مدينة السماء: تأملات في العمق العربي للمدينة المقدسة!
بقلم د_رفعت سيدأحمد
وسط الاحداث السياسية المتصاعدة في القدس التي تعارف العلماء والمؤرخين علي تسميتها ب ((مدينة السماء ))؛ لقداستها ولالتقاء كل الاديان السماوية-تاريخيا – علي أرضها …نقول وسط الاحداث الدامية بين الاحتلال الاسرائيلي وأهلها من العرب الفلسطينين ،ووسط سلسلة من الصدامات التاريخية الدامية التي لونت وجه العام 2022 ووسط عدوان المستوطنين علي مقدسات المدينة وفي مقدماتها المسجد الاقصي .زتطل مجدد دعاوي إسرائيلية كاذبة حول (حقوق تاريخية مدعاة) في المدينة المقدسة .زودعاوي مزيفة حول عدم وجود جذور عربية للمدينة وأنها فقط مدينة لليهود ..زهنا لجأنا الي التاريخ لنسأله : ماذا عن العمق العربي للقدس ..أيها التاريخ ؟ فأجابنا بحقائق ثابتة وقوية وقاطعة آتي بعضها من داخل المراجع اليهودية ذاتها ..فماذا عنها ؟
*****
يحدثنا التاريخ أنه قبل نحوثلاثة آلاف عام ، كانت أولى الهجرات العربية الكنعانية إلى شمال شبه الجزيرة العربية ، استقرت على الضفة الغربية لنهر الأردن ، أى المنطقة الجبلية فى فلسطين، منسابة إلى البحر المتوسط بـ : (أرض كنعان) ، وأنشأ هؤلاء الكنعانيون مدينة (أورسالم) . ثم استقبلت تلك المنطقة – 2500 ق.م – بعض القبائل القادمة من جزر البحر المتوسط تسمى قبائل (فلستين) إلى السواحل الشرقية والجنوبية ، عرفوا بسكان السواحل أو (بالستين) . واختلط هؤلاء المهاجرون الجدد بالكنعانيين ، لكن غلب الدم الكنعانى على هذا الشعب ، وغلب اسم (بالستين) على المكان. هذا ولقد أكدت عمليات التنقيب البريطانية التى تمت بتلك المنطقة عام 1961م أن الوجود الكنعانى اليبوسى بها ، بالقدس تحديداً – يعود إلى ثلاثة آلاف عام .
كانت بعثة أثرية قد أجرت أعمال التنقيب تلك ، ولم تعثر من خلالها إلا على فخاريات منقوش عليها باللغة الكنعانية ، أن المؤسسين الأوائل لمدينة القدس هم اليبوسيون ، كما كشفت تلك البعثة أنه كان بالمنطقة التى وجدت بها تلك الآثار قلعة لليبوسيين
**** *****
هذا تاريخيا أما من حيث الموقع فقد جعل اليبوسيون مقر سكناهم – بادئ الأمر – على بعض المرتفعات المجاورة لنبع ما لا ينضب ، وهو يدعى اليوم بعين أم الدرج فى قرية سلوان الواقعة فى الضاحية الجنوبية من مدينة القدس الحالية ، وقد حصن اليبوسيون ذلك الموقع ، أو تلك المدينة.
