اللي يحتاجه البيت يحرم عل الجامع!
بقلم : مواطن من المانيا
تخيل وياي المشهد. أنت تقف في سرا طويل تحت شمس آب اللهاب، تبحث عن فرصة عمل أو تحاول تدبير ألف دينار لشراء خبز أو دواء لمريض في البيت، بينما تفتر برأسك معادلات أينشتاين المعقدة لتحسب كيف ستقضي بقية الشهر بعد أن علك سعر الدولار إلى مستويات تجعل الحسابات مجرد شعر شعبي.
وفجأة، يأتيك الخبر السار عبر الشاشات: السيد رئيس الوزراء يتبرع من حسابه الشخصي بمبلغ 10 ملايين دولار (5 ملايين للجامع الأموي، و5 ملايين لمقام السيدة زينب ع) خلال زيارته للجارة سوريا العزيزة والغالية على قلوبنا خصوصا في ظل حكومة الجولاني الديمقراطية العظمى والفكر الاموي التكفيري العظيم .
فسوريا وشعبها في القلب والوجدان و مواقفهم ايام الطائفية واحتضانهم العوائل العراقية حينها بالعباس كلشششش غالية علينا ولاننسى ذلك …رغم كل هذا
، تقف الأمثال الشعبية عاجزة. فالأمثال العتيجة التي علمنا إياها أجدادنا، مثل اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع، تبدو وكأنها كُتبت في زمن آخر، أو ربما يحتاج المواطن العراقي اليوم إلى إعادة صياغتها لتصبح. اللي يحتاجه البيت… ابعثه للخارج بالدولار.
أول ما يلفت النظر في هذا السخاء المفاجئ هي عبارة من حسابه الشخصي. أني أعرف الرجل ملياردير، وما يملكه لا يشاركه احد ويتصرف به كيف يشاء هو حر في ذلك والله يزيدة بحق الزهراء، كان الاولى ان تكون هذه المبالغ للمحتاجين من للعراقيين فهم في ظروف حساسة وبحاجة لها اكثر من غيرهم .
واعلم ان حسابه الشخصي يفيض بملايين الدولارات الخضراء، الله يزيده ويرزقة اكثر واكثر لكن هو عتب لا كثر
بينما العراقي يقضي يومه بحثاً عن عمل في سوق راكد لا بيع فيه ولا شراء؟ ألا كان الأولى أن تُمنح لمحتاجي هذا الشعب يا ريس… والناس تدعيلك مع كل صلاة وتقول الله يطول عمرك ويخليلك العويل ويرزقك أكثر فأكثر؟ والمثل الشعبي يقول جحا أولى بلحم ثوره، صحيح…؟
الذي لا أفهمه حقاً. أيهما أولى، البيت أم الجيران الذين مواقفهم معروفة للقاصي والداني…؟
وهناك سؤال يحيرني.
هل يمتلك المسؤولون ماكينة طباعة دولار متوارية عن الأنظار، أم أن حساباتهم الشخصية تعمل بنظام البركة المفتوحة التي لا تمس المواطن العادي؟
في الوقت الذي يعاني فيه الشارع من كساد اقتصادي وتوقف تام لحركة الأسواق وارتفاع متواصل لأسعار السلع الاستهلاكية نتيجة ضغط الدولار، نكتشف أن هناك دولارات فائضة عن الحاجة يمكن التبرع بها بلمحة عين وخارج الحدود! إحنا مو أولى من سوريا؟ الشرع وجيناكم عا كربلاء…؟
إذا أردنا رسم لوحة دقيقة عن الواقع اليوم، فسنجد التناقضات التالية تعيش جنباً إلى جنب.
العاطل عن العمل: تلقاه مكرك بالقهوة ليل نهار دياحة وركع باب، يفكر كيف يدفع فلوس الشاي لمجيد القهوجي أو كيف يؤمن مصروف الغد، بينما يسمع عن ملايين الدولارات المتبخرة في رحلات خارجية (الله يزيد الرجل وإحنا وياه).
التاجر الصغير. يلطم على بضاعته المكدسة بسبب الكساد، بينما حسابات المسؤولين تعيش أزهى أيام الانتعاش الاقتصادي (الله يزيدهم بحق الحسن والحسين بدون حسد).
المستشفيات والمدارس الطينية. تنتظر فرج الموازنة لتوفير أسرّة أو مقاعد للطلاب، في حين أن الملايين تُمنح هنا وهناك بسرعة قياسية وبكرم حاتمي (اللهم اجعل العراقيين حاتم طي).
