الراحل محسن العيني كأحد صانعي التحول في اليمن!
علي محسن حميد*
ولد محسن أحمد العيني في عام ١٩٣٢ في قرية الحمامي القريبة من صنعاء وتوفي في ٢٥ اغسطس عام ٢٠٢١.تيتّم في السابعة من عمره والتحق بمكتب الأيتام ودرس فيه المستوى الإبتدائي ثم واصل تعليمه في مدرسة حكومية حديثة الإنشاء. أرسل إلى خارج اليمن للتعليم عام ١٩٤٧، أولا في لبنان ثم في مصر كواحد من بعثة الأربعين الشهيرة. في ١٩٥٥أرسله الإمام أحمد للدراسة للمرة الثانية في باريس. ألهمته تجاربه تأليفه لأول كتبه ” معارك ومؤمرات ضد قضية اليمن” الذي نشر في دمشق عام ١٩٥٧ونقد فيه بقوة الركود الاجتماعي والسياسي في اليمن.مما كتب فيه “نحن في القرن العشرين وشعبنا لايعرف شيئا عن الطرق المعبدة، الموانئ،الألات، المصانع، العمال، رجال الأعمال والمشروعات”. عندحضوره في الحديدة ذكرى انتصار الإمام أحمد على الانقلاب الذي قتل والده، الإمام يحي عام ١٩٤٨، رد في الحفل على علي عقبات الخطيب المفوه الذي يعني إسمه حرفيا بالانجليزية Obstacles “عقبات”، والذي انتقد أولئك الذين يرتدون بنطلونات ويأكلون بالملعقة والشوكة، بقوله ” إن اليمن متخلفة بسبب هذه العقبات في طريق التقدم الذي يريد الإمام إحداثه”. وكان هذا نموج لإصرار العيني على قول مايراه مُساعدا على التغلب على المعارضين للتغيير.
النشاط السياسي المبكر:
أضر نشاط العيني السياسي بدراسته في السوربون وتسبب بفقدانه منحته وعودته إلى القاهرة لدراسة القانون. بعد تخرجه اختار أن يعمل في عدن بدلا من صنعاء أو تعز ، مقر الحكومة في عهد الإمام أحمد( ١٩٤٨ – ١٩٦٢). درّس العيني في المعهد العلمي الإسلامي الذي
كان المؤسسة التعليمية الوحيدة التي تقبل اليمنيين الشماليين أثناء الحقبة الكولونيالية البريطانية.ذكاؤه ونشاطه السياسي مكناه من يصبح الأمين العام لاتحاد المعلمين بعدن وعضو منتخب في المجلس التنفيذي لاتحاد العمال العرب وعلى خلفية ذلك تم ترحيله من قبل الحاكم البريطاني. عاد إلى القاهرة ليستأنف نشاطه مع حركة الأحرار اليمنيين، وأن ينضم إلى حزب البعث عام ١٩٥٨.
الزواج:
في عام ١٩٦١ تزوج العيني زواجا تقليديا من عزيزة عبد الله أبو لحوم التي سافرت من صنعاء لتتزوج رجلا لم تره من قبل.عزيزة هي أخت الشيخ سنان أبو لحوم أحد المعارضين القبليين المهمين للإمام أحمد وشيخ رئيسي في قبيلة بكيل.لم يكن المستوى التعليمي لعزيزة في صنعاء مرضٍ لطموحات الزوج. أخبرني أنه أدرك أنه من غير الممكن في عمرها أن تلتحق بمدرسة وكإبنة لشيخ أن تتولى مدرِّسة خاصة تعليمها ولذلك وظف سيدة مصرية ك”مساعدة في البيت” ولكن عملها الرئيسي كان تعليم العروسة بدون إشعارها بالغرض الأساسي لعملها في المنزل.عزيزة أصبحت كاتبة روائية وقد ترجمت رواياتها إلى عدة لغات.
