مقتطفات من مقابلة مهمّة أجرتها وكالة الأنباء الإسبانية Efe مع الفيلسوف الماركسي واللغوي نعوم تشومسكي، أوّل أمس. نقلتها من الإسبانية:
ترجمة.لينا الحسيني.
نعوم تشومسكي: “الدولة الوحيد التي أظهرت أمميّة حقيقيّة كانت كوبا”
– ما هي الدروس الإيجابية التي يمكن أن نتعلمها من الوباء؟
– الدرس الأول هو أننا نواجه فشلاً هائلاً آخر للنسخة الليبرالية الجديدة للرأسمالية. إذا لم نتعلّم من ذلك، سيكون الأمر أكثر سوءًا في حال تكراره في المستقبل.
بعدما انتشر وباء السّارس في عام 2003، أدرك العلماء أنّ أوبئة أخرى يمكن أن تظهر مستقبلاً، ربما من نوع الفيروس التّاجي.
كان من الممكن الاستعداد لها والتّعامل معها مثل الأنفلونزا. ولكن لم يتم ذلك.
تمتلك شركات الأدوية موارد غنية جدًا، لكن سياسة السّوق لا تعتبر الاستعداد لكارثة مستقبلية ذا فائدة. إنها مطرقة النيوليبرالية. الحكومات هي المشكلة وليس الحل.
في الولايات المتحدة يعرفون كيف يلومون الجميع باستثناء أنفسهم.
نحن الآن في بلد يعاني من خللٍ وظيفي لدرجة أنه لا يستطيع حتى تقديم معلومات عن العدوى لمنظمة الصّحة العالمية.
– ما رأيك في إدارة إدارة ترامب؟
– إدارة سوريالية. في شباط، بدأ الوباء يفتك فعليًا، وقد أدرك ذلك الجميع في الولايات المتحدة. في الشهر ذاته، أقدم ترامب على تخفيض ميزانيات مركز الوقاية من الأمراض ومكافحتها والأجزاء الأخرى المتعلقة بالصّحة. قام بتخفيضات في ظل جائحة وزاد تمويل صناعات الوقود الأحفوري والإنفاق العسكري والجدار الشهير… كل هذا يخبرك بشيء عن طبيعة الجاموس المعتلّ اجتماعيًا الذي يدير الحكومة.
الآن يحاولون يائسين إلقاء اللّوم على جهة ما. إنهم يلومون الصّين ومنظمة الصّحة العالميّة… وما فعلوه مع منظمة الصّحة العالمية هو فعل إجرامي؛ التوقف عن تمويلها؟ ماذا يعني ذلك؟ تعمل منظمة الصّحة العالميّة في جميع أنحاء العالم، وخاصة في البلدان الفقيرة، في القضايا المتعلّقة بالإسهال والأمومة… لذا، ماذا يقولون؟ “حسنا ، دعونا نقتل الكثير من الناس في الجنوب لأنّ ذلك ربما يثري آفاقنا الانتخابيّة”.
إنه عالم المعتلّون اجتماعيًا.
– بدأ ترامب بإنكار الأزمة، حتى أنه قال إنها خدعة ديمقراطية … هل يمكن أن تكون هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها ترامب طمس الحقائق؟
– ربما يكون ترامب الرجل الأكثر ثقة بالنفس على الإطلاق. إنه قادر على حمل لافتة تقول “أنا أحبك، أنا مخلص لك، ثق بي لأنّني أعمل ليلًا ونهارًا لأجلك” وبيده الثانية يطعنك في الظهر. هكذا يحافظ على علاقاته مع ناخبيه الذين يعبدونه بغض النّظر عما يفعله. تساعد في تسويقه مؤسسات إعلامية مثل فوكس نيوز، راش ليمبو، بريتبارت… وهي وسائل الإعلام الوحيدة التي يشاهدها الجمهوريون.
إذا قال ترامب “إنها إنفلونزا فقط، لا تبالوا”، سيقولون نعم، إنها إنفلونزا وعلينا نسيانها. إذا قال في اليوم التالي إنّها جائحة، فسوف يقولون إنّه أفضل شخص في التّاريخ.