وبمرور الزمن ، هجرت تلك المدينة ، وحلت محلها نواة رئيسية لمدينة أكبر تقوم على مرتفعات وتلال أخرى هى : مرتفع الزيتون ، مرتفع الحرم ، مرتفع صهيون ، وهذه تقع داخل ما يعرف حالياً بالقدس القديمة ، التى يحيط بها سور القدس الشهير ، الذى بناه السلطان العثمانى سليمان القانونى ، فى العصر الإسلامى 1542م ، والمعروف بأبوابه السبعة أول اسم ثابت لمدينة هو (أورسالم) منذ أسسها الكنعانيون العموريون القادمون من جزيرة العرب ، فى بداية العصر البرونزى ، أى قبل خمسة آلاف عام ، وهذا الاسم العمورى يعنى (أسسها سالم) ، وقد ورد فى نصوص مصرية قديمة تعود إلى عهد سنوسرت الثالث (1879-1842ق.م) ثم ذكرت فى ألواح تل العمارنة ، التى تضمنت ست رسائل ، بعث بها ملك المدينة (أورسالم) إلى إخناتون فرعون مصر إلى اليبوسيين ، وهم من بطون العرب أيضاً ، وقد بنوا قلعتها (صهيون) التى تعنى بالكنعانية (مرتفع) ، كما بنو هيكلاً لإلههم (سالم)، فكان بيتاً للعبادة
كان اسم (أورسالم) قد ظهر لأول مرة فى التاريخ عام 2500 ق.م على تماثيل مصرية صغيرة ، ووجد أيضاً هذا الاسم على ألواح أثرية أخرى اكتشفت مؤخراً فى سوريا ، أما اسم (يبوس) فقد وجد فى رسالة آخر ملوك الكنعانيين (عبد حيبا) إلى فرعون مصر (تحتمس الأول) عام 1550ق.م ، يطلب فيها الأول من الأخير عونه وحمايته من بعض أعدائه ، وكان خاضعاً – تابعاً – له ،هذا وتذكر مصادر تاريخية عن الملك اليبوسى (ملكى صادق) هو أول من بنى يبوس ، وكان محباً للسلام ، حتى أطلق عليه ملك السلام ، ومن هنا جاء اسم المدينة (سالم) ، وبرغم أن تلك المدينة قد خضعت لفراعنة مصر فلم يحاولوا تمصيرها ، واكتفوا بتحصيل الجزية من سكانها، وكانوا يطلقون عليها تارة اسمها اليبوسى (يابيشى) ، وتارة اسمها الكنعانى (أورسالم)
*************
المصادر التاريخية أثبتت أندوركنعانيون – اليبوسيين) فى عمران أرض فلسطين وتشييد مدنها وقراها يعود بتلك البداية إلى أربعة آلاف عام قبل الميلاد ، ثم إنها تلتقى جميعها ، ومعها المصادر اليهودية – كما سبقت الإشارة- على حقيقة أن تلك الأرض كانت ملكاً لهؤلاء العرب ، قبل أن تطأها قدما أبى الأنبياء إبراهيم – عليه السلام – ، وقبل أن يكون هناك يهودية أو يهود ، أو إسحاق أو داود، وظلت تلك الأرض عربية كذلك يوم نزل بها هؤلاء ، بل ويوم تمكنوا ، كما تمكن نزلاء أو غزاة كثيرون غيرهم من إقامة ملك (عارض) لهم بتلك الأرض ، سرعان ما سقط ، ثم زال.
*********
هذا ويؤكد التاريخ أيضا أنهلم تحظ مدينة فى التاريخ البشرى ، بما حظيت به القدس من أهمية ، جعلتها محط أنظار النازحين والنزلاء والغزاة ، وكان ذلك سبباً فى احتلالها خمساً وعشرين مرة ، وتدميرها وإعادة بنائها ثمانى عشرة مرة .عنما هاهر رسول الله إبراغيم (عليه السلام )إلى هذه المنطقة ، قادماً من بلاد ما بين النهرين ” كان الكنعانيون حينئذ فى الأرض ” ، كما تذكر التوراة ، وكانت (أورسالم) يسكنها هؤلاء ولهم ديانتهم وملكهم وعلاقتهم بجيرانهم ، وتذكر التوراة أيضاً أن أمير يبوس (أور سالم) فى ذلك العهد ، كان (ملكى صادق)
بينما يعود الوجود الكنعانى اليبوسى بتلك المنطقة إلى ثلاثة آلاف عام ، نجدنا لا نسمع بأى وجود للآراميين قبل عام 1600 ق.م ، فإن نزوح القبائل السامية الآرامية من بلاد شمال ما بين النهرين واستيطانها فى الأراضى السورية ، يعود إلى ما بين 1600 – 1200 ق.م.
رحل يعقوب – ابن إسحاق ابن إبراهيم – وأبناؤه من فلسطين إلى مصر فى 1620 ق.م وكان مكثهم فى مصر أربعمائة وثلاثية سنة ، ثم رحل بنو إسرائيل من مصر بقيادة النبى موسى 1250 ق.م ، وعبروا سيناء إلى فلسطين ، وذلك فى عصر رمسيس الثانى.
