من أوراق كتابي (المنسيون) 14!
أبو علاء منصور.
العِرسة والفئران ….
اخترتُ تهنئة عهد التميمي ووالدتها ناريمان بعد أسبوع من تحررهما من السجن، بعيداً عن صخب الإعلام، وكي تأخذ الأسيرتان المحررتان قسطاً من الراحة. عند الحادية عشرة صباحاً طرقتُ باب منزل العائلة الذي كان مشرعاً، فهب باسم والد عهد للترحيب. دقائق وجاءت ناريمان، أما عهد فتأخرت قليلاً لإنها تعاني ألماً في المعدة. دقائق ووصلت سيارة فورد تقل سبعة أمهات أسيرات من القدس: والدة منار الشويكي، محكومة ست سنوات وهي أصغر الأسيرات. أم ملك سلمان التي اعتقلت في عمر السادسة عشر، ومضى على اعتقالها قرابة ثلاث سنوات. والدة شروق المصابة بطلق ناري في يدها، والتي اعتقلت في عمر الثامنة عشر ومحكومة ستة عشر عاماً وغرامة ثمانين ألف شيقل، وأمضت أربع سنوات في السجن حتى الآن. والدة نورهان عواد، والدة أماني حشيم، والدة راما، ووالدة فدوى حماده. لقاء مؤثر وهن يحتضن عهد ووالدتها تسبقهن الدموع، ففي الأسيرتين المحررتين رائحة فلذات أكبادهن.
توجهت والدة شروق بسؤال لناريمان: كيف شروق؟ ردت ناريمان بعفوية: قردة. قالت والدة شروق: لم تشكُ شروق من الإصابة في يدها، لم تبك يوماً ولم تشعرني بألمها. كانت تتظاهر أنها بخير. عرفتُ بألمها حين همست بشيء لشقيقتها في الزيارة فبكتا. تضايقتُ فقلت: ألستُ أُمَّكن؟ ما الأمر؟ صارحنني. أجابت شروق: يدي تتشنج، كنتُ أموت ألماً حين أرفعها، كنت أتظاهر أمامك بالقوة، الآن وضعي جيد.
قالت والدة نورهان لناريمان: جئناك لنتعرف على ظروف بناتنا الأسيرات، نريد الحقيقة. أضافت مبتسمة: ما قصة الفئران والعِرسة؟. ضحكت ناريمان: كان هناك ورشة عمل في المجاري، هربت الفئران وبينهن عِرسة إلى غرفنا فبثت حالة رعب. قالت أم شروق: كانت شروق تخاف الصرصار قبل اعتقالها. علقت أم نورهان: ونورهان كذلك. قالت ناريمان: تولت الأسيرة حنين من طولكرم ملاحقة الفئران حتى قضت عليها. تساءلت والدة نور: وماذا عن نور؟ ردت ناريمان: دفنتُ أنا وراما ومنار أنفسنا تحت الحرام، وظلت نور نازلة وطالعة تضحك!
قالت إحدى الأمهات: هناك حديث عن ضعف العلاقات بين الأسيرات، يقال إن بعضهن منعزلات! ردت ناريمان: مشاكل الحياة كثيرة. هناك من تزوجت صغيرة وتعاني مع زوجها! هناك من لا تريد العودة لأسرتها بعد التحرر. وهناك أسيرات ميالات للعزلة بطبعهن. كنا نتغلب على الضغوطات النفسية عبر فعاليات ترفيهية نبتدعها. أنا لدي خبرات ودورات في مجال الطاقة الإيجابية وتفريغ الضغوطات السلبية، استخدمتها للتخفيف عمن يعانين، ولعضوة المجلس التشريعي خالدة جرار دور مهم. هناك من لا يتفهمون أثر المعاناة على السلوك.
اشتكت والدة شروق: هيئة شؤون الأسرى ووزارة التربية والتعليم لم تعترفا بنتائج التوجيهي في السجن، شروق حصلت على معدل 94% لكن الهيئة خفّضتها إلى 67%! والحُجة الغش. لماذا لا تُقارن نتائج الأسيرة بتحصيلها المدرسي قبل الاعتقال كي لا يؤخذ المنضبط بجريرة العاصي كما يقال. قالت والدة الأسيرة فدوى حماده المحكومة عشر سنوات: فدوى أم لخمسة أطفال. حين اعتقلت كان عمر ابنتها الصغرى مريم أربعة أشهر. كانت فدوى تعاني من اكتئاب الولادة، وشقيقها معتقل وهناك قرار بهدم المنزل. خذلت السيدة دمعة وهي تقول: حين تعود حفيداتي من زيارة والدتهن في السجن يُقمن مناحة. قالت والدة الأسيرة أماني حشيم: مضى على اعتقال أماني عشرون شهراً، وهي أُمٌ لطفلين ومحكومة عشر سنوات، وتحمل شهادة ماجستير.
