من أوراق سيرة والدتي… حلقة 33!
سيدة من جيل والدتي….
أبو علاء منصور.
اعتادت فاطمة قنداح -من قرية أبو شخيدم- منذ اقترانها بعبد الرحمن قنداح العامل في دائرة المساحة في حيفا، أن يعود إليها براتبه وهداياه في نهاية كل شهر. كان ذلك قبل أن تعصف النكبة بهناء الأسرة، وتضطره للعمل مُشغل موتور بابور الطحين في بلدة بير زيت. نجح عبد الرحمن بمساعدة عمه -المختار- في تسجيل عائلته ضمن اللاجئين، مستفيداً من أنه كان يشتغل عاملاً في حيفا، فأتاح ذلك للعائلة الحصول على بطاقة تموين من وكالة الغوث، ومخصصاً شهرياً من الطحين والمواد التموينية. في هذه الآونة شهدت فلسطين موجة سفر إلى الأمريكيتين، بحثاً عن لقمة العيش وفرص العمل، وأصبحت هذه ظاهرة في بعض المناطق. كان الشبان المتلهفون للسفر مدفوعين بقصص نجاح من سبقهم، وفيض الطموح وانتشار الإشاعات عن المال والثراء. ونظراً لبعد المسافات تفاقم التضليل واتسعت مساحة التعمية. فجاء ثمن كثير من رحلات المجهول باهظاً للغاية، وضحاياها المسافرون ونساؤهم الشابات وأطفالهم.
رهنت فاطمة السقيفة التي تسكنها لتأمين تكاليف سفر زوجها إلى البرازيل مطمئنة إلى وجود اثنين من أعمامه هناك أحدهم والدها. حين سافر زوجها كان في السابعة والثلاثين من عمره وترك خمسة أطفال في حضنها، أكبرهم منيرة -في التاسعة- وأصغرهم غازي بعمر شهرين، وبينهما خضر وطفلتان خرساوات. كانت تستغرق رحلة السفر بالباخرة من ميناء بيروت إلى البلاد البعيدة شهراً على الأقل. وأحياناً تضيع نقود المسافر أو تسرق منه، وهناك من أعيد من البلد المقصود حين اكتشفت السلطات أن تأشيرة سفره مزورة. ومن نجح في رحلة التيه، وصل إلى الشواطئ البعيدة منهك القوى ومشوش الذهن، ولا يملك سوى بضعة دولارات. كان همّ من يصل إلى تلك البلاد قبل عثوره على عمل، أن يجد من يكتب له (مكتوب) يطمئن به ذويه على سلامة وصوله، وتحتاج الرسالة أشهراً حتى تصل إلى أهله. وهناك مشكلة اللغة وطبيعة البلاد وعادات أهلها وتقاليدهم! وربما لم يسبق لكثير من التائهين أن غادروا محيط قراهم، لذلك كان من السهل ضياعهم وخداعهم. المحظوظون وجدوا من يستقبلهم في الغربة الموحشة.
من البداية أدركت فاطمة أن عليها الاعتماد على نفسها، فاشترت ماكينتي خياطة لتشغيل بناتها، وفي مواسم الحصاد عملت في الحقول بأجرة. واستطاعت فك رهن السقيفة واشترت قطعتي أرض مغروستين بالزيتون. فجأة انقطعت أخبار زوجها، وتزوجت اثنتان من بناتها فتوقف مشروع الخياطة. بدل البكاء وندب الحظ اشتغلت عاملة نظافة في مدرسة دار الأحداث برام الله، ونجحت في تسجيل ابنها غازي طالباً داخلياً هناك وألحقته بشقيقه خضر الذي يكبره بثلاثة أعوام، ولاحقاً انتقلت للعمل طبّاخة في المدرسة الإنجيلية براتب أفضل. كيف تقنع والدها بفكرة سكنها في المدينة وقد أصبح أولادها هناك؟ لم يكن ذلك مقبولاً في مجتمع قروي ولسيدة زوجها مسافر، لكن فاطمة التي اعتادت اقتحام الصعاب تفوقت هذه المرة كذلك، فاستأجرت مخزناً في رام الله واستخدمته داراً للسكن.
