مجلس السلام .. لماذا الآن ؟
هاني عرفات
من الواضح للقاصي والداني، أن إدارة الرئيس الأميركي، تعمل بشكل حثيث على فكفكة آخر قلاع المنظومة الدولية، التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وكان لأميركا نفسها اليد الطولى في تأسيسها، و ساهمت في وضع القوانين الناظمة لعملها و عمل مؤسساتها، ممثلة بهيئة الأمم المتحدة، و تفرعاتها المؤسساتية ، والتي بطبيعة الحال رسخت، واقع موازين القوى بعد الحرب، للحفاظ على مصالح هذه الدول.
إلا أن هذا الحال تغير بعد إنهيار الاتحاد السوفياتي و معسكر وارسو ، مطلع تسعينيات القرن الماضي، المعادلة تغيرت تماماً ، أصبح العالم أحادي القطبية، وصارت أميركا هي المقرر الفعلي على الساحة الدولية، لم يغير من ذلك، بقاء الترسانة النووية الروسية على حالها، لتراجع القدرة على التأثير السياسي إلى حد كبير، وأصبحت روسيا تتسول الخبز وأشياء أخرى من الولايات المتحدة، في عهد يلتسين بعد الانهيار ، وتم بيع الكثير من المؤسسات الصناعية المدنيّة والعسكرية الروسية للغرب،بأبخس الأثمان وتم إلحاق روسيا تالياً بالبنك الدولي، والنظام المالي الغربي عموماً، لإحكام السيطرة على الاقتصاد، بهدف إحكام السيطرة السياسية أيضاً، علماً أن روسيا أدركت ، وقوعها في هذا المنزلق في السنوات الأخيرة، و تحاول جاهدة الخروج منه.
أما الصين فلم تكن الطفرة الاقتصادية الصينية قد أخذت مداها بعد ، وإن ظلت تحت المجهر الأميركي طوال الوقت.
انتشرت مفاهيم العولمة ، بشقيها السياسي والاقتصادي طوال هذا الوقت، وقد أصبح العالم كله مباحاً متاحاً أمام الإمبراطورية الاميركية، لكن مؤسسات حقبة ما بعد الحرب وما قبل انهيار المعسكر الشرقي ، بقيت على حالها شكلاً، رغم تفريغها من المضمون بطبيعة الحال ، ولم تعد هذه المؤسسات الدولية، قادرة على حل أي إشكال ذو شأن على الصعيد الدولي، إلا إذا كان للولايات المتحدة مصلحة في ذلك.
لكن التطور الذي عكس الانتصار الأمريكي، و الحلفاء في الناتو الذين ظنوا بدورهم أن هذا نصر لهم أيضاً، كان يخبئ في داخله كارثة للاقتصاد الأميركي، حيث جاء التخلص من تأثير الخصوم، والهيمنة على بلدان كثيرة في العالم، ليدفع الصناعات الأمريكية لمغادرة الوطن، بحثاً عن الأسواق والأيدي العاملة الرخيصة ، وسلاسل الإمداد و التسويق، وهرباً من الضرائب الباهظة.
صحيح أن هذا كان بدأ منذ فترة، لكن ليس بالشكل الذي تسارعت فيه الأمور، بعد العولمة والتطورات الجوهرية، في التسعينيات من القرن المنصرم.
لنعد قليلاً إلى الوراء، في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن الماضي، تعرضت أميركا لأزمة اقتصادية حادة ، عرفت باسم الكساد الكبير، حيث بلغت نسبة البطالة في العام ١٩٣٣م حوالي ٢٥٪، ومع بداية الحرب العالمية الثانية، التي استنزفت اقتصاديات أوروبا، تمكنت أمريكا من تجاوز الأزمة ، حيث أصبحت المصنع الرئيسي ، للمعدات الحربية والمدنية أيضاً ، و لاحقاً إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب، و من خلال تمدد نفوذها العالمي، و سباق التسلح الهائل الذي شهده العالم في تلك الفترة .
مطلع التسعينيات ، وبعد انهيار المعسكر الشرقي، بدأت مرحلة جديدة من الاسترخاء والتمدد، وكما أسلفت بدأت الصناعات الاميركية تهاجر إلى الخارج، و تركز الاقتصاد الاميركي داخلياً ، في قطاعين كبيرين فقط، الأسواق المالية والعقارات، بينما كانت الصين في المقابل ، تعزز صناعاتها، و تعبئ الفراغات التي تركتها الولايات المتحدة في الأسواق العالمية.
