من أوراق كتابي (المنسيون) .5!
أبو علاء منصور.
خرجوا والمقثاة مغبّرة..
طقسٌ تشريني لطيف وأنا أقود سيارتي إلى قرية قطنّة من قرى شمال غرب القدس في اليوم التالي. انعطفتُ يساراً بعد دير القبيبة، فادلهمت السماء فجأة وكاد الجو أن يصبح معتماً. ضللتُ الطريق فتوقفتُ وسألتُ أحد المارة: هل يبعد كثيراً بيت الأسير المحرر؟ قلت ذلك قاصداً بيت إبراهيم شماسنة. رد: مئة متر للأمام.
قلت متسرعاً وأنا احتضن الأسير المحرر:
_ أهلاً إبراهيم!
بدوت شديد الحرج حين قال:
_ أنا منصور شماسنة، إبراهيم أُبعد إلى تركيا.
_ حمداً لله على سلامتك، كم عاماً قضيت في السجن؟
_ ستة وعشرين عاماً.
تورطتُ بسؤال أشد إحراجاً:
_ هل أنت متزوج ؟
_ لا
دفعتني الأسئلة الخطأ إلى أن أصمت.
تحدث منصور عن معاناة الأسرى: غالباً ما تغيب عن الأذهان تفاصيل معاناة الأسير أثناء الحديث عن الأسرى، يجري الحديث عنهم بالجملة، بعناوين عريضة وشعارات. أعدادهم وسنوات اعتقالهم، أما كيف تترجم الساعات والأيام وثقل السنين! هناك تفاصيل أليمة في يوميات كل أسير. هناك الأسرى القدامى، وأشقاء اجتمعوا في السجن، ومرضى وكبار سن، لولا الأمل لوجد السجين نفسه وسط مأساة متدحرجة على مدار الساعة. قال لي زميل متألماً: لم يتبق لزوجتي سوى عام واحد تستطيع فيه أن تحمل! إن لم أخرج في هذه الصفقة لن ننجب أطفالاً. أسير آخر هرّب مع والدته نُطفاً، وكان عليها إحضار شاهدَين، فالأمر ليس سهلاً دينياً وإنسانياً، وغالبا ما تفشل العملية فنياً أو صحياً. كثيرون تمنوا أن لا يموت الجندي الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة جلعاد شاليط قبل أن تتم صفقة التبادل، لو قتل في عملية الرصاص المصبوب التي شنها جيش الاحتلال على قطاع غزة لتعطلت الصفقة.
وأنا أستمع لمنصور مر بخيالي ما قرأته في رواية (عراة بين الذئاب) للكاتب برونو أبيتز عن الأسرى في السجون النازية: ماذا سيكون مصير عشرات الألوف من المعتقلين حين تلحق الهزيمة بالهتلريين؟ كل المؤشرات تؤكد أن القيادة النازية ستعمد إلى عملية قتل جماعية للسجناء. أخبار الانتصارات تمد السجناء بالأمل الوحيد للخلاص من براثن الموت البطيء في المعتقل النازي، إلاّ أن النصر الحاسم يهددهم بالموت الجماعي والسريع.
قال منصور معلقاً على صفقة التبادل: بغض النظر عن الثغرات التي تعتري كل صفقة تبادل نظراً للظروف والأخطاء وحسابات المصالح، يجب النظر إليها باعتبارها إنجازاً وطنياً، ومحاسبتها تحت شعار “ارحم المبتدئ وشجّع المخطئ”. هذه تجربة حماس الأولى، ثم لو أن حماس اعتمدت الأقدمية في مطالبها لخرجت (مُقشِّرة بصل) من ناحية الإفراج عن معتقليها الذين اعتقل غالبيتهم في الانتفاضة الأولى، قبل ذلك كان المعتقلون من فصائل منظمة التحرير. أضاف: على مدى الأيام التي بدأت تتسرب فيها المعلومات عمن سيفرج عنهم، لم نعرف كيف نشرب ولا كيف نأكل ونحن نتطلع في وجوه بعضنا. من سيُفرج عنه؟ من سيبقى؟ حين انزويت بعبد الجواد شماسنة تمنيتُ لو يبعدوني إلى غزة كي لا أرى وجه والدته إن تم الإفراج عني دونه! أمس، فور وصولي إلى القرية انهمرت دموعي وأنا أقبّل يديها. لم أجد لي عين لأقابل زوجتيّ عبد الجواد وشقيقه محمد.
ذكّرني ما قاله منصور بموقف الأسير المحرر حمد الله العالول وهو يعانقني وقد كان بين المحررين الذين شاركتُ في استقبالهم في الجزائر عام 1983. يومها قال العالول والدموع تنهمر من عينيه: أمن العدل أن أتحرر أنا ويظل خضر وجمال سجينين!
طافت بعينيّ منصور دمعة فأبكاني حين قال: قبل سنوات أُحضرت إلى السجن فرحة البرغوثي، والدة الأسيرين عمر ونائل البرغوثي، جيء بها في سيارة إسعاف لوداع ولديها وهي على فراش الموت. مشهد أبكى السجين والسجان والعجوز تتبادل احتضان ولديها بأذرع واهنة، وتقبل يديّ نائل آخر العنقود، كانت تلهث بهمس ضعيف، فيما يكابد الشقيقان العذاب بصمت محاولين تشجيع نفسيهما ووالدتهما. يومها عاد نائل من الزيارة منتحباً! كأنه عائد من جنازة الوالدة! كان واثقاً أنه لن يراها، وقد احتاج سنوات بعد ذلك ليتعلم كيف يبتسم! الشيخ جمال أبو الهيجا؟ تركناه مؤبداً، يده مبتورة وزوجته مصابة بالسرطان! المؤسف أن صفقات التبادل متباعدة وموسمية، لهذا صرخ فخري البرغوثي من على شاشة التلفزيون: (الإفراج عن الأسرى قبل أي شيء). ما تلفظ به ينطق بلسان ألم كل أسير.