قيام الجمهورية:
عندما نشبت الثورة في ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢ في صنعاء، كان العيني في بغداد في مهمة لاتحاد العمال العرب.كان غير واع بما حدث في صنعاء حتى استدعائه من الرئيس عبد الكريم قاسم الذي أخبره بنهاية نظام الإمامة وإعلان الجمهورية العربية اليمنية وتعيينه وزيرا للخارجية. طار العيني إلى القاهرة وقابل الرئيس جمال عبد الناصر ثم ذهب إلى صنعاء الذي صدمه فيها الوضع المرتبك لقادة الثورة وافتقارهم لرؤية لمستقبل حكم اليمن. كانت أول مهامه خارج اليمن حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي طريقه قابل الرئيس جمال عبد الناصر وأخبره بما لمسه من ارتباك.نقده عبد الناصر عشرة ألف دولار لإنفاقها في نيويورك على العلاقات العامة ولتسهيل عضوية اليمن الجمهوري في الأمم المتحدة. تحقق الهدف في ١٩ ديسمبر بعد اعتراف الولايات المتحدة بالجمهورية العربية اليمنية برغم المعارضة القوية للمملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة. وقع العيني حينذاك ضحية الفوضى في اليمن وفقد منصبه كوزير للخارجية في نوفمبر ١٩٦٢ وعين أول سفير في الولايات المتحدة في فبراير ١٩٦٣. خلال مهامه الدبلوماسية كان يشعر بأن من حقه أن يعبر عن مواقفه الخاصة حتى لو لم تكن متناغمة مع سياسات الحكومة.على سبيل المثال لم يكن راضٍ عن الحل العسكري للحرب الأهلية في الستينيات ولكنه آثر عدم الإعلان عن مناصرته حينها لقضية السلام والمصالحة.وعن الموضوع الحساس المتصل بالعلاقات بين اليمن ومصر( الجمهورية العربية المتحدة )، ساند الفريق الذي كان يريد تقييد دور مصر في العون العسكري وحده. وبرغم أن بعض جوانب السياسة المصرية في اليمن كانت تقلقه فقد ظل حتى وفاته مقدرا دور مصر الذي بدونه كانت هزيمة الجمهورية حتمية. لاحظتُ عندما شاركت في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٨٠ أنه يضع صورة الرئيس جمال عبد الناصر عبد الناصر على مكتبه عندما كان سفيرا في نيويورك مما دفعني لسؤاله وأنا أعي أن ماكان بين البعث وبين عبد الناصر ماصنع الحداد وكان رده هو ماسبق عن تثمينه للدور المصري في بقاء الجمهورية وامتنانه لإدراك عبد الناصر لدور العلاقات العامة في الأمم المتحدة ومنحه إياه عشرة ألف دولار عام ١٩٦٢.
العيني رئيسا للوزراء:
عين العيني وزيرا للخارجية في حكومة أحمدمحمدنعمان عام ١٩٦٦، ولكن مصر حجبت الثقة عن تلك الوزارة لأنها شملت بعثيين. حدثت بين النعمان والعيني وعبد الناصر نقاشات غاضبة وحاول النعمان إقناعه بعدم وجود وزراء بعثيين في الحكومة ولكن بدون جدوى. قال ناصر بصراحة ” أن المتهم بالبعثية هنا وأنه لايستطيع الدفاع عن نفسه”.كان يشير إلى العيني. وينسب إلى عبد الناصر عبارة شهيرة قيلت في الاجتماع ” يانعمان لاتستطيع إقناعي نثرا ولاشعرا”. غادر العيني الذي ترك حزب البعث عام ١٩٦٢، إلى سوريا بينما سجن النعمان المُعترض عليه وعلى بعض وزرائه في القاهرة من يونيو ١٩٦٦ إلى اغسطس ١٩٦٧. في ٥ نوفمبر ١٩٦٧، أطيح بالرئيس عبد الله السلال في انقلاب غير دموي وعين العيني رئيسا للوزراء لأول مرة ولكنه لم يشغل المنصب إلا أسبوعين، للحاجة سنتذاك إلى رئيس وزراء بخبرة عسكرية ليقود الدفاع عن صنعاء التي كانت تحت حصار القوات الملكية التي هددت وجود الجمهورية ذاتها.