قالت أم خضر وهي تصف معاناتها في تلك الرحلة القاسية: أبدى والدي استعداداً لمساعدتي شرط أن أقعد في المنزل لكني رفضتُ، فأنا أدرك واجبي ومعنى الكرامة. ثم إن استطاع مساعدتي اليوم فربما يعجز عن ذلك غداً، وربما يموت. لو لم أكن واعية وواثقة من نفسي لداستني أقدام الحياة. أنا امرأة قوية بطبعي، وتحصنتُ بسمعة عائلتي فازددتُ جرأة، لدرجة بدا معها أن غياب الزوج لم يؤثر على مصيرنا. لم يكن ذلك سهلاً، كان له ثمن وكنتُ مستعدة لدفعه. المرأة في بلادنا أول ضحايا الجهل والفقر، إن نجحت تتهم بالتسلط أو تحوم حولها الشبهات، وإن استسلمت تقع فريسة استغلال بشع. قاسيتُ الأمرين لكني تحملتُ وصبرتُ.
قال خضر: كنتُ في الخامسة عشر من عمري حين وقعت هزيمة حزيران عام 1967، فاشتغلتُ في بيع الصناعات اليدوية -سلال قش ومطرزات وغيرها، لليهود الذين غصت بهم شوارع رام الله ومطاعمها. جنيتُ نقوداً ساعدتني في الانتساب لجامعة بيروت العربية وتسجيل شقيقي غازي في كلية بير زيت. شحنتني قسوة الحياة بالتحدي وأمدتني صلابة والدتي بقوة جبارة.
طال انقطاع أخبار عبد الرحمن وقيلت فيه أشياء كثيرة: مات، قُتل، لحق النساء وغير ذلك. قال ابنه غازي الذي أصبح مهندساً زراعياً في دولة الإمارات العربية المتحدة: شعرتُ بكثير من الألم وأنا أنصتُ بانتباه شديد لما يرويه والد زميلي في العمل: “تعرفتُ في البرازيل على رجل من قريتكم، شخص طيب القلب، يبدو أن المسكين أصيب بحالة نفسية تسببت بإحباطه وانطوائه”. أضاف غازي: تخيلتُ الرجل يتحدث عن والدي فسألته: ما اسمه؟ رد: عبد الرحمن. قلتُ مرتبكاً: هذا والدي. قال: أنا آسف. قلتُ: لا يا عمّ ربما يساعدنا ما تفضلت به في استعادته. اعتدل الرجل في جلسته، تنفس عميقاً وأضاف: الغربة لصٌ يسطو على وعي الإنسان ويخطف عمره إن لم ينتبه للهدف الذي تغرب من أجله. كثيرون ماتوا في الغربة دون أن يعرف أهلهم مصيرهم، وهناك من ضلوا الطريق. آخرون أوصلهم الجهل والخوف والخجل إلى تفضيل حياة يائسة في الغربة على عودة تبدو مهينة في نظر مجتمعهم. وهناك من أقعده المرض وفتكت به الهموم، أو اكتشف بعد فوات الأوان أن ما جمعه من مال لا يساوي شيئاً قياساً بما فقده من حياته الأسرية. بالمقابل أتاحت الغربة فرصاً، وسيواصل الطامحون والمغامرون شق سماء الغربة بأحلامهم.
أضاف غازي: أجرى أبو عزات -والد صديقي- اتصالاً هاتفياً مع شقيقه في البرازيل، وحثّه على تقصي أخبار والدي. انتابتني مشاعر متضاربة وأنا أترقب مكالمة من الوالد بعد أيام، وفي اللحظة التي طرق صوته مسمعي، وكانت هذه أول مرة أسمعه، كدتُ أجهش بالبكاء. تماسكتُ بصعوبة وأنا أستمع لصوته المتحشرج: (ألو، مين؟ مش سامعك؟ انت غازي؟ كيفك يابا؟ كيف أمك؟ كيف أخوك واخواتك). طلبتُ من والدتي الحصول على تصريح للوالد من سلطات الاحتلال، وأرسلتُ له تذكرة سفر، وبعد عام كان في البلاد.
مع تحيات أبو علاء منصور
11\1\2021