تساءلتُ مع نفسي بعد سنوات: ما الذي كانت ستقوله المرحومة فرحة لو بقيت على قيد الحياة، وشهدت استشهاد حفيدها صالح وأسر شقيقه عاصم ولديّ عمر، واعتقال ثلاثة أحفادها من ابنتها حنان، ثم هدم منزلي عاصم وصالح.
اقتادني شقيق منصور إلى دكان والد الأسيرين عبد الجواد ومحمد شماسنة. شعرتُ بالخجل باعتباري مسؤولاً عن ابنيه قبل اعتقالهما، ولأنني لا أملك ما أقدمه للمساهمة في الافراج عنهما! قال أبو العبد بنبرة حزينة: تمنينا لو أن أولادنا بيننا اليوم، لكن الحمد لله تحرر صهرنا إبراهيم. قال ذلك وأصر على مرافقتي إلى منزل ولده عبد الجواد. لم أجد ما أقوله للسيدة أم أجود سوى تشجيعها والثناء عليها فقالت: لم أجد لي قلباً لأشارك العائلات المحتفلة بأبنائها أمام سجن عوفر، لكن أولادي شاركوهم الفرح. أنا واثقة من أن اليوم الذي سيفرج فيه عن الأسرى آت، لكن العمر يمضي والمعاناة تتفاقم. المشكلة أنه ليس هناك مؤشرات في الأفق، فقد استمر التفاوض على هذه الصفقة أكثر من خمس سنوات، والمسافة التي تفصلها عن صفقة العام 1985 ستة وعشرين عاماً. هناك تقصير بحق الأسرى وعائلاتهم، ليس هناك من يلتفت إلينا وإلى أبنائنا إلا بالكلام، فيما تفرض قوات الاحتلال علينا عقاباً جماعياً، لا يُمنح أبناء الأسرى وأشقاؤهم ومقربوهم تصاريح، مضى على آخر زيارة ابني الصغير لوالده أكثر من عامين.
لاحت على شفتي أم أجود ابتسامة حزينة وهي تتحدث عن يوم اعتقال زوجها: في ذلك اليوم، اعتقلتني قوات الاحتلال أنا وحماتي وشقيقتي، قضينا عشرين يوماً في زنازين المسكوبية. التقيتُ وحماتي في الزنزانة فحذرتني: (هُصّي يا خايبة ليكون في كاميرات ومسجلات). لحظات قاسية وأنا أودعها وأوصيها بالأولاد، فقد تلاعبت المجندة بأعصابي حين قالت لحماتي وشقيقتي وهي تضع القيود في يديّ: (أنتما للبيت وأنت يا مريم إلى الزنزانة). عدت للزنزانة مكسورة الخاطر قبل أن تأتي وتدعوني للخروج.
أيام وشاركتني شقيقتي نعيمة وزوجها حسن منصور رحلة أخرى لزيارة عائلات الأسرى. بدأنا بمنزل عبد الجواد. قالت أم أجود مُرحبة: صحيح أن زوجي لم يفرج عنه، لكن أفرج عن شقيقي إبراهيم، هذا يعطينا أملاً. قلت: تحدث معي إبراهيم من قطر أول أمس. قالت: وتحدث معي كذلك، قال إنه تقدّم بمعاملة للحصول على تأشيرات لوالدتي ولأبنائه للسفر إلى قطر. قال حسن: لا يوجد ثورة ترعى المحررين، خرجوا من المعتقلات والمقثاة مغبّرة كما يُقال.
واصلنا طريقنا لزيارة منزل إبراهيم، التقينا والدته، امرأة في الثامنة والسبعين، قوية وعلى درجة متقدمة من الوعي، سلمنا عليها فأشارت إلى شاب: هذا موسى، الابن الأصغر لإبراهيم، كانت المرحومة والدته حاملاً به في الشهر السابع عندما اعتقل والده. تمنيتُ لو ما زالت حية فتفرح بتحرر زوجها، توفيت بالسرطان قبل سبع سنوات، منذ ذلك الحين وأنا أعتني بالأولاد. أضافت متألمة: مع الأسف لم يأت شباب فتح لتهنئتنا بتحرر إبراهيم إلا بعد أربعة أيام، ظنوه تحول إلى حماس! هل يمس ذلك بوطنيته وهل يلغي تاريخه في فتح؟ ثم ألا تنتمي فتح وحماس لشجرة المقاومة ذاتها؟
في منزل والديّ عبد الجواد ومحمد، انفجرت دموع والدتهما: خلتُ محمد يختنق بدموعه وهو يخاطبني عبر التلفون أمس: لا تتضايقي يا والدتي لأنه لم يفرج عني وعن عبد الجواد. أضافت المرأة العجوز: انتحبتْ زوجة محمد وبناته وقد تخيلن أنه سيفرج عنه. علقت أم أجود: فرحنا بالمفرج عنهم، لكن ذلك ذكّرنا باعتقال عبد ومحمد، كأنهما اعتقلا اليوم.
مع تحيات أبو علاء منصور
يتبع غدا
2020-05-24