عين العيني رئيسا للوزراء مرة أخرى عام ١٩٧٠، في وقت كانت مواردالدولة ضئيلة وفي نفس الوقت كان على الحكومة أن تقوم بإصلاحات اقتصادية وسياسية طال انتظارها وأن تقيم لأول مرة في تاريخ اليمن دولة النظام والقانون وكان العيني رائد الدعوة لها. كان التزام العيني لايتزعزع وكان متفانيا في عمله ، وقد شارك وهو رئيسا للوزراء في تنظيف شارع في صنعاء. المعارضة المحافظة بقيادة الإخوان المسلمين سدت الطرق في وجه إصلاحاته. هذه القوى نفسها أفشلت مبادرته التاريخية لتنظيم زراعة واستهلاك القات ومنع زراعته في أراضي الدولة والأوقاف. الشيخ عبد الله حسين الأحمر عبر عن أسفه فيما بعد على موقفه الذي عارض فيه مبادرته بعد استفحال المشكلة. حقق العيني في رئاسته للحكومة تلك إنجازات مهمة منها المصالحة بين الجمهوريين والملكيين في جدة في مارس عام ١٩٧٠ والاعتراف السعودي بالجمهورية في يوليو ١٩٧٠ واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين اليمن والولايات المتحدة عام ١٩٧٢، ولكن هذا أدى إلى أن تسير الجمهورية العربية اليمنية في فلك السعودية كأمر واقع. مكن ضعف اليمن وهشاشتها وافتقارها للموارد الرياض من التدخل في شؤون اليمن بمنح أو منع مساعدتها المالية للحكومة وبواسطة “اللجنة الخاصة” لليمن تمكنت السعودية من الدعم العلني للقوى المحافظة التي رسخت بالتدريج
هيمنتها على الجمهورية.
الحرب والوحدة بين الشمال والجنوب:
كان العيني رئيسا للوزراء في سبتمبر ١٩٧٢ عندما خاضت الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حربا حدودية خاطفة أنهاها تدخل دبلوماسي للجامعة العربية برغم اعتراضات السعودية. في محادثات السلام بين العيني وبين نظيره الجنوبي علي ناصر محمد كانا هما المفاوضات الرسميان في العلن لكن العمل الحقيقي كان يتم في الفندق الذي كان يقيم فيه الوفدان، بمشاركة عبد الفتاح إسماعيل الأمين العام للجبهة القومية أكثر السياسيين الجنوبيين نفوذا. اتفق القادة الثلاثة على أن أي من شطري اليمن لن يتمتع بالاستقرار طالما ظلا منقسمين. ومع ذلك قوبل اتفاق الوحدة في اكتوبر ١٩٧٢ بمعارضة من قبل النخب القبلية والمحافظة في الجمهورية العربية اليمنية ومن قبل العديد من الجنوبيين الذين فروا إلى الشمال بعد الاستقلال. العيني لم يتبن علنا تشكيل أحزاب سياسية ولكنه كان مقتنعا بأنه من المستحيل تحقيق الوحدة بين اليمنين بدون إيديولوجية مشتركة وتنظيم سياسي مهما كان إسمه. وفي مواجهة معارضي الوحدة قال في محاضرة في نادي الخريجين بصنعاء ” عام ١٩٧٢ “لايوجد محمد في صنعاء ولا ماركس في عدن”.
نصت اتفاقية القاهرة على عقد قمة في نوفمبر١٩٧٢ بين الرئيسين اليمنيين، عبدالرحمن الإرياني وسالم ربيع علي في طرابلس. صادق الرئيسان في طرابلس على اتفاقية القاهرة لكن المصادقة أذنت بنهاية حكومة العيني بسبب المعارضة للاتفاقية. مرة أخرى يعين العيني سفيرا وهذا ما دفع الرئيس الإرياني ١٩٦٧- ١٩٧٤- لأن يقول في مذكراته بأن العيني كان شغوفا بأمرين أن يكون رئيسا للوزراء أو العيش خارج اليمن. في يونيو عام ١٩٧٤ وهو سفير في لندن تمت الإطاحة بنظام الإرياني من قبل تحالف مشيخي وعسكري بقيادة العقيد إبراهيم الحمدي. كان الشيخ سنان أبو لحوم وثلاثة ضباط من أسرته أعمدة الانقلاب، وقيل بأن غايتهم النهائية كانت وضع العيني محل الحمدي بمساعدة العراق.أصبح العيني رئيسا للوزراء فيما سمي ب ” حركة ١٣ يونيو التصحيحية “، ولكن شهر العسل مع الحمدي كان قصيرا وأجبر العيني في يناير ١٩٧٥ على الاستقاله.
