منطقة الكاظمية: عبق التأريخ وروح بغداد!
بقلم: البروفيسور وليد الحيالي
حين يذكر البغداديون اسم الكاظمية، تنبثق في الذاكرة أزقة عابقة بالقداسة، وأسواق تضج بالحياة، ومآذن شامخة تهمس بحكايا قرون طويلة من الصبر والإيمان والتنوع.
تقع الكاظمية على الضفة الغربية لنهر دجلة، شمالي بغداد، وهي واحدة من أقدم وأعرق مناطق العاصمة. سميت بهذا الاسم نسبة إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، سابع أئمة أهل البيت، الذي يرقد في روضتها الطاهرة إلى جانب حفيده الإمام محمد الجواد (عليه السلام).
الكاظمية… قلب ديني نابض
تشكل الروضة الكاظمية مركز المنطقة ورمزها الأبرز؛ فهي مقصد ملايين الزوار من العراق وخارجه، خاصة في المناسبات الدينية، حيث تتوشح أزقتها بأعلام السواد والبيارق، وتعلو أصوات المواكب الحسينية، وينحني الزمن أمام الجموع الزاحفة صوب الضريحين الشريفين.
وتحتفظ الكاظمية بمكانة خاصة في قلوب المسلمين عامة والشيعة خاصة، بوصفها مركز إشعاع ديني وعلمي منذ القرون الإسلامية الأولى، حيث ازدهرت فيها الحوزات الدينية والمدارس الفقهية، وخرجت منها شخصيات علمية وأدبية بارزة.
أسواقها وأزقتها… بغداد مصغرة
أما أسواق الكاظمية القديمة، فهي لوحات حية من بغداد الشعبية: سوق الكبير، سوق هرج، أسواق الذهب والملابس والبقالة، وروائح الكبب والدولمة والكباب تفوح من المطاعم والمقاهي التي كانت ولا تزال مقصداً للزوار والتجار وأهالي بغداد.
ومن يمر بأزقة سوق الإستربادي أو عكد النصارى وباب الدروازة لا بد أن يلمح ملامح بغداد القديمة ببيوتها الطينية ذات الشناشيل، والمآذن والمنائر المتناثرة في الأفق.
روح التعايش والتنوع
وعبر تاريخها الطويل، لم تكن الكاظمية مجرد حي ديني، بل كانت نموذجاً للتعايش الاجتماعي البغدادي؛ يقطنها المسلمون من مختلف المذاهب، ومعهم مسيحيون ويهود قبل منتصف القرن العشرين، يعملون جنباً إلى جنب في أسواقها ومحلاتها.
الكاظمية في الذاكرة
بالنسبة لي شخصياً، تبقى الكاظمية محطة وجدانية لا أنساها من طفولتي البغدادية. كنت أرافق والدتي بين الفينة والأخرى إلى زيارة الإمام الكاظم، نصلي في الروضة الشريفة، ثم نتناول غداءنا في مطاعم كباب الكاظم الشهيرة، ونختم اليوم بزيارة ضريح الإمام أبي حنيفة في الأعظمية وضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني. لم تكن أختي ترافقنا في تلك الزيارات، فقد كانت والدتي تحب أن تصحبني وحدي معها لتعلمني طقوس الزيارة والدعاء.
تلك الطقوس لم تكن مجرد عبادة، بل كانت درساً في حب الوطن والانتماء لروحه المتسامحة وأصالته.
في الختام…
الكاظمية ليست مجرد حي في بغداد؛ إنها قلب نابض بالقداسة والتاريخ والإنسانية. ومن أراد أن يعرف بغداد على حقيقتها، فلينصت جيداً إلى همسات أزقة الكاظمية وأدعيتها وأهازيج أهلها؛ فهناك ما زال العراق حيّاً رغم الجراح.
بغداد – تموز 2025