#جيوسياسية/ من المساعدات إلى الهجرة.. الجزائر تُعيد ترتيب المعادلة مع فرنسا!
إدريس آيات
في خطوة تعكس اتجاهًا متصاعدًا نحو فك الارتباط مع الهيمنة الثقافية الفرنسية، قررت الجزائر تعليق كل المساعدات الفرنسية الموجهة للمدارس الخاصة الجزائرية، والتي كانت تُمنح تحت غطاء تشجيع تعليم اللغة الفرنسية. هذا القرار يأتي متماشيًا مع التوجه العام في البلاد نحو تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية، وهو ما أكده تصريح السفير البريطاني في الجزائر حول دعم لندن لتطوير تعليم الإنجليزية في النظام التعليمي الجزائري.
لكن الجزائر ليست وحدها في هذا المسار، فقد أعلنت كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو انسحابها من المنظمة الدولية للفرنكوفونية، في رسالة واضحة بأن الفرنسية لم تعد لغة “النفوذ” كما كانت، بل أصبحت رمزًا لهيمنة استعمارية تحاول إفريقيا التخلص منها.
▪️توترات متزايدة بين الطرفين
جدير بالذكر أنّ وزير الداخلية الفرنسي، برونو روتايو، قد جدّد تهديده قبل أيام بالتراجع عن اتفاق الهجرة لعام 1968 الموقع بين بلاده والجزائر، والذي يمنح الجزائريين امتيازات خاصة في الإقامة والعمل بفرنسا. هذا التصعيد يأتي بعد اتهام باريس لمواطن فرنسي-جزائري بتقديم معلومات استخباراتية عن معارضين جزائريين في فرنسا لصالح المخابرات الجزائرية، ما أثار موجة من الجدل السياسي داخل الأوساط الفرنسية.
لم يكن روتايو وحده في هذا التوجه، فقبل أيام فقط، هدد رئيس الحكومة فرانسوا بايرو رسميًا بطلب إلغاء الاتفاق، في حال لم تستجب الجزائر لاستقبال مواطنيها غير الشرعيين المقيمين في فرنسا، مانحًا إياها مهلة ستة أسابيع. هذا التصعيد يعكس تنامي الخطاب اليميني المتطرف داخل المؤسسة السياسية الفرنسية، حيث يلتقي روتايو وبايرو مع شخصيات بارزة في اليمين واليمين المتطرف، مثل مارين لوبان، إيريك سيوتي، إضافة إلى رؤساء الحكومات السابقين، إدوار فيليب، غابريال أتال، مانويل فالس، وأليزابيت بورن.
▪️الجزائر تفتح ملف عقارات فرنسا.. امتيازات تاريخية تحت المجهر
مقابل التهديدات الفرنسية، وفي تطور لافت يعكس إعادة ترتيب المعادلة الدبلوماسية بين الجزائر وفرنسا، استدعت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية في وقتٍ مضى؛ السفير الفرنسي ستيفان روماتي لمراجعة ملف العقارات التي وضعتها الجزائر تحت تصرف باريس بعد الاستقلال، وهو ملف يكشف – بحسب مصادر جزائرية – عن اختلال صارخ في المعاملة بين البلدين.
وبحسب وكالة الأنباء الجزائرية، فإن فرنسا تشغل 61 عقارًا على الأراضي الجزائرية مقابل إيجارات زهيدة لا تتناسب مع قيمتها الحقيقية. أبرز هذه الأملاك، مقر السفارة الفرنسية في الجزائر، الذي يمتد على 14 هكتارًا (140,000 متر مربع) في أعالي العاصمة، مقابل إيجار لا يكاد يغطي حتى تكلفة غرفة خدم في باريس. أما إقامة السفير الفرنسي، المعروفة بـ”ليزوليفيي” (أشجار الزيتون)، فهي مبنية على مساحة 4 هكتارات (40,000 متر مربع)، وتُؤجَّر بمبلغ رمزي لم يتغير منذ 1962 حتى أغسطس 2023، وهو امتياز لم يسبق أن منحته فرنسا للجزائر على أراضيها.
لكن العقارات ليست سوى جزء صغير من الامتيازات التي تستفيد منها فرنسا في الجزائر، فوفقًا للوكالة الجزائرية، هناك اتفاقيات ثنائية تمنح باريس مزايا ضخمة، من بينها اتفاقية 1968 التي تنظم وضع الجزائريين في فرنسا، والتي لا تتوقف باريس عن التنديد بها، رغم أنها تجني منها فوائد اقتصادية هائلة، أبرزها اليد العاملة الجزائرية التي ساهمت في إعادة بناء فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية.
▪️إعادة التوازن.. أفريقيا تقلب الطاولة
ما يحدث اليوم في الجزائر والساحل الإفريقي هو جزء من مشهد أوسع يعكس تراجع النفوذ الفرنسي، ليس فقط ثقافيًا، بل سياسيًا وعسكريًا. فبينما تفقد باريس قواعدها العسكرية ونفوذها السياسي، ها هي تفقد آخر حصونها الناعمة، أي اللغة والثقافة، في قارة كانت ترى فيها امتدادًا طبيعيًا لها.
لكن في العمق، مانُشاهده راهنًا، هو إعادة ضبط لميزان المصالح بين البلدين. فأفريقيا لم تعد تقبل بالمعادلات غير المتكافئة التي رسّختها عقود ما بعد الاستقلال، وفرنسا، التي لطالما تعاملت مع أفريقيا كحديقتها الخلفية، باتت اليوم تواجه واقعًا مختلفًا، حيث لم يعد بإمكانها الاحتفاظ بامتيازاتها القديمة دون مساءلة.
2025-03-22