بغداد وصدام حسين:
قبل العيني دعوة ليقيم في بغداد بشرط وضعه هو وهو ابتعاده عن العمل السياسي. برغم ذلك كما أخبرني في منزله بالقاهرة فقد دعاه الرئيس صدام حسين لحضور اجتماع لقيادة حزب البعث، قطر اليمن. نوقش في ذلك الاجتماع القيام بانقلاب ضد الرئيس علي عبد الله صالح الذي استولى على السلطةعام ١٩٧٨. طمأنت قيادة البعث اليمني المشاركين بأن كل الظروف لصالح نجاح الانقلاب. عندما طلب صدام من العيني أن يبدي رأيه عبر عن المخاطر الجسيمة التي ستنتج عن الانقلاب وتأثيره السلبي على العراق ذاته سياسيا واقتصاديا، مذكرا بتجربة مصر المرّة في ستينيات القرن الماضي في اليمن لأن السعودية لن تقبل مثل هذا التدخل فيما تعتبرها “حديقتها الخلفية”وأنها ستدافع بشراسة عن مصالحها في اليمن وعن حلفائها القبليين. أجل صدام قرار الموافقة لمزيد من النقاش.بعد أيام قليلة اتصل صدام بالعيني ليخبره بأن الرفاق يتجولون الآن في لندن.
الدبلوماسية:
عين صالح العيني عقب اتفاق الوحدة في عدن عام ١٩٨٩ بين اليمنين سفيرا في المانيا ثم عينه في نفس المنصب الذي شغله قبل ثلاثة عشر عاما كسفير في الولايات المتحدة. خاض السفير العيني بمفرده معركة شرسة وواجه ضغوطا قوية في واشنطن لإجبار اليمن على السماح بتهجير
مواطنيها اليهود إلى إسرائيل. قابلته في واشنطن في يونيو ١٩٨٩ أثناء زيارة عمل لي إلى امريكا وسمعت شكواه من قلة تعاون صنعاء معه حول هذا الموضوع.طلب مني أن أثير مع مسؤلي وزارة الخارجية مطالبه المتكررة والملحة بتعيين دبلوماسيين أكفاء وتوفير موارد مناسبة لمساعدته على مواجهة اللوبي والإعلام الصهيوني. ناقشت الأمر مع وكيل وزارة الخارجية عند عودتي ولخيبة أملي تجاهل الرد حول مطالب العيني وأخبرني بأن وزارة الإعلام أنتجت فيلما عن حياة اليهود اليمنيين وأرسلته إلى عمّان ليبث من قناته التلفزيونية، وأوضح أن فكرة إنتاج الفيلم بنيت على فرضية أنه بمجرد مشاهدة الفيلم في إسرائيل فإن اليهود اليمنيين سيُغبطوا على الحياة المزدهرة التي يعيشونها. غير أنه ،وطبقا للوكيل، فإن الأردنيين توقعوا نتائج عكسية للفيلم
لأنهم صدموا للحياة البائسة التي يحياها اليهود اليمنيين ،التي لم تكن في الواقع تختلف عن حياة معظم اليمنيين في ظل نظام صالح وكانت نصيحة الأردنيين بأنه ليس من المصلحة اليمنية عرض الفيلم في التليفزيون الأردني.
السنوات الأخيرة:
أنهى العيني مهمته الدبلوماسية في واشنطن عام ١٩٩٧ وقضى معظم سنوات الأخيرة في مصر. عندما شن السعوديون عاصفة الحزم في ٢٦ مارس ٢٠١٥ كان معارضا لها وطالب بنهاية الحرب وبالمصالحة الوطنية وأكد على الحاجة لإنشاء مجلس رئاسي من كل أطراف الصراع اليمنية بدون استثناء.العيني مع آخرين بذل في بيئة صعبة كل مايستطيعه لتحديث اليمن ولم يستسلم واستمر في كفاحه حتى في مذكراته.
توفي العيني في ٢٥ اغسطس ٢٠٢١ في القاهرة لإصابته بفيرَس كوفيد ١٩ ودفن في مسقط رأسه في الحمامي مخلفا زوجته وإبنتين وولدين.
- أعلاه ترجمة لمقال الكاتب في المجلة السنوية للجمعية البريطانية اليمنية
- ،British Yemeni Society Journal ،العدد ٣٠/٣١ – ٢٠٢٣- ٢٠٢٤.
2025-09-26