دخل العبرانيون – بنو إسرائيل – فلسطين من جهة الشرق ، بقيادة يوشع بن نون واحتلوا أريحا ، ثم تسللوا إلى المناطق الجبلية (1152 – 1025ق.م) ، وأصبح لهم تجمعان ، فى الشمال والجنوب ، لم يرتبطا معا إلا فى عهد داود ، الذى دخل مدينة سالم 1005 ق.م ، واتخذها ، عاصمة لملكه ، ثم تسلمها سليمان ، وأقام حولها سوراً على الأساسات التى وضعها اليبوسيون – بناة السور الأول – وبنى معبداً – 960ق.م – على أنقاض معبد اليبوسيين القديم
*********
ما لبثت المملكة العبرية أن انقسمت بعد وفاة سليمان ، إلى إمارتين : إمارة يهوذا – أسرة داود وبنى يهوذا – وعاصمتها أورشليم (أورسالم) ، وإمارة إسرائيل فى السامرة ، وعاصمتها شكيم ، بالقرب من نابلس الحالية قضى ملك أشور على إمارة إسرائيل عام 722 ق.م وأجلى سكانها إلى بلاده ، وتعرضت الإمارة الثانية (يهودا) للعدوان الخارجى أكثر من مرة ، وكذا تعرض سكانها للسبى مراراً ، كان السبى الأول عندما تعرضت دولة يهودا لغزو بابلى ، بقيادة الملك (سرجون) الذى أسر من شعب يهودا (الكنعانى واليهودى) إلى بلاده أعداداً كبيرة ، وأصبح لهم نفوذ وأموال وعبيد فى ذلك المنفى ، كان السبى الثانى إلى بابل أيضاً ، واشتهر أكثر لارتباطه بهدم هيكل سليمان، فقد غزا ملك بابل (نبوخذ نصر) يهودا ، وكسر نهائياً عرش داود فى أورشليم ، عام 597 ق.م ، وقوض الهيكل من جذوره ، وعاد إلى بلاده بعشرة آلاف أسير من اليهود ، وكان هدم الهيكل فى 9/8/586 ق.م ، ثم سمح (قورش) ملك فارس لليهود بالعودة إلى أورشليم 538 ق.م ، وسمح لهم كذلك بإعادة بناء الهيكل ، فتم بناؤه فى عهد نبيهم (عزير) ، وأعانهم على ذلك ملك الفرس (بهمن) ، الذى حد لهم حدوداً دون بناء سليمان ، ثم تداولهم ملوك يونان والفرس والروم ، ثم استفحل الملك لصهرهم (هيرودوس) الذى حكمهم من قبل الرومان ، فجدد لهم الهيكل على بناء سليمان (11 ق.م) ، غير أن أقلية منهم تمردت ، مطالبة بالحكم الذاتى ، فحاصرهم الامبراطور الرومانى (فسباسيان) ، ثم ابنه (تيتس) ، الذى تمكن من هدم الهيكل ، وتشتيت اليهود فى أطراف الإمبراطورية الرومانية (70م) ، ولم تقم لهم قائمة بهذه المدينة ، حتى بداية الحركة الصهيونية الحديثة ، فى نهاية القرن التاسع عشر كما تؤكد وتجزم الحقائق والوثائق العالمية المشهودة والصادقة وليس تلك الزائفة التي دأبت الدعاية اليمينية الاسرائيلية علي ترويجها في السنوات الماضية مما خلق تلك الاحتقانات والصدمات الدامية التي يدفع أصحاب الارض ثمنها منذ نكبة 1948 وحتي اليوم 2022 .
**************************************
يضاف لما سبق من حقائق تاريخية تؤكد عروبة القدس ..أن حقائق ديمجرافيا السكان وتفوق الوجود العربي بات يزعج للغاية القادة الاسرائلين فهذا هو رئيس الموساد اللواء عاموس جلعاد يقول أن “نسبة اليهود في القدس تتراجع، ولا أعتقد أن السنوار (رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار) بحاجة لاطلاق صواريخ ما دامت الأهداف الاستراتيجية تتحقّق دون ذلك، فتأثير الصراع الديموغرافي أقوى من القنبلة النووية”. اذ لم تتمكن إسرائيل ، رغم الكثير من السياسات مثل استقدام اليهود وتقديم الاغراءات لبقائهم، بالإضافة الى عملها على محاكاة “الحياة الاسرائيلية” بكّل تفاصيلها بالحياة الغربية، وتأمين الرفاه و”الأمان”، من التخلّص من معضلة امتلاك الأرض والديموغرافيا.
