ليس خروجاً جذرياً عن مساره، بل هو عمل محسوب بدقة لاحتواء الأضرار التي مست بسمعته، ومناورة سياسية تهدف إلى إدارة التناقضات العميقة التي تكاد تمزق حزبه (العمل) وتطيح بمشروعه في داونينغ ستريت (مقر رئاسة الوزراء في لندن).
لفهم هذه المناورة يجب أن نبدأ من داخل الحزب الحاكم. يمتلك العمل تاريخياً تياراً عميقاً من التضامن مع فلسطين، بدءاً من حملات مناهضة الاستعمار في الستينيات ووصولاً إلى سنوات قيادة جيريمي كوربن في العقد الماضي. بالنسبة لقطاع كبير من أعضاء الحزب، لم يكن دعم الحقوق الفلسطينية مجرد موقف سياسي، بل مبدأً تنظيمياً محورياً. وعندما أيد ستارمر تكتيكات الحصار الإسرائيلية، انفجرت هذه القاعدة غضباً، وتبنت فروع الحزب في الدوائر الانتخابية قرارات تدين موقفه، واستقال أعضاء مجالس بلدية، وهدد النشطاء بسحب جهودهم من الحملات الانتخابية.
أصبح الاعتراف بفلسطين هو الأداة التي يستخدمها ستارمر لتهدئة هذه القاعدة المضطربة. إنها ورقة تسمح له بأن يقول لأعضائه: “نعم، لقد استمعت لكم القيادة”. وبينما تظل ذات القيادة حريصة على عدم التخلي عن دعمها لـ”أمن إسرائيل”، يوفر الاعتراف استعادة رمزية لتقليد شعر الكثير من الأعضاء بأنه يتعرض للمحو. هذا ليس تحولاً أيديولوجياً، بل هو تنازل تكتيكي. من منظور مادي بحت، رأى ستارمر أن تكلفة تجاهل القاعدة الشعبية أصبحت أعلى من تكلفة تقديم لفتة رمزية فيما يواجه خطر تحول التمرد الصامت إلى ثورة مفتوحة داخل أروقة الحزب، وهو ما يهدد صورته كقائد “مسؤول” وقادر على الاستمرار في السلطة.
لم يقتصر الضغط على القاعدة الشعبية، بل امتد إلى نواب الحزب في البرلمان. في أواخر عام 2023، عندما تم طرح تصويت على وقف إطلاق النار في مجلس العموم، تحدى العشرات من نواب حزب العمال تعليمات القيادة وصوتوا لصالح القرار، مما أدى إلى استقالة عدد منهم. كانت تلك الحادثة بمثابة إشارة واضحة بأن ستارمر لا يمكنه الاعتماد إلى ما لا نهاية على الانضباط الحزبي الصارم عندما يكون الضغط الأخلاقي المتعلق بغزة ساحقاً. الاعتراف اليوم يعمل كـ “صمام أمان”؛ فهو يمنح النواب، خاصة أولئك في المقاعد الهامشية ذات الدوائر الانتخابية التي تضم أصواتاً قوية مؤيدة لفلسطين، شيئاً ملموساً يمكنهم تقديمه لناخبيهم، ويحول دون تفاقم التمرد ليصبح شرخاً كاملاً في الحزب.
على أن الضغط الداخلي الأكبر متأت من اعتماد حزب العمل على الدوائر الانتخابية ذات الكثافة السكانية المسلمة العالية. مدن مثل برمنغهام، برادفورد، وأجزاء من لندن، تعتبر معاقل تاريخية للحزب حيث كان ولاء الناخبين شبه مضمون دائماً. لكن حرب غزة غيرت هذه المعادلة. في الانتخابات البلديّة لعام 2024، نجح مرشحون مستقلون يخوضون الانتخابات على برامج مؤيدة لفلسطين في قضم حصة حزب العمال من الأصوات في عدة مناطق. كان الغضب ملموساً: استقالات جماعية لأعضاء مجالس بلدية مسلمين، واجتماعات بلدية مكتظة تعرض فيها ممثلو ستارمر لصيحات الاستهجان، وتهديدات بالامتناع عن التصويت في أية انتخابات مقبلة. بالنسبة لزعيم يفخر بالانضباط والقدرة على انتزاع المنصب التنفيذي الأهم في البلاد من يد حزب المحافظين، كان هذا ضوءاً أحمر وامضاً. إن الاعتراف بفلسطين هو محاولة مباشرة لوقف هذا النزيف الانتخابي. إنه رسالة موجهة إلى هذه المجتمعات مفادها أن الحزب لم يتخلَ عنهم تماماً.
إلى جانب المجتمعات المسلمة، يدرك استراتيجيو حزب العمل تماماً أن الناخبين البريطانيين الشباب – الذين يتعاطفون بأغلبية ساحقة مع فلسطين – يشكلون ركيزة أساسية لجمهور الحزب. يسار الجيل الجديد، الذي تحرك بقوة حول احتجاجات غزة، يرى أن الصمت بشأن الحقوق الفلسطينية هو شكل من أشكال التواطؤ. وهكذا يمنح الاعتراف بفلسطين ستارمر نقطة حوار لدرء انزياح هذه الكتلة المعتبرة نحو حزب الخضر أو المرشحين اليساريين المستقلين.
