محاولة لدراسة الوضع (الواقع) في بلادنا ومنطقتنا في ضوء التطورات الأخيرة…!
أحمد الناصري
عودة قضية التحرر والاستقلال الوطني كمهمة وطنية رئيسية
تتفاقم الأزمة التاريخية في بلادنا ومنطقتنا، مع فصول وخطط علنية جديدة في المشروع الإمبريالي العالمي، بمشاركة المستوطنة والرجعية العربية، وهو يأخذ أشكالاً جديدة حادة (تحالف وتعاون عسكري). بالمقابل هناك حاجة موضوعية دائمة لقراءة وفهم الوضع (الواقع) وهذا المشروع، ومعرفة آلياته وكيفية مواجهته، من قبل حركة تحرر تدافع عن مصالح ووجود الناس والأوطان.
الوضع العام في بلادنا ومنطقتنا خطير ومعقد، حسب المخطط الأمريكي الصهيوني، الممول من الرجعية العربية المتخاذلة والتابعة والمستسلمة، وإمكانيات وأساليب هذا المشروع، كخطر تاريخي قديم وقادم على تدمير المنطقة. الأنظمة ساعدت في هذا التخريب الداخلي، وصولاً إلى الوضع العام الفاشل (الدولة الفاشلة والمجتمع المحطم والمنهك والخراب العام، الاقتصادي الاجتماعي الثقافي)…
المشروع الأمريكي حقيقي وكوني، وقد احتل ودمر بلادنا بالماكينة العسكرية الهائلة وبالخطط والقضايا الاستراتيجية. النفود والتدخل الإيراني الواسع (وهو مشروع إقليمي معروف الإمكانية وكذلك التركي) من نتائج الفراغ الاستراتيجي لانهيار الدولة وتحطم المجتمع وفرض التقسيم الطائفي والقومي، منذ مؤتمر صلاح الدين عام 92 وإقراره في مؤتمر لندن في 2002! وهذا تكرار للتدمير اللبناني وفق خطة كيسنجر والمشروع الفرنسي والأوربي الأول.
الآن لا يوجد يسار ولا حركة يسارية وحركة تحرر وطني مؤثرة، في مرحلة ما بعد الاحتلال والتدمير والنتائج الحالية، ويا ليت اليسار الوطني طور الفكرة الجوهرية العميقة حول الوطن كمعيار والوطنية وقضية حجم ومصدر الخطر الحقيقي الأكبر. قضية العدو الطبقي، وهي ليست قضية شكلية أو مفتعلة، عندما يحصل تدخل واحتلال وهيمنة واستغلال بالسلاح وبالسياسة والاقتصاد وقضايا النفط والطاقة والأسواق والموقع وحماية الكيان، بواسطة أنظمة تابعة.
هذه الفكرة جوهرية، لكنها تحتاج إلى تطوير لربطها بالتنوير والنهضة والتقدم، وهي حلقة رئيسية مفقودة، يجري استبدالها بعمل سياسي يومي بسيط وسطحي، بينما مشاكلنا وكارثتنا كبيرة وعميقة، قديمة وجديدة.
الانتفاضة الوطنية الحالية، هي محاولة مهمة وجادة لتجاوز الوضع الحالي الاقتصادي والسياسي والثقافي (حالة الدولة المنهارة والمجتمع المحطم)، وهي بداية تتعرض للضغط والكمائن والتشويه والتخريب ومحاولات الاختراق والنواقص. الانتفاضة حل وطني داخلي، يحقق الاستقلال ويعيد بناء الدولة والمواطنة والديمقراطية، ويعالج وينهي مشكلة النفوذ والتدخل الإيراني ويتخلص من الدين السياسي الطائفي البشع. أنها آمال وأحلام صعبة لكنها الحل الوحيد المتاح حالياً كإمكانية تحتاج إلى حماية ودعم وتطوير…
المشكلة الوطنية الداخلية التي نواجهها، ليست مشكلة عادية أو عابرة، أو مشكلة حزب أو حركة أو بقايا يسار أو بعض اليساريين وردحهم الآن مع أو ضد الاحتلال، إنما هي مشكلة كبيرة وعميقة وخطيرة تتمركز حول زلزال الاحتلال وتدمير الوطن والدولة والمجتمع، ونتائج ذلك الكبيرة والخطيرة التي من بينها مشكلة التدخل والنفوذ الإيراني، والصراع والعدوان والتصعيد العسكري الحالي.
ضعف وغياب اليسار الوطني والثقافة الوطنية قلل إمكانية رؤية داخلية مستقلة صحيحة.
الانتفاضة محاولة وطنية للخروج من الأزمة والكارثة التي فرضها الاحتلال على بلادنا، من خلال نظام طائفي متخلف فاسد يقف ضد الوطن. وما يجري اليوم وفي هذه اللحظات من التهديد المباشر لوطننا هو استمرار للوضع السياسي العام، وأزمة السلطة والمنظومة السياسية برمتها، وعزلتها وعجزها وهلعها، وهي فرصة لحماية ودعم وتطوير الانتفاضة الوطنية القائمة والمستمرة، ومنع استغلال ضجيج طبول الحرب ودخانها، كي تقوم الميليشيات الطائفية وفرق الموت بالهجوم على ساحات الانتفاضة للسيطرة عليها وتصفيتها!
هناك انقسام عام بين الموقفين الأمريكي والإيراني، مع ضياع الموقف الوطني الداخلي المطلوب. هناك من يطالب ببقاء قوات الاحتلال الأمريكية، وينشر المواقف الأمريكية من مصادرها دون تعليق أو توضيح حول علاقة وانعكاس ذلك على وطننا. يبقى هناك سؤال رئيسي مهم جداً وحساس في ظل هذا التشابك، كيف تقف ضد المشروع الإيراني في بلادنا، على أسس وطنية، دون الالتقاء بالمشروع الأمريكي ومشروع المستوطنة؟!
حول العدوان والتطورات العسكرية والسياسية الأخيرة، وهي ضد الوطن، وتعبير عن حالة انهيار سياسي واضحة، فإن الموقف الوطني المطلوب هو الوقوف مع الوطن والدفاع عنه ضد الاحتلال والعدوان وكل أشكال التدخل، وهو الموقف الوطني الصحيح باعتبار الوطن كمعيار.
ولا حياد ولا وسطية في قضية الوطن ضد أي احتلال وتدخل وتخريب…
لقد سقطت ثنائيات العقل البائس المغلق (أما مع صدام أو مع أمريكا والآن مع أمريكا أو مع إيران). لا حياد في هذه القضية، مع الوطن، ضدهما. مع دراسة وتحديد حجم خطر كل منهما على بلادنا!
أما تأييد أي من الطرفين فهو وقوف صريح ضد المصلحة الوطنية، كذلك شأن الترويج للدعاية والحجج والآراء وحرب الشائعات فقد وصلت إلى درجة مريعة من الانحطاط والسخافة والخفة، حسب موقع كل وحالة ومستوى كل من يشارك بهذه الدعاية البائسة!