يراقب ترامب قناة فوكس نيوز في الصّباح ويقرر ما سيقوله.
إنّه ظاهرة مذهلة. روبرت مردوخ، روش ليمبو وبعض المعتلون اجتماعيًا من البيت الأبيض يقودون البلاد إلى الخراب.
– هل يمكن لهذا الوباء تغيير علاقتنا مع الطبيعة؟
– يعتمد ذلك على عنصر الشباب، يعتمد على ردة فعل سكان العالم. يمكن أيضًا أن يقود إلى ظهور دول استبدادية وقمعية للغاية نيوليبرالية أكثر من اليوم.
تذكّر: الطبقة الرأسمالية تطلب المزيد من التّمويل للوقود الأحفوري، إنهم يدمرون اللوائح التي توفر بعض الحماية… في ظل الوباء في الولايات المتحدة تمت إزالة القواعد التي تحد من انبعاثات الزئبق والملوثات الأخرى… يعني قتل المزيد من الأطفال الأمريكيين وتدمير البيئة. إنهم لا يتوقفون. وإذا لم تكن هناك قوى مضادّة، فهذا هو العالم الذي ينتظرنا.
– كيف هي خريطة القوة من الناحية الجيوسياسية بعد الوباء؟
– ما يحدث على الصعيد الدولي صادم للغاية. هناك ما يسمونه الاتحاد الأوروبي. نسمع كلمة “اتحاد”. حسنًا، انظر إلى ألمانيا، التي تتعامل مع الأزمة جيدًا…
في إيطاليا، الأزمة حادة… هل تتلقى مساعدة من ألمانيا؟ لحسن الحظ، تتلقى إيطاليا المساعدة من “قوة عظمى” مثل كوبا، التي ترسل الأطباء، أو الصين التي ترسل معدات ومساعدات، لكنهم لا يتلقون مساعدة من الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي …
الدولة الوحيدة التي أظهرت أممية حقيقية هي كوبا، التي كانت تحاصرها الولايات المتحدة دائمًا، وبأعجوبة، نجت لتظعر للعالم معنى الأممية. لكن لا يمكنك قول ذلك في الولايات المتحدة لأنّ ما عليك فعله هو إلقاء اللوم عليهم لانتهاكات حقوق الإنسان.
في الواقع، تقع أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان في جنوب شرق كوبا، في مكان يسمى غوانتانامو، والذي اتخذته الولايات المتحدة تحت التهديد بالسلاح وترفض إعادته.
من المفترض أن يلوم الشخص المثقف المطيع الصين، ويتذرع بـ “الخطر الأصفر” ويقول إن الصينيين قادمون لتدميرنا، نحن الرائعون.
هناك دعوة إلى الأممية التّقدمية أطلقها بيرني ساندرز في الولايات المتحدة أو فاروفاكيس في أوروبا. إنهم يجلبون عناصر تقدمية لإحباط الحركة الرجعية التي نشأت بسبب سياسات البيت الأبيض ”وإسرائيل” أو مع أشخاص مثل أوربان أو سالفيني، الذين يسعدهم فرار الناس من وحشيتهم في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.
يقال عموماً أن حملة ساندرز كانت فاشلة، لكن هذا خطأ تام. لقد أحرز نجاحا كبيرًا. حيث تمكن من تغيير نطاق المناقشة والسياسة وأشياء المهمة للغاية.
الأغنياء لم يمولوا الحملة، لم يكن لساندرز أي دعم من وسائل الإعلام … كان على أجهزة الحزب أن تتلاعب لمنعه من الفوز بالترشيح.
– ماذا تعتقد سيحدث للعولمة كما نعرفها؟
– النيوليبرالية أثرت الأغنياء، والشركات والاحتكارية تمتلك قوة هائلة، أنتجت اقتصادًا هشًا للغاية، قائم على نموذج اقتصادي فعال بمنطق يقود إلى الاعتقاد بأن المستشفيات ليست مربحة، على سبيل المثال. ينهار هذا النظام الهش حاليًا، لأنه لا يستطيع التعامل مع أحداثٍ طارئة.
Foto@Apu Gomez
2020-04-24