عن عدد السجينات وطبيعة السجن قالت ناريمان: تتوزع الأسيرات على سجنين، في سجن الشارون 29 أسيرة وسجن الدامون 20 أسيرة. عقلية الأسيرات في سجن الدامون متشددة. هناك جلد وشكٌ في كل شيء! هذه ممسوسة بجن! تلك راكبها شيطان! الأمر على عكس ذلك في سجن الشارون، هنا ثقافة متفتحة. لماذا نمنع الأسيرات من الرقص؟ في الرقص تفريغ للضغوطات. كنا نشغل المسجل ونرقص! كانت إسراء جعابيص تلبس ملابس مهرج وتفرحنا برقصها الجميل! أقمنا حفلة لخريجات التوجيهي، واحتفلنا بعيد ميلاد منار ورفعناها على الكرسي، واحتفلنا بالأعياد وكنا نقيم غداء جماعياً كل يوم سبت. أيام وسنوات طويلة والسجين بحاجة للتفريغ! لماذا لا نُفرح شاتيلا المحكومة ستة عشر عاماً؟ مع الأسف هناك من يفسد الحياة بأفكاره السلبية. علقت والدة شروق: ألا نفرح ونرقص في بيوتنا؟ لماذا نحرم الأسيرات ذلك؟
قالت والدة ملك: ملك ابنتي البكر، كانت طالبة في الصف العاشر حين اعتقلت، اعتقلت من أمام المدرسة، شكوا بأمرها لأنها تحمل بيدها مصحف وحكموها سنتين. قالت ناريمان: دخلت شروق السجن وهي مصابة بطلق ناري في يدها، وكذلك ياسمين شعبان وهي أم لخمسة أطفال. قالت والدة شروق: شروق لم تنس ضرب الجنود لشقيقها محمد الذي كان مضى على خروجه من السجن شهران بعد سنتيّ اعتقال. ابتسمت وأضافت: قالت لي شروق ذات مرة: نيّالها عهد التميمي والدتها مسجونة معها. علّقت ناريمان موجهة الكلام لوالدة نورهان: أفرحتُ نورهان بتصفيف شعرها على شكل سبلة فراحت تتباهى بين الأسيرات: خالتو ناريمان عملت لي سبلة. أضافت ناريمان: في السجن لم أحتضن عهد ولا مرة. كتمتُ مشاعري حفظاً لمشاعر الأسيرات القاصرات. تحرير الأطرش لم تحتمل فراق رضيعتها فحاولت الانتحار. وقفنا إلى جانبها ودعمناها.
ألمٌ وشدة، لكن النساء قويات! تساءلتُ معهن: وماذا بشأن ظاهرة الزواج عن بُعد المنتشرة هذه الأيام؟. قالت والدة شروق: أنا لا أؤيدها، أسرى كُثر ومحررون طلبوا يد شروق لكني رفضتُ! لا أعرف ما الذي سيجري بعد تحررها، وكيف سيكون موقف من رغب في الارتباط بها! قالت والدة نورهان: أنا لا أشجع الظاهرة. قلت: في هذه الظاهرة مبالغة. علقت إحدى الأمهات: لكنها دليل تفاؤل. قلتُ: التفاؤل مهم وعلينا أن لا نخلط الأمل بالوهم.
قال باسم التميمي: في المحكمة انتهت المرافعات عن عهد فقال القاضي: أطلبُ من والد عهد أن يتحدث. وقفتُ وقلت: أتمنى أن يزول الاحتلال مع انتهاء محكومية عهد، وأن يكون حكمها قصيراً كي لا يطول الاحتلال. قال القاضي: قررتُ حكم الوالد بدفع غرامة مالية بقيمة خمسة آلاف شيقل لأنه لم يعلن ندمه على ما فعلته ابنته. أضاف باسم: يوم الإفراج عن عهد ووالدتها أبلغنا الإسرائيليون أنه سيفرج عنهما عند حاجز جبارة، لكنهم أنزلوا عهد عند حاجز رنتيس وأبقوا والدتها في سيارة الجيب. تمدد المتضامن الإسرائيلي جونثان بولاك أمام الجيب فهربوا بها إلى حاجز عطارة. ونحن عائدين من ضريح الشهيد ياسر عرفات إلى القرية طلبت عهد أن نتوقف لتأكل بوظة! التُقطت لها صورة فدارت ماكينة الإشاعات على الفيسبوك وكأن الطفلة ارتكبت جريمة! أضاف باسم عن جونثان: قال جونثان أثناء حفل تكريمه في نادي الأسير الفلسطيني: أنا أعتبر نفسي مقاتلاً من أجل الإنسان، من أجل الحرية والعدالة. أشكر الشعب الفلسطيني الذي أتاح لي فرصة التعبير عن قناعاتي.
حضر والد الشهيد نزار عيده الذي استشهد على دوار (الستي إن) يوم الثلاثين من شهر أيلول في العام 2000 وقد كان طالباً في المدرسة. والأسيرة المحررة منى قعدان. وأشرف نوفل. قال أشرف: بعد سبعة عشر عاماً من اعتقال والدي المحكوم مؤبد سُمح لوالدتي بالتقاط صورة معه، كدتُ أنفجر غيظاً حين لم يسمح لي بالتقاط صورة معهما. حين عدنا إلى المنزل دخلتُ غرفة والدتي فوجدتها تنتحب.
جاء في كتاب (نُصُب تذكاري) عن المناضلة حليمة فريتخ: قضت حليمة ست سنوات في السجن هي جزء من حكمها المديد. خرجت مع أخويها محمود وخضر في عملية التبادل عام 1985 فوجدت أُماً مريضة وأخوين “محمود” توغل فيه السرطان، و”خضر” مبتور اليد، وبيت مهدوم.
مع تحيات أبو علاء منصور
وإلى اللقاء غداً في الحلقة الأخيرة وهي بعنوان: حين تُهزم الثورات
يتبع غدا
2020-06-10