مسألة الغرب”الماكرة”!
مهدى مصطفى
متى يتوقف حل «المسألة الغربية» بعيدا عن الشرق الأوسط، ولماذا يفكر الغرب فى الانقضاض علينا، كلما وجد نفسه فى مأزق تاريخي؟ هل لأننا منطقة رخوة قابلة للتشكيل، ومهيأة تاريخيا للإغارة عليها؟
الأساطيل والمدمرات والغواصات تمسك برقاب البحار والمحيطات فى محيطنا القريب والبعيد، والذرائع لا تنفد، تتبدل العناوين، بينما يظل الجوهر ثابتا، وكلما انتهت دورة بدأت أخرى، كأننا أمام ميراث دموى يتجدد.
العصر الحديث ماكر، غير أن مكر الغرب ليس طارئا، إنما هو نمط تاريخى ممتد، منذ مطلع الألفية الثانية، فكلما واجهت المجتمعات الأوروبية أزمة بنيوية داخلية، اقتصادية أو اجتماعية أو سكانية، اتجهت إلى الخارج، وتحديدا إلى الشرق.
فى هذا السياق جاءت دعوة البابا أوربان الثانى، عام 1095، فى مجمع كليرمون، التى دشنت ما يعرف فى المصادر الأوروبية بالحملات الصليبية، وفى المصادر العربية بحروب الفرنجة، وهى تسمية أدق من حيث توصيف الفعل التاريخى الحقيقى، بعيدا عن التلوين الدينى.
ثمة تأكيد فى معظم الدراسات الحديثة، وفى مقدمتها أعمال ستيفن رنسيمان فى ثلاثيته الشهيرة «تاريخ الحروب الصليبية»، وأعمال الباحثة كارول هيلنبراند فى كتابها «الحروب الصليبية: وجهات نظر إسلامية»، على أن تلك الحملات لم تكن بدافع دينى صرف إنما جاءت فى سياق أزمة مركبة عاشتها أوروبا الغربية فى أواخر القرن الحادى عشر، تمثلت فى انفجار سكانى مقابل موارد محدودة، وانسداد آفاق الفلاحين والفرسان الصغار، وتفكك النظام الإقطاعى، إلى جانب صراعات مذهبية وسياسية بين الكنيسة اللاتينية والكنائس الشرقية، وبين البابوية والإمبراطورية الرومانية المقدسة.
وقد عبر المؤرخ وليم الصوري، وهو من أبرز مؤرخى القرن الثانى عشر، والشاهد المباشر على وقائع مملكة القدس اللاتينية، عن هذا البعد بوضوح، حين أشار إلى أن تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى أوروبا، كان عاملا حاسما فى اندفاعها نحو الشرق.
ومنذ ذلك التاريخ تكشف دفاتر الغرب عن سلسلة شبه متصلة من الحروب البينية، من صراعات الإقطاع والملوك، إلى الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت، وصولا إلى حرب الثلاثين عاماً بين 1618 و1648، التى تعد من أكثر الحروب تدميرا فى التاريخ الأوروبي، حيث فقدت بعض مناطق ألمانيا ما يقارب ثلث سكانها.
مثلت تلك الحرب ذروة لمسار طويل من العنف الداخلى أعقبته حروب أوروبية متلاحقة، ما يشير إلى نمط بنيوى فى إدارة الأزمات، يقوم على نقل مركز الصراع إلى الخارج، كلما أمكن.
فى العصر الحديث أعيد إنتاج النمط ذاته بأدوات مختلفة، فمع انتقال مركز القوة إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ورثت واشنطن الدور الأوروبى بوصفها القوة التى تعالج أزماتها البنيوية عبر التوسع الجيوسياسى.
والآن تتكدس الأساطيل والمدمرات والغواصات فى البحار المحيطة بالشرق الأوسط، من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط، بذريعة حماية الأمن أو تغيير الأنظمة أو ردع الخصوم.
أما أوروبا فهى تعيش بدورها أزمة مركبة، اقتصادية وسكانية وجيوسياسية، فى ظل حرب أوكرانيا وضغط الهجرة وتراجع الوزن العالمي، ومع ذلك تنخرط مع الولايات المتحدة فى اندفاع عسكرى متزايد نحو الشرق الأوسط، بذريعة المواجهة مع إيران، مع اختلاف محدود فى توزيع الأدوار وحدود الحركة.
ويبقى السؤال المركزى، هل مكتوب على هذا الشرق، الذى سمى أوسطا نسبة إلى موقعه من لندن فى ذروة الإمبراطورية البريطانية، أن يكون ساحة دائمة لتصفية حسابات الآخرين؟ بالعودة إلى الحرب العالمية الثانية يتكشف هذا المنطق بوضوح، فقد انتهت الحرب فى أوروبا، بإعادة إعمار القارة عبر خطة مارشال، بينما انتهت فى الشرق الأوسط بزرع كيان استيطانى، هو دولة إسرائيل عام 1948 على أنقاض فلسطين.
فهل يمكن أن تنكسر هذه الدائرة الجهنمية؟ وهل سيتوقف الغرب عن إزاحة ميراثه العنيف إلى الشرق؟
التفكير فى حل هذه المعضلة الآن، وليس غدا.
2026-01-29