على الجانب العملي، فإن تحالف حكومة ستارمز مع إسرائيل، جعلها تبدو معزولة فيما تدفع الأقاليم في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية تجاه تبني مواقف أكثر جرأة في دعم الفلسطينيين والتنديد بأفعال إسرائيل. الاعتراف، بالتالي، يقرّب المركز من نغمة الحكومات المحليّة في الاطراف، فضلاً عن أنّه يجنّب قيادات الحزب في الأقاليم تناقضاً داخلياً صارخاً، ويصالح ستارمر، رجل القانون الدولي وحقوق الإنسان، مع صورته التي تشوهت بفعل دعمه اللامحدود لحرب الإبادة في غزة.
لكن السخرية الأكثر مرارة في “مهرجان الاعتراف” بالدولة الوهميّة الذي يقوده ستارمر تكمن في الواقع المادي الذي تحاول هذه اللفتة الرمزية حجبه. فبينما يقدم رئيس الوزراء “الاعتراف” كعربون لإنسانيته وحزبه الحاكم، تكشف التقارير الاستقصائية عن تواطؤ هيكلي وعميق ومستمر للدولة البريطانية في تشغيل آلة الحرب الإسرائيلية.
فبغير الخدمات التجسسية التي تقوم بها طائرات سلاح الجو الملكي فوق قطاع غزة لمصلحة الجيش الإسرائيلي – انطلاقاً من القواعد البريطانية في جزيرة قبرص -، وديمومة إمدادات قطع غيار مقاتلات ال إف-35 التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في سحق المدنيين، كشف تحقيق لموقع “Declassified UK” هذا الشهر عن أن جنوداً إسرائيليين يقاتلون في غزة قد تلقوا تدريباتهم في الكلية الملكية للدراسات الدفاعية (RCDS) المرموقة في بريطانيا. القائمة المسربة من خريجي الكلية تضمنت ما لا يقل عن 32 ضابطاً إسرائيلياً، من بينهم شخصيات بارزة مثل الكولونيل يانيف آسور، القائد الحالي للقيادة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، الذي يشرف مباشرة على العمليات العسكرية في غزة. آسور نفسه اتهمه قائد القوات الجوية الإسرائيلية بالمسؤولية عن سقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين.
هذا الكشف يضع تحول ستارمر في سياق قاتم. فالدولة التي “تعترف” بفلسطين بيد، هي نفسها التي تدرب الضباط المسؤولين عن تدميرها باليد الأخرى. ورغم أن وزارة الدفاع أعلنت مؤخراً أن الكلية لن تقبل طلاباً من إسرائيل اعتباراً من العام المقبل، إلا أن الضباط الإسرائيليين الموجودين حالياً في بريطانيا سيُسمح لهم بإكمال دوراتهم. هذا القرار المتأخر والمنقوص وصفه الجنرال البريطاني المتقاعد تشارلي هربرت بأنه “وصمة عار”، مطالباً بطرد جميع أفراد الجيش الإسرائيلي من مؤسسات التدريب البريطانية فوراً.
هنا يظهر التناقض الأساسي في مشروع ستارمر: إنه يقدم حلاً سياسياً رمزياً (الاعتراف بالدولة) لمشكلة متجذرة في البنية المادية والعسكرية للدولة البريطانية. إن هذا الاعتراف لن يغير حقيقة أن بريطانيا جزء من الشبكة الغربية التي تدعم وتسلح وتدرب الجيش الإسرائيلي، ومجرد غطاء ليبرالي يخفي استمرارية هذه العلاقات الآثمة العميقة.
في المحصلة، فإن تحول كير ستارمر من تأييد الحصار إلى إعلان الاعتراف بالدولة ليس قصة تحول أخلاقي، بل هو دراسة حالة في إدارة الأزمات السياسية. إنه نتاج ضغوط متضافرة من قاعدته الحزبية، وكتله الانتخابية، ونوابه، وسمعته الدولية، وحتى صورته الشخصية كمحامٍ حقوقي سابق.
قد يكون الاعتراف بدولة فلسطينية خطوة رمزية مهمة، لكن في سياق ستارمر، فإن وظيفته الأساسية هي وظيفة داخلية: إخماد التمرد في حزب العمل، ووقف النزيف الانتخابي في الدوائر الرئيسية، وإصلاح صورته كزعيم “معتدل” و”مسؤول” في وقت بدأت فيه أوساط من داخل الحزب تتحدث عن ضرورة العمل على استبداله قبل أن يدمر ما تبقى للحزب من فرص لمواجهة المد اليميني واليساري الجارفين. إنها مناورة تهدف إلى البقاء في السلطة.
لكن الخطر يكمن في أن هذه الخطوة قد يُنظر إليها على أنها “قليلة جداً ومتأخرة جداً”. فبالنسبة للمجتمعات التي دمرتها حرب غزة، وشهدت الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، يبدو الاعتراف الآن وكأنه فكرة لاحقة، لفتة لم تُقدم إلا بعد أن أصبحت الضغوط الأخرى لا تطاق. إنها مسرحية سياسية قد تنجح في تحقيق أهدافها الانتخابية قصيرة المدى، لكنها تكشف عن خواء أخلاقي عميق، وتفشل في مواجهة الحقيقة المزعجة المتمثلة في أن الدولة التي يقودها ستارمر كانت ولا تزال متواطئة في تدمير الشعب الذي يعترف الآن بحقه في دولة.
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
– لندن
2025-09-26