**يُقدّر عدد سكان القدس المحتلة بـ 919 ألف نسمة، ورغم محاولات التهويد والاستيطان بلغت نسبة الفلسطينيين في القدس 349600 أي 38% من مجمل السّكان مقابل 55800 يهودي أي ما نسبته 62%. ويسجّل تراجع عدد اليهود المستوطنين في القدس الشرقية من 46% عام 1996 الى 39% عام 2022 حيث يستوطن حالياً 220 ألف يهودي، كما يلاحظ التراجع نسبة “هجرة” اليهود الى القدس بأقل من 6000 حالة وهو الحد الأدنى منذ العام 2012. في المقابل أشارت صحيفة “هآرتس” العبرية في العام 2017 أن الفحص الدقيق للوضع الديموغرافي الذي أجراه اتحاد المياه البلدي الإسرائيلي “جيحون”، مؤخراً، يكشف أن هذه المعطيات لا تشمل عشرات آلاف الفلسطينيين الآخرين الذين يعيشون داخل حدود المدينة. وحسب تقييمات الخبراء فإن الغالبية اليهودية في المدينة تقل عن المعطيات الرسمية وتصل إلى حوالي 59% وشرحت الصحيفة أن مشكلة احتساب النسب تكمن في “عدد السكان الفلسطينيين الذين يعيشون في مخيم اللاجئين شعفاط ومنطقة كفر عقب، والتي تعتبر تابعة للقدس لكنه (الاحتلال) تم فصلها عن المدينة بواسطة الجدار الفاصل”.
هذه الاحصائيات تحبط مخطط الاحتلال حول “القدس الموحدّة” وسيطرته على القسم الشرقي منها بعد احتلاله شبه الكامل للقسم الغربي (حسب التقسيمات الإسرائيلية)، وهذا المخطط يعدّ جزء من صفقة القرن التي كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب يرعاها (الاعتراف بأن القدس عاصمة الكيان). وفي العام 2021 أشارت تقارير عبرية الى أن “إسرائيليين ينظرون بقلق إلى التفوق الديمغرافي الفلسطيني في المنطقة ما بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن (أرض فلسطين التاريخية)”.
******
ومن ناحية ثانية، أكدت مسيرة الأعلام اليهودية يوم الأحد في 29 أيار / مايو الماضي، بالشكل الذي تّمت به، أن الشعب الفلسطيني سيد هذه الأرض وأن كل محاولات الاحتلال التهويدية لم تغير المعادلة. وقد اعترف رئيس جهاز “الموساد” الإسرائيلي الأسبق، تامير فاردو خلال حديثه في مؤتمر أمني بأن “مشاورات واستعدادات لأسابيع حول مسألة إقامة تلك المسيرة تبعث على الشك في مدى السيادة على المكان…هل يعقل بأن تقوم حكومة إسرائيل وعلى مدار أسابيع بتقييم للأوضاع سعيًا لاتخاذ قرار حول إمكانية السماح بالمسيرة أم لا؟!، وهل سيطرح هكذا تساؤل في لندن أو باريس أو واشنطن؟ …إن دولة بأكملها أشغلت نفسها وفي جميع نشرات الأخبار ناقشت مسألة القدرة على إجراء المسيرة في عاصمتنا”. عادًا ذلك بـ “الأمر غير المسبوق في أي مكان”.
كذلك أظهرت نتائج جهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني (الصادرة عام 2018) أن عدد الفلسطينيين داخل حدود الأراضي المحتلة عام 1967 بلغ أربعة ملايين و780 ألفاً، إضافة إلى 1.5 مليون في الداخل المحتل، وذلك بزيادة زيادة مليون فلسطيني خلال السنوات العشر الأخيرة (منذ العام 2008). وفيما يتعلق بالتركيب العمري، فإن المجتمع الفلسطيني فتيّ، حيث إن نسبة الأطفال ما دون 18 عاماً سجّلت 47% من نسبة الفلسطينيين، فيما بلغت نسبة الأفراد من ستين عاما فما فوق 5% فقط من إجمالي عدد السكان، فيما بلغ متوسط حجم الأسرة 5.1. وتسقط هذه الأرقام أيضاً طرح “حل الدولتين الذي يروج له البعض فلسطينيا وعربيا
*************************************************
ولايبقي في هذا الصراع التاريخي سوي حقيقة كبري علي الجميع أن يعترف بها وهي أن تشبث أهل الارض بعروبتهم وبعمق هويتهم العربية التاريخية ..افشل وسيفشل كل المخططات الاسرائلية لاقتلاعهم من مدينتهم المقدسة التي باركها الله في كتابه الكريم ووعدهم بحمايتها والحفاظ عليها والانتصار لها الي يوم الدين
2022-06-16