من وحي هذا الواقع العالمي ، جاءت فلسفة التيار اليميني القومي الذي يمثله طرامب، والذي يحمل شعار أميركا أولاً ، حيث يرى أصحاب هذه الفلسفة، أن أميركا العظمى بجبروتها و قوتها لم تأخذ حقها، هي سيدة العالم بدون منازع، و أن قوة أميركا السياسية والعسكرية والاقتصادية ، لم تستثمر كما يجب، والاهم من ذلك أن على الجميع، حلفاء وأصدقاء و تابعين ، تقديم كل ما لديهم، لمساعدة أمريكا في معركتها مع الخصوم، من منطلق المفهوم القائل بأنه، لا وجود لكل هؤلاء بدون أميركا قوية و مهيمنة.
بتقديري أن أميركا بنت قوتها وهيمنتها ، على مدار السنوات الماضية على ثلاث ركائز أساسية: القوة العسكرية، والاقتصادية والأخلاقية أي زعامة المجتمعات الديمقراطية ، أو ما اصطلح على تسميته بالعالم الحر، إبان الحرب الباردة، وما يحتويه ذلك من قيم ، تتعلق باحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان الفردية، وحرية التعبير ..إلخ. وهذه الركيزة بالذات تلاشت بشكل واضح ، مع ظهور الظاهرة الطرامبية الفجة، فيما تعاني الركيزة الاقتصادية المعتمدة على الدولار تراجعات واضحة، وفي هذه الحالة القوة العسكرية لوحدها لا تستطيع أداء الغرض.
من هنا بالذات يأتي الجواب على مجلس السلام، ببساطة لأن الإدارة الاميركية، أصبحت ترى أن المنظومة الدولية التي تشكلت ، بالاعتماد على موازين ما بعد الحرب العالمية، لم تعد صالحة لهذه المرحلة، أو للمستقبل من منظور أميركي ، ولعلكم تذكرون كيف بدأ طرامب عهده الأول ، بمهاجمة المنظمة الدولية ومؤسساتها، و تبع ذلك في عهده الثاني ، بالانسحاب من عشرات المنظمات الدولية. هو يريد بناء منظمة دولية خاضعة تماماً لمشيئته و دون أي رقابة أو مساءلة ، وهذا واضح جداً من خلال البيان التأسيسي للمجلس، الذي يخوّله هو وحده حق الڤيتو والتصرف، وربما بعد مغادرته البيت الأبيض ، هذا طبعاً إن كان ينوي المغادرة.
هذا الأمر في الحقيقة، يربك و يحرج الحلفاء أكثر من الخصوم، و يضعهم أمام خيارات أحلاها مر، غرينلاند نموذج مصغر عن سمات هذه المرحلة، للعلم فإن طرامب يستطيع بناء على مواثيق حلف الناتو، إقامة القواعد العسكرية و غيرها في الجزيرة ، دون التملك الذي أراد، لكن هذه المعركة التي يديرها مع الاتحاد الأوروبي ، هي عبارة عن رسالة أخرى يريد إيصالها إلى (الحلفاء) ، بأن هذا زمن جديد وسياسات جديدة، و بالتأكيد أيضاً هناك أمر آخر، متعلق بشخصية طرامب، الذي يريد أن يسجل له التاريخ، أنه ضم أكبر جزيرة غير قارية في العالم ، للولايات المتحدة الأميركية.
إلى أي مدى سوف ينجح طرامب في تحقيق مبتغاه، هذا أمر آخر ، يمكننا القول أن سياساته هذه، سوف تحدث شرخاً في العلاقات مع القارة العجوز قد يصعب رتقه، حتى بعد رحيل الرئيس الأميركي، فقد أظهر استطلاع للرأي في بريطانيا ، وهي الأقرب تاريخياً لأميركا، أن ٥٧٪ من البريطانيين يعتقدون أن الولايات المتحدة ليست بلداً حليفاً.
أما السؤال الأكثر أهمية في هذا الخصوص، تحديداً لدى الأوروبيين ، هو فيما إذا كانت الطرامبية مرحلة عابرة، تنتهي بانتهاء فترة الرئيس الاميركي، أم أن هناك تيار متنامي في الولايات المتحدة ، يؤذن ببداية مرحلة وليس نهايتها.
2026-01-24