وربما يجدر بالمواطن العراقي اليوم أن يرفع لافتة صغيرة مكتوب عليها مع جرس يقرع (طن طن)…”عزيزي المسؤول.. نحن أيضاً نعتبر أنفسنا أصحاب حاجة، وإذا كان التبرع بالدولار أسهل عليك من إصلاح الاقتصاد، فاعتبرنا جزءاً من المشاريع الخيرية التي تستحق العطف والالتفات.. ولك جزيل الشكر والامتنان!”.
الواقع الذي نعيشه اليوم يجعلنا نضحك بحرقة؛ فبينما يُطالَب المواطن بالتقشف وتحمّل تبعات ارتفاع الدولار والبطالة، نرى أن الكرم الحكومي والشخصي لا يعرف حدوداً.. بشرط واحد فقط: أن تكون خارج حدود هذا الوطن المعذّب!
بعد أن كدّسنا الأمثال الشعبية على رفوف التاريخ لأن صلاحيتها انتهت أمام عبقرية الحسابات الشخصية، يبدو أننا بحاجة لإعادة النظر في مفاهيم العلاقات الدولية أيضاً، وتحديداً تلك التي تربطنا بجارتنا سوريا؛ علاقة، لو قُدّر لها أن تُكتب كفيلم سينمائي، لاستحقت جائزة أفضل كوميديا سوداء بلا منازع.
في الذاكرة القريبة، لم تكن المشاهد رومانسية بالدولار، بل كانت مشاهد أكشن دامية كُتبت فصولها بأيدي عصابات القاعدة وداعش. كان الجولاني وعصابته أيامها يُستباح لتبرير قتل الأبرياء العراقيين من الروافض في أسواقهم ومساجدهم، وأولهم ولدي( ….) الذي لم يبلغ الرابعة عشرة من عمره، في يوم جمعة من عيد الأضحى المبارك عام 2013 من الشهر العاشر؛ في هذا اليوم استشهد أكثر من اربعين بريئاً من اطفال ونساء وكبار اختلطت دماؤهم من مكونات العراق. وتهديدات صدحت من المنابر.. جئناكم على كربلاء، والروافض الانجاس ابناء المتعة … جعلت دم العراقي بأطيافه وخصوصاً الشيعي الرافضي أرخص من استكان الشاي في آب اللهاب.
المفارقة المضحكة المبكية، أن تلك الحفلة التنكرية من العنف، التي رعتها أطراف استخدمت الأراضي السورية منطلقاً، تُقابل اليوم بعبارات الحب والتضامن الممهورة بالتبرعات السخية. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يتحول العبث إلى مسرح مفتوح؛ تدوينة من حساب مجهول تهدد بالاعتداء على الأراضي السورية فتنقلب الدنيا، وتصدح تصريحات رسمية من دمشق العروبة… سيكون الرد حازماً داخل العراق. ها يا غاتي سالمين خوما كو شي
في هذه المعادلة، العراقي هو المفعول به، هو الذي يدفع الثمن من جيبه، ومن أمنه، ومن لقمة أطفاله، لكي تُحل مشاكل الجيران. والكوميديا السوداء هنا تكمن في أن المسؤول يبدو أكثر قلقاً على راحة أعداء الأمس واليوم من قلقه على تجمع العاطلين في شوارع بغداد.
دعونا نوضح أمراً؛ مقام السيدة زينب (ع) في عيون العراقيين ليس مكاناً للتبرع فحسب، بل هو قطعة من الروح نتمنى أن نجود لها بالغالي والنفيس. ولكن، في ميزان الكوميديا السوداء، حتى الجود له ضوابط، خاصة عندما نكون نحن من يحتاج الجود.
في الوقت الذي يراوح فيه العراقي في سوق راكد، ويصلي ويبتهل إلى الله لكي تستقر أسعار الدولار، نكتشف أن حسابات المسؤولين الشخصية تجود بالملايين لخارج الحدود. ربما يجدر بنا أن نعترف بأننا بحاجة إلى إعادة صياغة مقياس الحاجة؛ فبينما يُقاس حجم سلة غذاء المواطن بدقة غرامية، تبدو سلة التبرعات الخارجية مُقاسَة بمقاييس كونية تتجاوز المنطق المالي العادي. ويكلك شد الحزام
عزيزي المسؤول، الشعب العراقي ليس مشروعاً خيرياً يحتاج العطف، بل هو صاحب الحق في ثروات بلده. وقبل أن نجود على الآخرين بالملايين، علينا أن نجود على أنفسنا بفرص عمل، وبصحة، وتعليم، وبتقشف يطال حسابات المسؤولين الشخصية، قبل أن يطال جيب المواطن العادي.
وأعرف أن كلامي لا يعجب أحداً، وأنتظر رنة الهاتف….أنت الكاتب ابن …؟.
2026-10-30