مجزرة تنومة… بأي ذنبٍ قُتلوا؟
غيداء شمسان غوبر*
مجزرة تنومة دمٌ على طريق الحرم!! في سجلّ التاريخ، هناك صفحاتٌ تُكتب بمدادٍ من نور، وأخرى تُلطّخ بقعرٍ من ظلامٍ لا ينقشع ومن بين تلك الصفحات المظلمة، التي تُدمي القلوب وتُشيب الرؤوس، تبرز في هذه الأيام الذكرى الخامسة بعد المئة لمجزرةٍ أليمةٍ، تُعيد طرح السؤال الأزليّ الذي يتردد صداه في أروقة الضمير الإنساني، ويُدمي قلوب الأحرار في كل مكان: بأيُّ ذنبٍ يُقتلون حجاجُ بيت الله الحرام ظُلمًا وغدرًا، حقـدًا، وعدوانًـا؟! ما ذنبهم، يا من فقدتم كل معاني الإنسانية، ويا من تجردتم من كل وازعٍ دينيٍ أو أخلاقي؟!
كانوا قادمون من كل فجٍ عميق، من أرض اليمن المباركة، قلوبهم تلهج بالتهليل والتكبير، أرواحهم تتوق لرؤية الكعبة المشرفة، وأجسادهم تحمل تعب السفر شوقاً للقاء ربّ البيت يذهبون وهم فارحين، آمنون تحت راية الإيمان، مُتشوقون لرؤية بيت الله الحرام، لا يحملون سلاحاً، ولا يُضمرون شراً، غايتهم رضى الله ومغفرته، يرجون رحمة ربهم ويخافون عذابه.
ولكن، يا للأسف ويا للعار، لم يجدوا على طريق الحرم إلا الغدر والخيانة. لم يُقابلوا بالترحاب الذي يليق بضيوف الرحمن، بل قُوبلوا بوابلٍ من الرصاص، وبحدّ السيف والخناجر قُتلوا وهم راكعون، وهم ساجدون، في أقدس اللحظات وأقربها إلى الله. لم يُفرّق المجرمون بين صغيرٍ لم يبلغ الحلم، وكبيرٍ أنهكه السفر، ولا بين رجلٍ وامرأة، كانت آلة القتل العمياء تحصد الأرواح البريئة بلا تمييزٍ أو رحمة، في مشهدٍ يُبكي السماء قبل الأرض.
ومن نجا منهم من الرصاص الذي اخترق الأجساد الطاهرة، لم ينجُ من وحشيةٍ أخرى. مات بعضهم بالخناجر والسيوف التي مزقت الأجساد، وبعضهم الآخر، في مشهدٍ يُدمي القلب ويُشيب الرؤوس، نجا بين الدماء، متظاهراً بالموت أمام أعين المجرمين، يحمل في روحه رعب اللحظة وقسوة المشهد، شاهداً على إجرامٍ لا مثيل له، وعلى وحشيةٍ فاقت كل تصور.
إنه إجرامٌ تجاوز كل الحدود، وتعدٍ سافرٌ على ضيوف الرحمن، ارتكبه آل سعود، من ادّعوا أنهم حماة الحرمين، بينما هم في حقيقتهم مجرد أدواتٍ للقتل والتدمير، لا يربطهم بالدين ولا بالقيم ولا بالأخلاق أيّ صلة لقد دنّسوا طريق الحرم بدم الأبرياء، وانتهكوا حرمة الزمان والمكان والإنسان.
وما السبب في تلك الوحشية المفرطة، وفي هذه المجزرة المُوجعة التي هزّت الوجدان ولا تزال أصداءها تتردد؟ هل كانت مجرد لحظة جنونٍ عابرة؟ أم هي تعبيرٌ عن حقيقةٍ أعمق وأكثر خطورة؟ إنها ليست مجرد حادثةٍ فردية، بل هي تعبيرٌ عن أسبابٍ سياسيةٍ خبيثةٍ، وعن صراعٍ على السلطة والنفوذ، لا يُقيم وزناً لحرمة الدماء أو قدسية المكان والزمان وربما، بل الأكيد أنها كانت تعبيراً عن عقيدةٍ فاسدةٍ، وحقدٍ دفينٍ ولعينٍ على الإسلام والمسلمين، متجذّرٍ في تاريخٍ أسودٍ لا يعرف إلا الغدر والخيانة.
إنها تجسيدٌ حيٌّ لطبيعةٍ لا ترى في الآخرين إلا أعداءً يجب استباحة دمائهم وأموالهم، حتى لو كانوا ضيوف الرحمن.
في الذكرى الخامسة بعد المئة لمجزرة تنومة، لا يزال السؤال يتردد، ولا يزال الدم يصرخ. إنها ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي جرحٌ نازفٌ في جسد الأمة، وشاهدٌ على إجرامٍ لا يُنسى، وتذكيرٌ بأن من يتجرأ على قتل ضيوف الرحمن في طريقهم إلى بيته، لا يمكن أن يُؤتمن على مقدسات المسلمين ولا على أرواحهم إن دماء شهداء تنومة ستبقى لعنةً تطارد المجرمين، وشاهداً على حقيقةٍ لا يمكن طمسها: أن الحق لا يموت، وأن الظلم لا يدوم، وأن القصاص آتٍ لا محالة، وأن دماء الأبرياء لن تذهب هدراً.
اتحادكاتبات اليمن
2025-05-28